المحتوى الرئيسى

أيكون الخوف عنوانًا للمئوية الثانية؟

05/10 08:35

بقلم: فهمي هويدي 10 مايو 2011 08:22:54 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; أيكون الخوف عنوانًا للمئوية الثانية؟  إذا جاز لنا أن نقول بأننا عشنا «السكرة» فى المائة يوم الأولى من عمر الثورة المصرية، وأننا أفقنا على «الفكرة» مع تباشير المائة الثانية، فهل يجوز لنا أن نقول بأن النشوة والأمل كانا من عناوين الأولى، وأن «الخوف» مرشح لأن يصبح عنوانا للثانية؟(1)إذا قال قائل إن الحكم على الثورة بعد مائة يوم من نجاحها لا يخلو من تعسف وتعجل فلن اختلف معه. ذلك أنه إذا جاز إعمال العرف الذى يقضى ببدء محاسبة أى حكومة جديدة تشكل فى ظل أوضاع مستقرة بعد مائة يوم، فإن ذلك لا يجوز حين يتعلق الأمر بثورة شعب أسقط نظاما عاتيا هيمن طوال ثلاثين سنة على مقدرات بلد كبير مثل مصر، وتعين على السلطة الجديدة أن تزيل آثار العدوان على كرامة الشعب الذى تجاوز تعداد سكانه ثمانين مليون نسمة، وأن تضع الأساس لبناء نظام جديد يلبى أشواق تلك الملايين.ذلك أفهمه، وأعرف أيضا أن القلق وربما الخوف من المشاعر الطبيعية التى تنتاب الكثيرين عقب كل تحول جذرى يهز المجتمع ويقلب أوضاعه، سواء كان ثورة أو حربا أو زلزالا. أعرف كذلك أن الأوضاع لم تستقر بعد قيام الثورة الفرنسية إلا بعد مضى عشر سنوات (من 1789 إلى 1799)، عانت البلاد خلالها من مختلف مظاهر الفوضى والصدامات الدموية. إلا أن الحاصل أن أصواتا عدة ارتفعت فى مصر عبرت عن الخوف مما يجرى خلال الأسابيع الأخيرة، التى واكبت نهاية المائة يوم الأولى. فقرأنا كتابات عدة تحدثت عن سرقة الثورة وإجهاضها واحتمالات تصفيتها. وحذرت كتابات أخرى من ألاعيب فلول النظام السابق، ومن تفريغ الثورة من مضمونها بحيث تتبخر روح يناير، لتلحق بروح حرب أكتوبر التى تبخرت. وعبر البعض عن خشيته من تحول الثورة إلى «فولكلور» يحتل مكانه فى الذاكرة، دون أن تصبح واقعا يترجم على الأرض، إلى غير ذلك من الرسائل التى تشترك فى ثلاثة قواسم مشتركة هى: أنها أصدرت أحكاما يغلب عليها التشاؤم، وأنها ركزت على النصف الفارغ من الكوب وتجاهلت النصف الملآن، كما أنها سلطت الضوء على الحوادث التفصيلية التى تناولتها الصحف ولم تلق بالا للتحولات الاستراتيجية التى حدثت فى البلد.(2)لا يستطيع أحد أن ينكر أن الإعلام لعب دورا أساسيا فى إشاعة مناخ التوجس والخوف، سواء عن طريق المبالغات التى كثيرا ما يلجأ إليها، أو الشائعات التى تسعى بعض صحف الإثارة لترويجها، خذ مثلا ما حدث بقنا فى شهر أبريل الماضى، حين اشتبك بعض الأشخاص مع رجل تصادف أن كان قبطيا وقيل إنه يمارس أفعالا منافية للآداب، وأثناء الاشتباك أصيبت أذنه بقطع، فنشرت إحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى أن السلفيين طبقوا الحد على الرجل وقطعوا أذنه. وكان النشر بهذه الطريقة نموذجا لسوء التقدير وتعمد الإثارة، لأنه لا يوجد حد فى الشريعة بهذا الخصوص، ثم إن الذين اشتبكوا مع الرجل كانوا أكثر من عشرة أشخاص بينم سلفى واحد، وجاء تحركهم غيرة على الشرف فى الصعيد بأكثر منه غيرة على الدين. والمدهش فى الأمر أنه بعد اتضاح الحقيقة فإن بعض الكتاب لايزالون يستشهدون بالحادث بتفاصيله المضللة، ومنهم من أصبح يتحدث عن «تقطيع آذان الأقباط». الأمر الذى لابد أن يؤدى إلى إثارة مخاوفهم وترويعهم. هذا التلفيق حدث أيضا مع خبر مكذوب تحدث عن رفع السلفيين الأعلام السعودية فى أحد مساجد قنا. ورغم أن الخبر لا أصل له، فإن البعض لايزال يتداوله ويناقشه باعتباره حقيقة وقعت بالفعل.لم ينافس أخبار تخويف الأقباط غير شائعات إثارة الفزع من الجماعات الإسلامية من خلال بث الأخبار المكذوبة، التى تحدثت مثلا عن خطف الفتيات غير المحجبات من الشوارع. وتآمر المملكة العربية السعودية لمساعدة وتمويل التيارات الإسلامية لاكتساح الانتخابات القادمة، فتحدثت بعض الصحف عن مخطط لتسريب 3 مليارات دولار إلى داخل مصر لهذا الغرض، ولأن الكلام بالمجان فقد رفع آخرون الرقم إلى خمسة مليارات، لا أحد يعرف كيف يمكن أن تدخل إلى البلد، ولا كيف ستصل إلى أهدافها. وإلى جانب هذه الرسائل المريبة ثمة رسائل لا حصر لها تتحدث عن التأهب لإقامة الحكم الإسلامى وتطبيق الحدود الشرعية، وكانت تلك مقدمات أثارت جدلا واسعا حول المخاوف من إقامة الدولة الدينية، وعن ضرورة إقامة الدولة العلمانية، لتتولى التصدى لـ«تسونامى» تلك الدولة التى يتخوفون منها.إلى جانب التحريف والاختلاق كانت هناك المبالغات التى عمد أصحابها إلى اصطياد الأخبار والتصريحات والنفخ فيها لتوسيع دائرة الخوف والقلق. وركزت تلك المبالغات على موضوعين أساسيين هما: موقف الجماعات الإسلامية والعلاقة مع الأقباط. فحين يتورط بعض السلفيين فى هدم ضريح فى إحدى محافظات الدلتا يصور الأمر بحسبانه اجتياحا سلفيا يهدد ضريح الإمام الحسين والسيدة زينب وجمال عبدالناصر، وحين تعلق لافتة يتيمة فى الإسكندرية تعتبر التصويت لصالح التعديلات الدستورية واجبا شرعيا، لا أحد يذكر الخبر كما هو، ولكن تقوم الدنيا ولا تعقد بدعوى أن الإخوان يستخدمون الدين للتصويت لصالح الاستفتاء. «لا أحد يشير إلى أن الكنيسة القبطية طلبت من رعاياها معارضة التعديلات». بنفس الأسلوب تم التعامل مع أخبار الأقباط، فإذا اختلف اثنان لأى سبب وقتل المسلم قبطيا عُد ذلك اضطهادا يبرز على الصفحات الأولى من الصحف، وسببا قويا لتجديد الدعوة إلى علمنة الدولة والمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور «التى تتحدث عن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية»، أما إذا قتل المسلم لأنه تزوج من قبطية غيرت دينها كما قتل أولاده منها، فإن ذلك يعد خلافا عائليا يرحل إلى صفحات الحوادث الداخلية!(3)هذه التعبئة الإعلامية وسعت من دائرة الخوف فى المجتمع. وكانت الثورة، قد استصحبت مخاوف لها أسبابها المفهومة، فثمة خوف حتى من تداعيات الموقف الاقتصادى، خصوصا بعدما تبين أن مصر تخسر شهريا ثلاثة مليارات من الدولارات، وثمة خوف لدى المستثمرين الذين أوقفوا استثماراتهم أو سحبها بعضهم تحسبا للمستقبل. وهذا الخوف كان ولايزال له صداه فى البورصة التى انخفضت أسعار الأسهم فيها، هناك خوف آخر لدى أصحاب المصانع المحلية من الإضرابات العمالية التى طالبت بتعديل الأجور، كما أن البلطجية والهاربين من السجون أشاعوا درجات مختلفة من الخوف خصوصا فى المدن النائية وأحياء الأطراف. إضافة إلى كل ما سبق أشاع الاصطياد والترويع الإعلامى أسبابا أخرى للخوف. خوف الأقباط من المسلمين عامة والسلفيين بوجه أخص. وخوف العلمانيين من الإسلاميين، وخوف المتصوفة من السلفيين، وخوف الجميع من فلول النظام القديم.أسوأ ما فى هذه المخاوف أنها زعزعت ثقة الناس فى مستقبل الثورة، وأنها صرفتهم عن مشروعها الأساسى الذى بدأ طامحا للدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية. هذا الانفراط ضرب الإجماع الوطنى حتى كاد يقسم البلد ويوقع بين قواه الحية، ليس ذلك وحسب، وإنما تحولت هذه الحزمة من المخاوف إلى عناصر توحى بعدم استقرار المجتمع، وإلى قوة طرد للاستثمار الأجنبى وللسياحة.(4)فى تحليل ملابسات المشهد هناك أسباب منطقية تتصل بطبيعة التفاعلات التى تحدث عقب كل ثورة، أو تحول سياسى واجتماعى جلل من قبيل ما سبقت الإشارة إليه. وهناك أسباب تتحمل مسئوليتها النخبة صاحبة الصوت العالى فى الفضاء السياسى والإعلامى. إذ من الطبيعى أن تتأثر بصورة مؤقتة السياحة والاستثمار الأجنبى والبورصة إلى أن تستقر أحوال البلد ويطمئن أصحاب رءوس الأموال على ثرواتهم ويطمئن السائح إلى أن شيئا لن يفسد عليه عطلته. لكن من غير الطبيعى أن تشيع الفوضى فى البلد وأن يشوه الإدراك العام، بحيث ينفرط عقد المجتمع ويشيع فيه الانقسام، بما يفقده «بوصلته» الهادية.العوامل الأولى لا نملك لها ردا ويفترض أنها محدودة الأجل فى كل الأحوال، أما الذى ينبغى أن نتصارح بشجاعة فى شأنه فهى تلك العوامل الثانية التى صنعناها بأنفسنا. فى هذا الصدد أزعم أن هناك طرفين يتحملان مسئولية إثارة الفوضى وشق الصف الوطنى، أحدهما خفى لا نراه يتمثل فى فلول النظام السابق وأى عناصر أخرى داخلية أو خارجية لها مصلحة فى ضرب الثورة، أما الطرف الثانى فظاهر فى الصورة ويتمثل فى عناصر النخبة المصرية المهيمنة على وسائل الإعلام، التى باتت تلعب دورا مهما فى تشكيل الإدراك العام، وفى الضغط على القرار السياسى.فى تحليل هذا الدور الأخير، أزعم أن أول شرخ فى جدار الإجماع الوطنى بعد الثورة حدث بعد تشكيل لجنة تعديل الدستور، التى رأسها المستشار طارق البشرى وتبين أن من بين أعضائها رجلا قانونيا من جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما فاجأ شريحة المثقفين الذين اعتبروا أن إقصاء الإخوان هو الأصل فى السياسة المصرية. وقد تعرض هذا القرار لهجوم شديد لايزال مستمرا حتى الآن، رغم أن اللجنة أنهت عملها ولم تعد قائمة منذ شهرين تقريبا. إذ لم يغفر للمجلس العسكرى هذه «الخطيئة»، وتجاهل كثيرون صفة الرجل القانونية وكونه كان عضوا باللجنة التشريعية بمجلس الشعب. وقد شاركت فى اجتماع للمثقفين مع ثلاثة من أعضاء المجلس العسكرى، تعرضوا فيه لنقد شديد من جانب بعض المثقفين بسبب ارتكاب تلك «الخطيئة»، حتى وجه إليهم اتهام بمحاباة الإخوان، وسئلوا عن عدد أعضاء المجلس الموالين للجماعة.فى هذا الصدد أزعم أيضا أن بعض المثقفين حددوا موقفهم من رفض التعديلات الدستورية لمجرد أن للإخوان عضوا فى اللجنة وأن رئيسها لا ينتمى إلى الإخوان حقا، لكنه مسلم ملتزم ولا يعاديهم. وكان الجدل حول هذه النقطة مثار اللغط والطنين الذى أثاره المثقفون، حتى حين أيد التعديلات 77٪ من المصوتين وعارضها 22٪ فقط. ومنذ ذلك الحين حدث أمران، أولهما أن أعضاء المجلس العسكرى تجنبوا إشراك الإسلاميين فى أى تشكيل يصدرونه، لتفادى نقمة المثقفين وتشهيرهم. وكان ذلك أوضح ما يكون فى تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان، حتى قلت إن الذى يدير الإعلام ويوجه السياسة منذ ظهرت نتائج الاستفتاء، هم عناصر الـ22٪ وليس أهل الـ77٪. الأمر الثانى، أن المجتمع انقسم على نفسه وأصبح هناك ما يمكن أن نسميه حربا باردة ثقافية وسياسية بين العلمانيين ومن لف لفهم فى جانب والإسلاميين فى جانب آخر. بحيث لم تعد القضية كيف تحقق الثورة أهدافها، وإنما كيف يمكن محاصرة التيار الإسلامى وإبعاد شبحه الذى يلوح فى الأفق من خلال دعوة الانحياز للدولة المدنية ضد الدولة الدينية، فى إعادة إنتاج لنموذج الخطاب الذى كان سائدا قبل 25 يناير.إن التحدى الذى يواجه الثورة والوطنى الآن هو كيف يمكن أن يتفق الجميع على المشترك الذى يخرج البلد من أزمته السياسية الراهنة، التى لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية. إذ يبدو أن الأخيرة أخف وطأة، لأن صراع العلمانيين والإسلاميين يبدو أنه تحول إلى «عاهة» تستعصى على العلاج. وذلك سبب آخر للخوف، لأن الوطن سيكون الخاسر الأكبر فى هذه الحالة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل