المحتوى الرئيسى

"مشروعية" القتل

05/10 02:01

عبدالوهاب بدرخان بعد إعلان أوباما أنه وقـَّع على أمر العملية التي أودت بأسامة بن لادن، فتح أكثر من جدل على خلافات لم تحسم منذ بدء "الحرب على الإرهاب". لعل أولها أن أوباما كان جَهد للتمايز عن مفاهيم تلك الحرب وقذارتها، حتى أنه تبنى "عقيدة" جديدة لتأكيد نهايتها، فإذا به يعود إلى روحيتها كما كان يعبر عنها بوش. وعندما أوضح بعض "المصادر" أن المهمة كانت للقتل لا للاعتقال ارتقى ما وقع عليه الرئيس إلى مستوى الفتوى بالإعدام الفوري من دون محاكمة لـ"المطلوب" أو حتى مساءلة لمعرفة جوابه عن الاستفهام الذي تكرر كثيراً: لماذا يكره أميركا، ولماذا إلى هذا الحد؟ لم يكن الإجراء استثنائيّاً، فالرئيس الأميركي يوقع بحسب القانون على كل المهمات المتعقلة بالأنشطة ضد "العدو" خصوصاً في الخارج، وإذا كان من "استثنائية" فهي أنه يعلم أنها مهمة تصفية جسدية. هنا الجدل الآخر: كيف أمكن الوصول إلى حشر العدو في هذه اللحظة؟ يعود الفضل في ذلك إلى "الأساليب الخاصة" التي استخدمت في التحقيق مع معتقلين في غوانتانامو، أي إلى التعذيب بوسائله كافة، وقد كانت مذكرة شهيرة أقرّها بوش أضفت مشروعية كاملة على التعذيب واعتبرت فضيحة بل عاراً على أميركا. وهذه نأى أوباما بنفسه عنها، مبديّاً حيالها الكثير من الخجل والاشمئزاز حين كان لا يزال مرشحاً، لكنه مع دخوله البيت الأبيض أحجم عن اتخاذ تدابير ضد "الجلادين" المعروفين، ربما لأنه لم يرد معاقبة المنفذين طالما أنه التزم حماية المقررين. مع ذلك، شكل القتل المبرمج لابن لادن فرصة للبوشيين كي يعيدوا "الفضل" في الوصول إلى زعيم تنظيم "القاعدة" إلى أصحابه. لم يكن بن لادن قد فوَّت أي مناسبة، منذ 11 سبتمبر 2001، من دون أن يؤكد مسؤوليته عن الهجمات التي قضى فيها الآلاف. وهذا ما يمكن اعتباره تغطية لـ"مشروعية القتل" في "فتوى" أوباما. لكن الحديث المتواصل عن "العدالة" وعن البون الشاسع بين أساليب الدول وأساليب التنظيمات الإرهابية، هو ما أطلق الجدل على الضرورة التي أوجبت قتله حين أمكن اعتقاله وهو أعزل. في النهاية، عادت أساليب الدول والتنظيمات فتماهت، والعذر هنا أن "الحرب على الإرهاب" ليست تقليدية، وبالتالي فإن الأخلاقيات الحربية فيها معدومة من هذا الطرف أو ذاك، بما في ذلك "الدفن" في البحر، والقول إنه تمَّ وفقاً للعادات الإسلامية، فيما هو تم واقعيّاً بحسب تقاليد اللحظة التي شاءت أن يكون بن لادن موجوداً في لا مكان. والآن، إلى الجدل الأخطر والأهم. إذ طالما أن الرئيس الأميركي تولى شخصيّاً قيادة عملية القتل وجلس مع أركان الدولة يشاهدون مجرياتها بالبث المباشر، فما الذي يميز بينه وبين أي مسؤول أعلى في أي دولة ويعطي مشروعية لقتل أعدائه؟ كان لافتاً أن من تلقف مغزى اللحظة هم العسكريون الإسرائيليون. لماذا؟ لأنهم يعرفون أن المجتمع الدولي صنفهم كمجرمي حرب وعاملهم، باستثناء دول قليلة بينها الولايات المتحدة، بكثير من الحذر والتجنب وبشيء من النبذ. أولهم شاؤول موفاز، الذي كان وزير الدفاع عند آرييل شارون، إذ قال إن أميركا "تبنت سياسة الاغتيالات الإسرائيلية". أما أهارون زئيفي فركاش، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، فاعتبر أن قتل بن لادن "يعطي شرعية لاغتيال الإرهابيين"، و"هذا تغيّر تدريجي في قواعد المواجهة في إطار الحرب على الإرهاب". وعليه سمى موفاز زعماء "حماس" وسمى فركاش الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله كـ"أهداف" اكتسب اغتيالها "شرعية" مسبقة. معلوم أن إسرائيل بدت جاهزة فور هجمات 11 سبتمبر لإضفاء صفة الإرهاب على الفلسطينيين، سلطة وشعباً، بموافقة إدارة بوش، وتولى موفاز حينذاك تنفيذ "قرار حكومي" على نحو يشي بأنه مكلف بإحراز أكبر رقم من القتلى يوميّاً. والأكيد أن هذه "الشرعية" نفسها هي التي غطت اغتيال الشيخ المقعد أحمد ياسين وأيضاً قتل عشرات المدنيين للوصول إلى صلاح شحادة في غزة. يفترض أن يقود قتل بن لادن إلى إعادة المفاهيم إلى نصابها. فأميركا فقدت صوابها في سعيها إلى الثأر، وتغاضت عن استغلال إسرائيل للحظة غضبها، والآن لابد من توضيح الفارق بين الإرهابي والمقاوم ضد الاحتلال، مثلما أن هناك فارقاً بلاشك بين أوباما وموفاز. *نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل