المحتوى الرئيسى

نقد نقاد دولة المواطنة‏..‏ مرة أخري‏!‏

05/10 00:43

لا جدال أن مصر أمة في خطر‏!‏ كما أعلن وزير العدل بعد الحريق الأخير للفتنة الطائفية في أحداث كنيستي مار مارينا والعذراء في حي إمبابة‏.‏ وبين نذر سكة الندامة‏,‏ في مفترق الطرق الذي تتداخل فيه مع سكة السلامة‏.  قلت في مقال سابق, وأكرر أنه: لا يملك المسلمون والمسيحيون إلا كل هذا الفزع من نيران فتنة طائفية, يدفع الجهلاء والسفهاء نحو تأجيجها. ولا يملك المصريون إلا كل هذا الخوف من الذين يدعون لدولة الفقهاء أو ينذرون بدولة سلفية. ولا جدال أن ثورة25 يناير قد رفعت قيودا واهية, فانطلق التطرف الديني يشعل الحرائق الطائفية كما رأينا في وقائع مثل حريق كنيسة صول وحصار السلفيين للكاتدرائية وإعلان الحداد علي زعيم القاعدة! بيد أن الجذور والأسباب الأعمق لنذر سكة الندامة هذه التي دفعت لاعتبار أن مصر أمة في خطر! ترجع إلي إخفاق نظام مبارك, ولكنها تمتد أيضا إلي المد الأصولي بعد هزيمة يونيو منذ عهد عبد الناصر كما تشهد أحداث كنيسة الخانكة, والي شعوذة خلط الدين بالسياسة التي بعثها السادات فأطلق سراح القوي التي اغتالته! ولا خلاف علي حتمية تفعيل إعلان المجلس العسكري الأعلي لوأد الفتنة الطائفية التي تطل بنذرها الوخيمة علي مصر المحروسة, ثم قرارات مجلس الوزراء بتوقيع أغلظ عقوبات مكافحة الإرهاب لردع مشعلي الحرائق الطائفية وتهديد دور العبادة, بيد أن هذا وذاك من التأكيد علي تفعيل دولة القانون يتعامل مع النتائج والعواقب وليس الأسباب والجذور. فالأهم هو الانتقال من القول إلي الفعل في إعادة بناء وعي المصريين جميعا بحتمية إعلاء مباديء دولة المواطنة في أمة تبدو غافلة عن أنها قدمت نموذجا رائدا وفريدا للوحدة الوطنية, منذ أسس المصريون قبل آلاف السنين دولتهم الموحدة, منذ كونوا أمتهم علي الأساس المتين: الدين لله والوطن للجميع. وقد أوجزت فأوضحت في المقال المذكور أن: مصر سياسيا, أمام سكة التقدم صوب دولة المواطنة المدنية, أو سكة السقوط نحو ظلمة دولة الفقهاء. ومصر ثقافيا, أمام سكة التقدم صوب تعزيز التسامح مع الآخر واحترامه, أو سكة الرضوخ لثقافة كراهية الآخر وتهميشه. ومصر اجتماعيا, أمام سكة التقدم صوب تعزيز ركائز تماسك النسيج الاجتماعي, أو سكة تكريس تفكك النسيج المجتمعي. وفي مفترق الطرق الراهن حيث يلوح خطر سكة الندامة أقول باستقامة: أنه قد آن الأوان لأن يتصدي المسلمون من أبناء الأمة المصرية لفكر الدعوة إلي دولة الفقهاء, وإن تباينت مناهج ووسائل الدعاة بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية الإسلامية والتيار السلفي الإسلامي. كما آن الأوان أيضا لأن يتصدي المسيحيون من أبناء الأمة المصرية لفكر الاحتماء بالكنيسة القبطية انتقاصا من هيبة الدولة المصرية, والاستقواء بالخارج بدلا من الانصهار في الجماعة الوطنية المصرية, ونبذ فرية تصنيف المصريين بين أقباط يزعم أنهم أصحاب الوطن ومسلمين يزعم أنهم وافدون من جزيرة العرب! وعلي مصر ـ نخبة وشعبا ودولة ـ استيعاب حقيقة تكوين الأمة المصرية قبل المسيحية والإسلام بآلاف السنين, وعاشوا في ظلهما أمة واحدة; رغم تعريب اللسان والهجرة العربية وعواصف الحروب الصليبية وحكم العصبيات غير الوطنية والغزو الروماني والعثماني والأوروبي وفقدان الوعي بالهوية الوطنية المصرية! وفيما يتصل بدولة المواطنة, وإدراكا لمسئولية أغلبية أبناء الأمة المصرية من المسلمين, أعود هنا الي ما كتبت, في مقالي المعنون نقد نقاد دولة المواطنة, والمنشور بجريدة الأهرام في25 فبراير2007, حيث أعلنت: إنني لم أقبل رفض حزب الوسط بمرجعيته الاسلامية وبرنامجه المدني. كما أكدت بوضوح: أنني مع حق أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في تأسيس حزب سياسي بمرجعية إسلامية; بشرط أن يكون: حزبا مصريا لا فرعا لتنظيم دولي, وعلنيا لا نصف سري, ومدنيا لا شبه عسكري, وبديلا لا ذراعا للجماعة, وباسم يوجز برنامجه, لا مسمي يوحي بأنه الناطق باسم الإسلام! أما بشأن تأسيس حزب بمرجعية إسلامية فقد قلت وأكرر إن نص الدستور بإعلانه أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع يحدد سقف المرجعية الإسلامية. ولكن كما يشرح الأستاذ طارق البشري إن الأحكام التفصيلية في هذا الشأن... ستكون متباينة بحسب اجتهادات الناس لحلول مشكلاتهم الاجتماعية والسياسية. وهي تحتمل, بل تفترض, قبول الاختلاف والتنوع والتغير بحسب الزمان والمكان. وأضفت أنني: أتوقع أن مثل هذا الحزب قد تعترض عليه لجنة الأحزاب; لكن... سيفرض شرعيته مع غيره من الأحزاب تحت التأسيس, التي تتعنت لجنة الأحزاب برفضها; وإن اعترفت بحزب وحيد أعلن مؤسسه أنه حزب لا يعمل بالسياسة!! وقد رأيت ولا أزال أن موقف تيارات الإسلام السياسي بشأن ولاية المسلم انتهاك صارخ لمبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين في الدستور, حتي وإن كانت ولاية غير المسلم غير مطروحة عمليا. واكتفي هنا بأن أسجل ما أوضحه المفكر الإسلامي والفقيه الدستوري طارق البشري بقوله: إن المساواة بين المسلمين وغيرهم كانت متحققة في الفقه الإسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة. وتقوم المشكلة فيما يتعلق بالولاية العامة, أي تولي المناصب الرئاسية في الدولة أو القيادية في الجيش أو القضاء. ويقوم الاجتهاد الذي أنادي به في هذا الشأن علي أن الولاية العامة, التي كان الفقه التقليدي يشترط فيمن يمارسها الإسلام, انتقلت من الأشخاص إلي الهيئات... ولما كان الفقه التقليدي يقبل بولاية غير المسلم للولايات التنفيذية, ثم جاء هذا الاجتهاد ليحل مشكلة الولايات العامة جميعا, تنفيذا وتفويضا, فصارت المساواة بين المسلم وغيره كاملة...وإذا كان ذلك كذلك; فعلام إذن الصراخ ضد المواطنة؟؟ وألفت الانتباه مجددا الي ما كتبه الدكتور جمال حشمت, في مقال نشرته إخوان أون لاين, يزعم أن من يختلف مع اجتهاد الجماعة يضيق علي الذين يرون أن الإسلام هو الحل لكل القضايا والمشاكل لأنه من لدن الحكيم الخبير, ولا يسمح لهم بحزب ولا صحيفة. ثم أضاف ما يعزز المخاوف; بدعوته الي إطلاق تأسيس أحزاب تضم المصريين وفق انتمائهم الديني, زاعما أنه لا يمكن أن يحدث إنشاء حزب مسيحي وحزب إسلامي فتنة طائفية! متجاهلا أن المحيط العربي الاسلامي يحترق من حولنا من جراء الفرقة وما تشعله من الفتنة! ثم ضاعف المحاذير بدعوته الي سلطة فقهاء تجب السلطة التشريعية; سلطة لا تبعد كثيرا عن مفهوم ولاية الفقيه في إيران. ولا تقل المخاوف بوعده أن الآلية هي هيئة كبار العلماء أو مجمع البحوث الإسلامية... وليس مفتيا لجماعة الإخوان, كي يقرر شرعية التشريعات من عدمها! وقد شرع سيف الإرهاب الفكري نائبا للإخوان المسلمين في مجلس الشعب الأسبق; معلنا أن حظر النشاط السياسي علي أساس ديني هو اتهام للشريعة الإسلامية بالعجز وعدم الإنصاف سواء بين المسلمين أو مع غير المسلمين! لكن المغالطة تبرز هنا في الزعم بأن الشريعة الإسلامية كانت تحكم طوال أربعة عشر قرنا, مهما انحرف الحكم البشري فعليا في تاريخ المجتمعات الإسلامية عن مقاصد الشريعة الإسلامية. وأكرر ما كتبت في مقال علاقة الدين بالدولة في حوار المواطنة, المنشور بجريدة الأهرام في11 مارس2007, فأقول: إن دعوة نواب الجماعة الي تحديد مفهوم المواطنة درءا للالتباس, بزعم أنها تنذر بوضع الولاء للوطن في مواجهة الولاء للعقيدة... هي التي تخلق إالتباسا لا يجوز بين الانتماء للوطن والولاء لمصالحه العليا مع الإيمان بالدين والالتزام بمقاصد شريعته! وصيغة إما الدين وإما الوطن.. تبعث علي خوف مشروع من جعل الانتساب لإحدي جماعات الإسلام السياسي والانصياع لفقهها في تضاد مع الانتماء للوطن والولاء لمصلحته! ببساطة لأن تفسير النص الديني أمر يخضع للاجتهاد; لكنه مجرد اجتهاد جماعات من المسلمين ليس إلا... وإلا بقيت مصر أمة في خطر! وللحديث بقية. المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل