المحتوى الرئيسى

انتفض يا سيادة الوزير

05/10 11:59

 كنا ننتظر من الدكتور أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم، فكرا نيرا، وسياسة أكثر حكمة، ومبادرة شجاعة تحطم القواعد الروتينية في التعامل مع قضايا التربية والتعليم، فإذا بنا نجد الرجل غارقا في دوامة من الملفات التي لا يدري- فيما يبدو- كيف يخرج منها بأقل الخسائر. فبدلا من الإسراع بوضع استراتيجية شاملة لتطوير عناصر العملية التعليمية، على اعتبار أنها المفتاح السحري لتقدم المجتمع المصري ومواكبة التطورات العالمية، انشغل الوزير بأمور فرعية لا تقدم ولا تؤخر، واتسم قراراته بالبطء الشديد، وربما الخوف من تداعيات هذه القرارات.وقد يلتمس البعض للوزير العذر، فهو وزير في حكومة مؤقتة، فلماذا يشغل رأسه بصداع قضايا قد تحتاج إلى سنوات بعيدة لمعالجتها. وقد يرى البعض أن الأمر يختلف عن هذا التصور، فعهد مبارك ولى فعلا، ولكن سياساته العقيمة وأفكاره البالية مازالت هي المسيطرة على المشهد الحكومي حتى الآن، ولا يمكن أن تتغير بين يوم وليلة، وأن الأمر يتطلب ثورة جديدة في السياسات قبل تغيير الأشخاص.ودعوني أضرب مثلا على ذلك، فمنذ أكثر من ثلاث سنوات أغرق النظام البائد وزارتي التربية والمالية وربما الحكومة كلها في مستنقع اسمه "كادر المعلمين"، وثبت بالدليل القاطع أنه نظام فاشل لم يقدم شيئا يذكر للعملية التعليمية، ولم يوقف ظاهرة الدروس الخصوصية، ولم ينجح في تحسين مستوى المعلم، وإنما كان بمثابة إهانة للمعلم أمام طلابه، وإهدار لكرامته وسط المجتمع.. هذا النظام- يا سادة- تعامل مع المربين وكأنهم متسولين، يقفون على أعتاب الوزارة طلبا للصدقة والإحسان، وهم الذين يستحقون أكثر بكثير من فئات عديدة في المجتمع.لقد مارست الوزارة مع المعلمين والمعلمات لعبة القط والفأر، فأحيانا تقوم بدور القط لإخافة المعلمين وتهديدهم بعدم التثبيت وحرمانهم من تحسين ظروفهم المعيشية عبر تعمد إسقاطهم في تلك الاختبارات العقيمة، وأحيانا تلعب دور الفأر، فإذا انتفضت المعلمون للمطالبة بحقوقهم توارت ذعرا واكتفت بوعود تعلم يقينا أنها لن تستطيع الوفاء بها.وأنا لا أعذر الوزير، إذ أن المفترض أنه اطلع على التجارب الدولية الناجحة في مجال التربية والتعليم، وباستطاعته الاقتباس منها أو  على الأقل تجربتها في عدد من المدارس.. نعم لا أعذر الوزير، إذ أن عليه أن يبدأ بحلحلة الأوضاع داخل وزارته، بدءا من المعلم ومرورا بالمدرسة وانتهاء بالمنهج.لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقف مصر على أقدامها بدون نهضة تعليمية كبرى، ولن يتأتى ذلك إلا بتدريب المعلمين وتحسين أوضاعهم المعيشية، وتعديل مناهجنا البالية، وتهيئة مقار المدارس وتخفيف الأعداد بالفصول وزيادة المنشآت لمواجهة الكثافة السكانية المتنامية.وإذا كان الدكتور جمال الدين قد شكل لجنة لدراسة تطوير الأكاديمية المهنية للمعلمين، فإن ذلك يعني اعترافا بفشل الأكاديمية في تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله، وكذلك الإقرار بإنفاق الملايين وراء سراب لم يتحقق.الغريب والمدهش حقا، أن الوزير يرى إلغاء امتحان الكادر ويعلن أن الاختبار المقبل سيكون آخر الاختبارات، ثم يصر عليه، ويحدد موعدا لإجرائه في منتصف يوليو المقبل، فإذا شكا المدرسون في الدول العربية من عدم مواءمة الموعد المحدد للاختبار مع مواعيد عودتهم إلى مصر في الإجازة الصيفية، تردد الوزير في اتخاذ قرار، وأحال الأمر إلى الأكاديمية، ثم يخرج علينا مصدر مسئول- لا أدرى حدود مسئوليته- ليعلن أن الامتحان لن يؤجل. !ما هذا يا سادة؟. الوزير يطلب دراسة التأجيل مراعاة لظروف المدرسين المغتربين، ثم نفاجأ بمن يمارس سلطات أقوى داخل الوزارة، ويتصرف كما لو كان هو صاحب الكلمة العليا دون أي لباقة أو كياسة.ورغم أني أرى أن الإصرار على مثل هذا الاختبار يعد إهدارا للمال العام وانتقاصا من قدر المعلم، إلا أن البعض قد يبرر عدم التأجيل بأن المعلمين داخل مصر يريدون إجراء الاختبار في موعده، بينما المعلمين  المغتربين يرون أن التأجيل سيتيح لهم العودة والاستعداد للامتحان خاصة وأن أعمال الاختبارات والتصحيح وحجوزات الطيران لن تسمح لأغلبهم بالعودة قبل نهاية يوليو.والحق أنني لا أرى تناقضا يستدعي التعنت في عدم التأجيل، فلماذا لا يجري الاختبار للمعلمين داخل مصر في موعده ويؤجل اختبار معلمي الخارج أسبوعين مثلا حتى لو أدى ذلك إلى مساهمتهم المالية لدرء الذرائع؟.وبصراحة شديدة، أقول إن الوزارة تتحرك كالسلحفاة، إما عن جهل أو عمد أو تكاسل أو بسبب الروتين، متجاهلة أن حجوزات الطيران والبواخر في الإجازة الصيفية ليست بالأمر السهل، بينما لا تزال تدرس وتدرس... ثم تدرس وتدرس، ولا ندري إلى متى ستظل تدرس؟. ومتى سينتفض الوزير على كراكيب الوزارة، ويعيد ترتيب البيت التربوي؟.ويبقى أن نطرح على الوزير سؤالا هاما ألا وهو: إذا كنت مقتنعا بعدم جدوى اختبار الكادر وعدم فاعلية أكاديمية المعلمين، وتعتزم إلغاء اختبارات الكادر واستبدالها بآلية أخرى للتقييم، فلماذا لا تكون وزيرا ثائرا يتحلى بروح الثورة وتبدأ بهذه الآلية من العام الحالي، وتوقف مهزلة إهانة المعلمين، وتساوي بين الجميع وفقا لقواعد العدالة؟. فلاشك أن مثل هذا القرار الشجاع سوف يحفر في سجل إنجازاتك حيا وميتا؟.Lotfi1517@gmail.com 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل