المحتوى الرئيسى

لماذا انهارت أسعار النفط الخميس الماضي؟

05/10 06:56

أنس بن فيصل الحجي كان انهيار أسعار النفط بأكثر من عشرة دولارات للبرميل يوم الخميس الماضي، الأكبر في تاريخ صناعة النفط لبعض النفوط، وثاني أكبر انخفاض لبعض النفوط الأخرى. هل كان الانخفاض مفاجئا؟ لا، لم يكن مفاجئا، لكن سرعة الانخفاض؛ كونها حصلت في يوم واحد بدلا من عدة أيام، كانت مفاجئة للجميع. هناك سببان رئيسان لانخفاض أسعار النفط بشكل عام، هما: ضعف نمو الاقتصاد العالمي من جهة، وارتفاع أسعار النفط بشكل كبير من جهة أخرى. فبيانات النمو الاقتصادي من الولايات المتحدة وأوروبا كانت أقل من التوقعات، رغم قيام البنوك المركزية بتبني سياسيات تحفيزية. فقد بلغ النمو الاقتصادي في الربع الأول من العام الحالي في الولايات المتحدة 1.8 في المائة. هذا النمو لم يكن أقل من المتوقع فقط، إنما نتج جزء منه من السياسات المالية والنقدية التحفيزية. هذا يعني أن النمو في الاقتصاد الحقيقي الذي يسهم في خلق الوظائف، وبالتالي في رفع الطلب على المواد الاستهلاكية، بما في ذلك البنزين، أقل من معدل النمو المعلن. إضافة إلى ذلك، فإن بيانات الوظائف والعمالة بدأت تسوء بعد أن شهدت تحسنا في الشهور الماضية، كما أن هناك تخوفا من اتخاذ الصين إجراءات صارمة لمكافحة التضخم، التي قد تؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في الصين. ولا يمكن تناسي مشكلة الديون في بعض الدول الأوروبية التي ما زالت تلقي بظلالها على النظام المالي العالمي, أما عن أثر ارتفاع أسعار النفط فإن الذين قالوا إن أسعار النفط بين 110 و120 دولارا للبرميل لا تؤثر في الاقتصاد العالمي واهمون. فهذه الأسعار مرتفعة جدا إذا وضعت في إطارها الاقتصادي الصحيح، وتعادل أكثر من 180 دولارا للبرميل إذا تمت مقارنتها بالأوضاع الاقتصادية في بداية عام 2008. إن العلاقة بين أسعار النفط والنمو الاقتصادي تعتمد على عدة متغيرات، أهمها أسعار الفائدة، ومعدلات التضخم والإنفاق الحكومي، والضرائب، ومعدلات الاستهلاك والدخول. لم يؤثر ارتفاع أسعار النفط الكبير بين عامي 2004 وبداية عام 2008 في نمو الاقتصاد العالمي بسبب زيادة الاستهلاك والدخول والإنفاق الحكومي والعسكري وزيادة معدلات الإنتاجية (التي خفضت من معدلات التضخم) في الوقت الذي انخفضت فيه معدلات الفائدة وسعر صرف الدولار، بينما انخفضت الضرائب في أكبر اقتصاد عالمي وأكبر مستهلك للنفط، الولايات المتحدة. لكن الأمر، منذ نهاية الكساد العالمي في منتصف عام 2009، مختلف عما سبق، فالاستهلاك والدخول أقل من ذي قبل، بينما انخفض الإنفاق الحكومي وانخفضت أيضا معدلات الإنتاجية، الأمر الذي يعني ضرورة رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم. بناءً على هذه المتغيرات، فإن العالم لا يستطيع تحمل أسعار نفط فوق 80 دولارا للبرميل، وبالمناسبة، فإن هذا السعر قريب من السعر الذي ترغب فيه السعودية. إن انخفاض استهلاك البنزين في الولايات المتحدة في الشهرين الأخيرين يوضح تماما أثر ارتفاع أسعار النفط في الطلب في النفط في الولايات المتحدة. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد لأن مبيعات السيارات في الولايات المتحدة تشير إلى انخفاض كبير في مبيعات السيارات الكبيرة، وزيادة كبيرة في مبيعات السيارات الصغيرة، خاصة الهجينة منها. هذا يعني أن أثر ارتفاع أسعار النفط في الأشهر الثلاثة الأخيرة لم يؤثر في المدى القصير فقط، لكنه سيؤثر أيضا في الطلب على النفط في المدى الطويل. إذاً، كانت الأسعار ستنخفض على كل الحالات، لكن كان هناك سبب مباشر لبدء الأسعار بالانخفاض، ثم سبب فني في الانهيار السريع للأسعار. السبب المباشر هو صدور العديد من التقارير في الولايات المتحدة وأوروبا التي أوضحت أن الوضع الاقتصادي في كلتا المنطقتين أسوأ من المتوقع. نتج من هذه التقارير انخفاض كبير في أسعار السلع كافة، كما شهدت البورصات العالمية هبوطا كبيرا. ففي يوم الأربعاء صدر تقرير عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية يوضح زيادة في المخزون للأسبوع الثاني على التوالي، في الوقت الذي توقف فيه نمو الطلب على النفط عن النمو. وفي صباح يوم الخميس صدر تقرير أسواق العمل الذي بيّن، وعلى عكس التوقعات، زيادة كبيرة في عدد طلبات إعانات البطالة. كما صدر تقرير آخر أوضح أن هناك انخفاضا كبيرا في طلبيات السلع الصناعية لدرجة أن الطلبيات الجديدة سجلت أكبر انخفاض لها خلال 14 سنة الماضية. واستمر مسلسل الأخبار السيئة في ذلك اليوم، حيث أظهر تقرير ألماني أن الطلب على المنتجات الصناعية في ألمانيا انخفض بشكل كبير، في وقت توقع فيه الخبراء أن يرتفع. ويرى البعض أن السبب الرئيس في انهيار أسعار السلع، بما في ذلك النفط، هو تصريح، جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، بأن البنك لن يرفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو لمكافحة التضخم، الأمر الذي أسهم في انخفاض اليورو وارتفاع الدولار بشكل ملحوظ. وبما أن السلع تسعّر في الأسواق العالمية بالدولار، وهناك علاقة عكسية بين الدولار وأسعار السلع، فإن ارتفاع الدولار يعني بالضرورة انخفاض أسعار هذه السلع. وتفاقمت المشكلة بسبب البيع الإلكتروني الناتج من برامج إلكترونية تشتري وتبيع وفق حدود معينة. مثلا، بفرض أن السعر يوم الأربعاء كان 112 دولارا للبرميل وهناك شركة أو بنك تمتلك عقودا لـ 300 ألف برميل. يقوم مديرو الاستثمار في الشركة ببرمجة أجهزة الكمبيوتر بشراء المزيد من النفط إذا ارتفعت أسعار النفط إلى 114 دولارا للبرميل، وبيع كمية قدرها 100 ألف برميل إذا انخفضت الأسعار إلى 110 دولارات للبرميل، و100 ألف برميل أخرى إذا انخفضت الأسعار إلى 108 دولارات للبرميل، و100 ألف الأخيرة إذا انخفضت الأسعار إلى 106 دولارات للبرميل. المشكلة أن هناك مئات الشركات التي تتبنى الطريقة نفسها، لكن بأسعار مختلفة. والذي حصل أن أسعار النفط انخفضت بشكل ملحوظ بسبب التقارير السلبية، لكن الانخفاض كان كبيرا لدرجة أن أجهزة الكمبيوتر بدأت البيع، فزاد المعروض عن المطلوب عند ذلك السعر، فانخفضت الأسعار، وكلما انخفضت الأسعار، زاد المعروض، وهكذا. المشكلة الآن أن بعض مسؤولي ''أوبك'' يعتقدون أن انخفاض الأسعار دليل على دور المضاربات من جهة، وعلى أن الإمدادات كافية في السوق من جهة أخرى. لكن وضع السوق يختلف تماما عما يقوله هؤلاء. لقد انسحب المضاربون، وما زالت الأسعار في حدود 100 دولار للبرميل. هذا السعر ما زال مرتفعا، وإذا لم تتدارك ''أوبك'' الأمر وترفع الإنتاج من الآن، وخفضت الأسعار إلى نحو 70 دولارا للبرميل، فإن الربيع المقبل سيشهد انخفاضا حادا في أسعار النفط بسبب تدمير الطلب على النفط، وقد تنهار الأسعار إلى ما دون 50 دولارا للبرميل. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل