المحتوى الرئيسى

الثورة المضادة في مصر تتسلَّح بـ "السلفيين"!بقلم:جواد البشيتي

05/10 20:41

الثورة المضادة في مصر تتسلَّح بـ "السلفيين"! جواد البشيتي الثورة المضادة في مصر هي الآن تعريفاً "الفتنة الدينية"؛ وإنَّ السلاح الأمضى الذي تتسلَّح به الثورة المضادة هو سلاح استثارة وتأجيج وافتعال صراع ديني بين الأكثرية المُسْلِمة والأقلية المسيحية (القبطية) من خلال استفزاز المشاعر الدينية (أو تبادل هذا الاستفزاز) والاعتداء والتطاول على الرُّموز الدينية ودور العبادة (أو تبادل هذا الاعتداء والتطاول). الثورة، ثورة الخامس والعشرين من يناير الشعبية الديمقراطية العظمى، تنتهي، وتصبح أثراً بعد عين، إذا ما سُمِح للتعصُّب الديني للمسلم ضدَّ القبطي، وللقبطي ضدَّ المسلم، بأنْ يجتذب إليه (في هذا الصراع، وبه) جمهوراً واسعاً، يزداد اتِّساعاً، من العامَّة من الناس. عندئذٍ، يَقْتَتِل الشعب الثوري دينياً، ويصبح المسيحي (من هذا الشعب) عدوَّاً للمسلم، والمسلم عدوَّاً للمسيحي، فينتصر أعداء الثورة. وأحسب أنَّ هذه "الضارة"، أي هذا الانفجار لصراعٍ دينيٍّ تافه، مداره، على ما يُزْعَم، امرأة مسيحية أسلمت، فاحْتُجِزَت في كنيسة، على ما يُزْعَم أيضاً، تشدِّد الحاجة الآن، وأكثر من ذي قبل، إلى تحويلها إلى "نافعة"، هي تَضافُر جهود (وضغوط) شباب الثورة على التأسيس لدولة مدنية "لا دينية"، تقوم على "المواطَنة"، وتقيم بين "الدولة" و"الدين" برزخاً، فلا تقع "الدولة" في قبضة رجال الدين، ولا يقع "الدين" في قبضة رجال الدولة. إنَّ جَعْل "الدولة" في مصر الجديدة "علمانية"، ولو لم تَرِد "علمانيتها" في نصٍّ دستوري، هو الآن مهمَّة الساعة للثورة المصرية، فرجال الدين من الطرفين يجب ألاَّ يُسْمَح لهم من الآن وصاعداً بتوظيف الدين في ما يخدم الثورة المضادة. "السلفيون" الآن، وفي مصر الثورة على وجه الخصوص، هم جزء من قوى الثورة المضادة، أو مطية تتَّخِذها الثورة المضادة لبلوغ مآربها. لو سألْتَ شاباً سَلَفِياً ساذجاً عن السبب الذي جعل "الأمَّة" مهزومة دائماً في مواجهة إسرائيل، وفي الدرك الأسفل من الوهن والضعف، لأجابكَ على البديهة قائلاً إنَّ السبب هو أننا لم نبدأ بإصلاح أنفسنا؛ أمَّا هذا "الإصلاح" فمعناه عندهم هو الأخذ بـ "الطالبانية"، أو بما يشبهها، نهج حياة وأخلاقاً وسلوكاً.. وهذا "الإصلاح الطالباني" يبدأ بـ "التكفير"، أي بـ "تكفير" الغالبية العظمى من العامة من المسلمين لكونهم يلبسون ويأكلون ويشربون ويحتفلون ويفرحون ويحزنون ويتعلمون ويتزوجون.. في طريقة تخالف "شرع الله"، كما يفهمه ويتصوَّره ويفسِّره الشيوخ السلفيين الجهاديين، الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنَّهم قوم اصطفاهم الله ليقيموا الحدود، ويطبِّقوا "شرعه"، ولو بنيران الحرب الأهلية بين "المؤمنين" و"الكفَّار"، الذين هم، في معتقدهم، الغالبية العظمى من العامة من المسلمين. نحن الآن مُبْتَلون بجماعات سلفية، تشترِك جميعاً، على ما يُفرِّق بينها، في خاصية جوهرية هي أنَّ أيَّاً منها لا يمكنه أن يؤكِّد وجوده إلاَّ بـ "سلبية مدمِّرة"، قوامها تكفير غيره من الجماعات، والغالبية العظمى من العامة من المسلمين، وفَهْم قتلهم وإيذائهم والاعتداء عليهم، وعلى ممتلكاتهم، على أنَّها أعمال لا تختلف في شيء عن جوهر عقيدة الجهاد في سبيل الله. ولقد جاءت تجارب "السلفية الجهادية" بما يؤكِّد أنَّ أعداءنا الحقيقيين نجحوا في توجيه "القوَّة التدميرية" لتلك الجماعات نحو الداخل، فهيَّأوا لها من المناخ ما شدَّد لديها الميل إلى أن تتحوَّل من "انفجار نحو الخارج" إلى "انفجار نحو الداخل". وكان يكفي أن تصاب تلك الجماعات بـ "عجز موضوعي (أو ذاتي)" عن اكتساب النفوذ من خلال الجهاد ضد إسرائيل حتى تشتد لديهم الحاجة إلى "الطالبانية"، طريقاً ونهجاً لـ "إصلاح ذاتي"، يتَّخِذ من "الإمارة" أداة لإقامة الحدود، ولتطبيق "شرع الله"، ولو كانت العاقبة النهائية هي تدمير البقية الباقية من الوجود القومي للعرب، وجَعْل "إسرائيل العظمى" حقيقة واقعة. أمَّتُنا، وإذا ما أرادت التأسيس لوجودها القومي الديمقراطي، والتأسيس لوجود سياسي في مقدوره أن يدرأ عنها مخاطر كل عدو قومي كمثل الولايات المتحدة وإسرائيل، إنَّما تحتاج، الآن، أي قبل فوات الأوان، إلى منع الجوامع والحسينيات والكنائس من إنتاج الأحزاب والقيادات السياسية، فهل نبقي على هذا التداخل الضار بين الدين والسياسة حتى (أي إلى أن) لا يبقى لدينا من الوجود القومي إلا ظلاله، وحتى تذهب الملايين من العرب ضحية الحروب الطائفية والمذهبية؟! هل ينبغي لنا أن نجرِّب هذا الذي جرَّبته أوروبا من قبلنا حتى نعي ضرورة حظر "تسييس الدين" و"تديين السياسة"، وجعل حياتنا السياسية والحزبية بمنأى عن كل عصبية دينية وطائفية ومذهبية؟! لقد حان لنا أن نَفْرِض على الموتى الجدد أن يدفنوا موتاهم، وأن نُثْبِت أننا أبناء الحاضر والحياة، لا نسمح لكائنات الوهم ولممثِّلي الماضي والموت بأن يقودوا الأمة إلى الهلاك، فعربٌ نحن؛ وقد وُلِد فينا هذا الشعور مُذْ وقعت معركة ذي قار، ولا مجتمع ننشد سوى المجتمع القومي المدني الديمقراطي الذي لا مكان فيه لممثِّلي الأموات والموت من الطرفين. "التكفير"، في حدِّ ذاته، ليس بالجريمة التي يرتكبها المُكَفِّر في حق المُكَفَّر، فأنتَ لو كنتَ في مجتمع تسرى في أفراده وجماعاته قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية سريان الدم في العروق، أي في مجتمع غير مجتمعنا، وأظْهَرتَ من اختلاف الفكر والرأي والمعتقَد (والسلوك) ما يَحْمِل غيرك على تكفيرك، أي على اتِّهامكَ بالمروق من الدين، الذي لا يرى دينا حقيقيا سواه، أو بالإلحاد، لنزلَ عليكَ هذا الاتهام بردا وسلاما، فكُفركَ، إذا ما كان أكيداً، وإذا ما كنتَ غير مُنْكِر له، وتكفيره لكَ، لا ينتهيان إلا إلى ما ينتهي إليه كل اختلاف وخلاف (ديمقراطيين) في الرأي، فلا أنتَ ولا هو تغدوان في هيئة العدو الذي تُسْتباح (أي تصبح مباحة) الوحشية والجريمة في محاربته. عندنا فحسب يغدو، ويجب أن يغدو، "التكفير" جريمة، يُعاقَب مرتكبها أشدَّ عقاب، ولو ارتكبها في حق شخص لا يُنْكِر كفره؛ ذلك لأنَّ "التكفير"، الذي طالما لوَّن تاريخنا السياسي والفكري، يؤسِّس شريعةً للقتل، والاقتتال، ولإهدار الدم، ونشر الظلم، فلا أسوأ من إنسان يعتقِد أنَّه بتكفيره لمخالِفه في الدين والعقيدة والفكر، وبعقابه له، أو بالدعوة إلى عقابه، أشدَّ عقاب، يُرضي الله، فيرضى عنه، ويُكفِّر عنه سيئاته! هذا النمط من "التكفير"، الذي فيه يتحوَّل، أو يُحوَّل، "المُكَفَّر" إلى عدو من النمط الذي تُسْتباح فيه كل الوسائل لمحاربته، حان له أن يُنْزَع من عقل المؤمِن وقلبه، وأن يُعامَل في كل ثقافة دينية (شعبية) على أنَّه كُفْرٌ، ومروق من الدين، وخروج عن الإيمان الديني القويم الذي لا يُحِلُّ أبدا جعل الاختلاف والخلاف في الدين والعقيدة والفكر سببا للعداء.. وللعداء المفضي إلى القتل والاقتتال، وإلى التخلي عن كل صراع مفيد ونافع بالمعيار القومي والديمقراطي والاجتماعي والإنساني والحضاري، فالمجتمع الذي يَقَع، أو يُوْقِع نفسه، في هوة الصراع الديني، الذي تتلفع به، على وجه العموم، مصالح فئوية ضيقة، إنَّما هو المجتمع الذي نجح في أن يكون العدو الأول لنفسه، لمصالحه العامة والحقيقية، ولحقوقه الديمقراطية والقومية والحضارية. وليس من عصبية مُعْمية للأبصار والبصائر، ومُنْتِجة للوحشية في الصراع، أكثر من العصبية الدينية، التي من عواقب تسعيرها، أيضا، أن يغدو العدو (الحقيقي والأعظم) وليِّا حميما، والشقيق (والصديق) شيطانا رجيما. إنَّ عبارات مِنْ قبيل "أحلَّ الله هذا"، أو "حضَّ عليه"، أو "دعا إليه"، أو "أمرَ به"، ليست بالعبارات "المعدومة الأثر" في النفس والسلوك؛ ولقد شرح لنا أحد "الأمراء"، من الجماعات التكفيرية، تلك "المعايير الدينية"، التي بما يتَّفِق معها ينبغي لنا تمييز "العدو" مِنْ "غير العدو"، أي مِنَ "المسلم"، المستوفي لشروط انتمائه إلى الإسلام كما يُقرِّها، أو يفهمها، هذا "الأمير". وهذه المعايير لا مكان فيها، بحسب فَهْمه واجتهاده الديني، لـ "معايير وَضْعيَّة"، نُمَيِّز، بموجبها، "المدني" مِنَ "العسكري"، في أثناء "الجهاد"، فـ "المدني الكافر" دَمُهُ (وماله) مباح، في كل زمان ومكان، ما لم يكن "مسالِماً للإسلام، مهادِناً لأهله، لِذِمَّة أو هدنة أو أمان"، وما لم يكن مِمَّنْ نهى الله عن قتله كـ "الصبيان والنساء". و"المسلم" المعصوم الدم أيَّاً كان عمله ومحله إنَّما هو "المُنْتَسِب إلى الإسلام" انتساباً يُقِرِّهُ "الشرع"، الذي يُقِرُّهُ هذا "الأمير" وطائفته. وعملاً بهذا التصوُّر الديني، يستطيع هذا "الأمير" وجماعته "تكفير" كثيرٍ مِنَ "المنتسبين إلى الإسلام"، أو القائلين بانتسابهم إليه، ويستطيع، من ثمَّ، إباحة دمهم ومالهم. هذا "العدو الديني"، كما حدَّدَهُ هذا "الأمير"، شكلاً ومحتوى، إنَّما يشمل "غالبية المسلمين"، و"الغالبية العظمى مِنَ الجنس البشري". حتى أولئكَ المسلمين "المعصومة دماؤهم وأموالهم"، لم يسْلموا مِنْ أعمال القتل التي يقوم بها هو وأمثاله؛ وقد بَرَّرَ قتلهم في أرض الرافدين (مع وصفه لهم بـ "الشهداء") إذ أفتى قائلاً: "إنَّهم يقيمون حيث يقيم العدو، وليس ممكناً، من ثمَّ، قتل العدو مِنْ دون قتلهم وإيذائهم". وبحسب هذا التبرير وأمثاله يمكن أنْ يشمل القتل أولئكَ الذين نهى الله عن قتلهم كـ "الصبيان والنساء" مِنَ "الكافرين"! إنَّ في "التكفير" ميل قوي إلى إلغاء "الآخر"، ولو كان مختلفا ليس في اللون، وإنَّما في الدرجة من اللون ذاته، فكم من مسلم مؤمن تعرَّض للعقاب بدعوى أنَّه أتى بقول أو عمل أو سلوك يجعله يمرق من الدين! و"التكفير"، في معناه الديني، سرعان ما يُنتِج تكفيرا آخر، أي جريمة أخرى، هو "التكفير السياسي"، فتتسع وتشتد وتعنف "الحرب المقدَّسة" على "الآخر"، أي على كل مَنْ يختلف، ولو قليلا، عن الحكومة أو نظام الحكم، فيجيء تشديد الخناق على "الآخر" بما يقيم الدليل على أنَّ "الجبروت الأمني" هو الوجه الآخر للوهن السياسي والفكري والأخلاقي للذين يحكمون، ويستمرون في الحكم، بقوة "التكفير السياسي"! وشرور "الفكر التكفيري" تتعدى "المجتمع المسلم" إلى غيره مِنَ "المجتمعات الدينية"، وإلى "المجتمعات (أو الجماعات) اللا دينية"، فـ "المُكَفِّرون" مِنَ المسلمين يُكَفِّرون، أيضاً، كل المتدينين مِنْ غير المسلمين. و"المُكَفِّرون" أنفسهم يتَّسِعون ويتنوعون، فليس مِنْ "مجتمع ديني" إلا ويُنْتِج مُكَفِّرين خاصِّين به. الحاجة تشتد إلى محاربة "الفكر التكفيري"، أو "أهل التكفير". وقد أدلى كثيرون بآراء، في هذا الصدد، ليست كلها مفيدة؛ فهناك مَنْ قال بـ "عدم جواز تكفير مَنْ ينطق بالشهادتين، وقتله". هذا قول يبذر بذور "فكر تكفيري" مِنْ نمط آخر، فصاحبه كأنّما يُجيز تكفير، وقَتْل، مَنْ لا ينطق بالشهادتين. إنَّ المشكلة الكبرى لا تكمن في "التكفير"، وإنَّما في تسويغه لارتكاب جريمة القَتْل، وغيرها مِنَ الجرائم، في حقِّ الذي قُمْنا بـ "تكفيره". مِنْ حقِّ كل مؤمِن، أكان مسلماً أم غير مسلم، أنْ "يُكَفِّر" غيره، أي أنْ يَنْظُرَ إليه على أنَّه "كافر"؛ لكن ليس له الحق، ويجب ألا يكون له الحق، في أنْ يُعَرِّضه للأذى، أو يقتله، أو يدعو إلى قتله، بدعوى أنَّه "كافر"، بحسب موازينه ومعاييره. "التكفير"، في هذه الحال، أي في حال منعه مِنَ التحوُّل إلى "جريمة"، هو جزء مِنْ حرِّية التعبير عن الآراء والمعتقدات ووجهات النظر، والتي يجب أنْ تكون كاملة، غير مشروطة إلا بشرط واحد فحسب نَبْذ العنف وأساليب الفَرْض والإكراه؛ فالديمقراطية إنْ لم تكن "حرِّية فكرية" لأعدائها أيضاً لن تظل مُحْتَفِظَةً بمنطقها، مستوفيةً لمبادئها وقيمها. وهناك مَنْ دعا إلى محاربة "الفكر التكفيري" عَبْرَ مَنْع وإلغاء كل شيء في حياتنا اليومية، وفي واقعنا، يمكن أنْ يتَّخِذه "أهل التكفير" ذريعة لأفعالهم. إنَّها دعوة في منتهى السخف، فأصحابها إنَّما يدعوننا إلى أنْ نعيد خَلْق أنفسنا ومجتمعنا وواقعنا على مثال "أهل التكفير" حتى نصبح في مأمن مِنْ شرور أفعالهم. إنَّهم يقولون لنا: "كونوا سلفيين حتى لا يأكلكم السلفيون"! وهناك مَنْ يحارِب "التكفير" بـ "تكفير معاكِس"، فهو يقول: "إنَّهم (أي "أهل التكفير") حتماً غير مسلمين، ولن يقبلهم الإسلام، وإنَّ الله أوجب قتلهم وتقطيع أياديهم وأرجلهم". كلا، ليس في هذه الطريقة يُحارَب "الفكر التكفيري"، و"أهله"، فـ "الطبيب" لا يُعالِج "مريضه" بأنْ يقول له: "إنَّكَ ما عُدتَ مِنَ البشر؛ لأنَّكَ مريض". وأنتَ كذلك لا تُعالِج الذي يُكَفِّرَكَ بـ "تكفيره"، والدعوة إلى قتله، وتقطيع يديه ورجليه. لا تستطيع أنْ تحاربه في هذه الطريقة ما دام "تكفيره" لغيره لَمْ يتحوَّل مِنْ وجهة نظر إلى فِعْل جُرمي. وهناك مَنْ دعا إلى إيجاد مرجعية إسلامية لـ "تحديد مَنْ هو الكافر، وإصدار الفتاوى والأحكام الشرعية والدينية". إنَّنا لسنا في حاجة إلى مرجعية تتوفَّر على "تحديد مَنْ هو الكافر"؛ لأنَّنا لسنا في حاجة إلى أنْ نقف موقفاً مِنَ "الآخر"، أكان مؤمناً أم كافراً، متديناً أم غير متدين، مسلماً أم غير مسلم، يَمْنَعُ عن مجتمعنا قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية، فـ "حرِّية المعتقَد"، و"حرِّية التعبير"، إنَّما هما مشكلتان تُحلان بما يتَّفِق مع المبادئ الديمقراطية في "التحليل" و"التحريم". المبدأ المُنَظِّم والمُقَيِّد لهما إنَّما هو المبدأ المُسْتَمَد، في جزء كبير منه، مِنْ "لا إكراه في الدين"، ومِنْ "جادلهم بالتي هي أحسن". لِتَعِشْ كل جماعة إسلامية، دينياً، بما يجعلها مرتاحة الضمير الديني؛ على أنْ تُحْظَر (بقوَّة القانون والدولة وثقافة المجتمع المدني) كل سياسة تتَّخِذ كل اختلاف ديني أو طائفي أو مذهبي وقوداً لقاطرتها، أو غذاءً (شعبياً) لذوي المصالح السياسية المتصارعة، فنحن لا نحتاج إلى تلك "اللقاءات"، ولا إلى تلك "الوثائق"، بين رجال الدين، فـ "السياسة العلمائية" يجب أن تصبح فعلاً ماضياً؛ أمَّا "السياسة العلمانية"، أي التي تقيم برزخاً بين السياسة والدين، فهي التي يجب أن تصبح في حياتنا فعل حاضرٍ ومستقبلٍ. هؤلاء المشايخ، الذين يمثِّلون في أفكارهم وعقائدهم الموات الفكري والحضاري والإنساني، يتَّخذون "الاحتياج الديمقراطي والقومي والاقتصادي والحضاري والإنساني" لدى شبابنا سوقاً لبضائعهم الفكرية الفاسدة والمغشوشة، فالمحتاج لا بدَّ له مِنْ أنْ يلبِّي حاجته، وليس في "السوق"، التي تحميها حكوماتنا بـ "الديمقراطية الغائبة المفقودة"، غير تلك البضائع، فيُقْبِلُ عليها، كمثل جائع يتضوَّر جوعاً فلا يجد شيئاً يأكل غير معلَّبات غذائية فاسدة انتهت صلاحية استخدامها منذ زمن طويل. وفي معركة "بتر واقتلاع الفكر السلفي التكفيري"، لا نقول بالقمع البوليسي لأصحاب هذا الفكر ودعاته، وإنَّما بالمنافسة الحرَّة في "السوق الفكرية" التي لا مكان فيها ولا دور للشرطي، فتحرير العقول والنفوس مِنْ هذا "الاحتلال" لا يتحقَّق إلاَّ بـ "قوَّة الحجة"، وبالفكر المضاد الذي فيه مِنَ القوَّة والحيوية والديناميَّة، ما يسمح له بتلبية الحاجات الأساسية للناس، وبالخروج فائزاً مِنْ صراع البقاء. البشر مختلفون في صفاتهم الجسدية والثقافية والاجتماعية.. وكثيرا ما فهموا "العداء" على أنَّه ثمرة لهذا الاختلاف، فإذا ما ظهر عداء بين "أبيض" و"أسود" من الجنس البشري فإنَّ كلا العدوين يميل إلى تفسيره وتعليله باختلاف "لون البشرة". وإذا ما ظهر عداء بين جماعتين تختلفان في الدين فإنَّ كلتاهما تميل إلى تفسيره وتعليله بهذا "الاختلاف الثقافي". مَنْ تلقَّى تربية "عشائرية" أو "قبلية"، يبحث، دائما، عن عدوه في العشائر والقبائل، فعدوه "المفضَّل" لن يكون، مثلا، من نمط "قومي" أو "طبقي"؛ ومَنْ تلقَّى تربية "قومية" أو "عنصرية"، يبحث عن عدوه في "جماعة قومية" أو "جماعة عرقية"؛ ومَنْ تلقَّى تربية "طبقية" يبحث عن عدوه في الطبقات الاجتماعية. تاريخيا، لا يمكن فهم "العلمانية" و"الديمقراطية" في أوروبا إلا على أنَّها حرب على الكنيسة بصفة كونها "الإقطاعي الأكبر" و"الحاكم السياسي الأعلى"، فهي المالك الأكبر للأرض والحاكم السياسي الأكبر للشعوب عبر الدمى من الملوك والحكومات؛ وبصفة كونها أيضا "الحائك الإيديولوجي" الذي يحيك الثياب الدينية لحروب ذات دوافع دنيوية صرف. لقد كانت "العلمانية" سلاحا في حرب هدفها تخليص "الدولة" من قبضة رجال الدين، والنأي بالسياسة عن الدين؛ أمَّا عندنا فالحاجة تشتد إلى "علمانية معاكسة"، أي إلى علمانية تُخلِّص الدين من قبضة رجال السياسة والحكومات، فالمشكلة التي ينبغي لنا حلها لا تكمن، في المقام الأول، في "تديُّن السياسة"؛ وإنَّما في "تسييس الدين". هل يَحِقُّ (أو يجوز) للمسلم أن يَتْرُكَ دينه، أي أن يختار دينا آخر؟ الجواب هو: نَعَم؛ لأنَّ القرآن يقول "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ ويقول "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ "، ويقول "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ". هذا الجواب، والسؤال مِنْ قَبْله، إنَّما كانا لمفتي مصر الشيخ (الدكتور) علي جمعة؛ وقد وردا ضِمْن أقوال (أو مقالة) نُسِبَت إليه، ونُشِرَت في صحيفة "واشنطن بوست". تلك الآيات، بحسب ما نُسِب إلى المفتي من أقوال، إنَّما "تناقِش إحدى الحرِّيات التي منحها الله للناس كافة"؛ لكن، ما هو حُكم الدين (الإسلامي) في أمْر "هَجْر المسلم لدينه"؟ المفتي، وبحسب ما نُسِب إليه من أقوال، يجيب قائلاً: "إنَّه إثم يعاقِب الله عليه يوم القيامة.. إذا المسلم رَفَضَ الإيمان فحسب فإنَّه ليس هناك من عقاب دنيوي، ويُتْرَك الأمر حتى يوم القيامة. إنَّها مسألة ضمير، وهي بين المرء وربِّه. العقيدة والالتزام إنَّما هما أمر شخصي؛ لكن، إذا كان اعتناق ديانة أخرى يمكن أن يقوِّض أُسُس المجتمع فإنَّ الأمر يجب أن يُحال إلى القضاء". ثمَّ جاء "النفي" و"التوضيح"؛ فـ "دار الإفتاء المصرية" أصدرت بيانا نفت فيه أن يكون المفتي قد أفتى بـ "حرِّية المسلم في تَرْك دينه إلى دين آخر"، وأوضحت أنَّ المفتي أكَّد أنَّ "الإسلام يُحرِّم على المسلمين أن يرتدوا عن دينهم، أو يكفروا، ولو أنَّ مسلما تَرَكَ الإسلام، وذهب إلى دين آخر، يكون بذلك قد ارتكب إثما عظيما في نظر الإسلام". وجاء في البيان أيضا أنَّ المفتي ذَكَر أنَّ "الارتداد عن الدين (الإسلامي) يُعَدُّ نوعا من الخروج عن النظام العام، ولونا من الجرائم التي تستوجب العقاب". ثمَّ تحدَّث المفتي بنفسه، فأصدر بيانا أكَّد فيه "حق كل إنسان في اختيار دينه"، قائلاً: "إنَّ الله قد كفل للبشر جميعا حقَّ اختيارهم دينهم من غير إكراه، أو ضغط خارجي؛ والاختيار يعني الحرِّية؛ والحرِّية تشمل الحق في ارتكاب الأخطاء والذنوب ما دام ضررها لا يمتد إلى الآخرين". وأضاف موضحا: "لهذا قلت إنَّ العقوبة الدنيوية للردة لم تُطبَّق على مدار التاريخ الإسلامي إلا على هؤلاء المرتدين الذين لم يكتفوا بردَّتهم وإنَّما سعوا إلى تخريب أُسُس المجتمع وتدميرها". ومع ذلك أكَّد أنَّ "الخروج عن الإسلام ليس بالأمر الهيِّن، وإنَّه من الخطورة بمكان، وأنَّ الردَّة ذنب كبير يَسْتوجِب العقاب إذا صاحبها فتنة في صفوف المجتمع". في أي سياق يُدْرَج كل هذا الذي قيل؟ إنَّه يُدْرَج في سياق رغبة، أو مصلحة، بعض المسيحيين المصريين (الأقباط) الذين أشهروا إسلامهم لأسباب اجتماعية (الرغبة في الزواج من مسلمة، أو الرغبة في الطلاق الذي تُحرِّمه الكنيسة القبطية) في العودة إلى دينهم الأصلي، ورَفْض السلطات تغيير دينهم (أي عودتهم إلى المسيحية) في بطاقات الهوية، وفي أوراق رسمية أخرى. بقي أن نُذَكِّر بأنَّ القانون المصري يخلو من أي نصٍّ يتحدَّث عن "الرِدَّة"، أو يُجَرِّمها". قبل أن يُصْدِر المفتي بيانه، ويَضَع فيه النقاط على الحروف، كنتُ أميل إلى الاعتقاد بأنَّه قد قال فعلا إنَّ المسلم يجوز له أن يَتْرُكَ دينه، أو أن يختار دينا آخر، فالآيات التي ذُكِرَت هي خير دليل على أنَّه قد أفتى بجواز تَرْك المسلم لدينه؛ وليس من موجِبٍ لِذِكْرها (الآيات) إلا إذا كان هذا هو سياق القول والإفتاء. أمَّا بيان "النفي" و"التوضيح" الذي أصدرته "دار الإفتاء المصرية" فقد فَهِمْته على أنَّه دليل على وجود "مصلحة" تُوْجِب على المفتي أن يتحدَّث بلسانين: لسان يتحدَّث به بما يقع موقعا حسنا من نفوس الليبراليين والعلمانيين والديمقراطيين في الغرب، ولسان يتحدَّث به بما يُمَكِّنه من تهدئة النفوس والمشاعر لدى المسلمين، أو لدى بعضهم. المشكلة في الأصل ليست بـ "دينية ـ فكرية"؛ إنَّها "اجتماعية ـ إنسانية ـ شخصية" في المقام الأوَّل، فـ "الحقوق والحرِّيات المدنية" في مجتمعنا العربي (الإسلامي ـ المسيحي) تحتاج إلى مزيدٍ من التطوير بما يَجْعَلها أكثر ديمقراطية وإنسانية وتَحَضُّرا. إنَّ "الطلاق" حقٌّ إنساني للمتزوِّج، رَجْلا كان أم امرأة. ولا بدَّ لـ "الانتهازية الدينية (اعتناق المسيحي للإسلام)"، التي يلجأ إليها الزوج المسيحي (القبطي) عن اضطِّرار من أجل أن يُطلِّق زوجته التي من دينه، من أن تنتهي، فالحرام بعينه أن يُحَرَّم "الطلاق"؛ لأنَّ "الطلاق" حقٌّ إنساني للزوج والزوجة، يُحْظَر، أي يمكن ويجب أن يُحْظَر، التطاول عليه؛ ولا شكَّ في أنَّ للدين، أي دين، مصلحة في أن يتصالح مع الحاجات الإنسانية. ونحن لو أمعنا النظر في تاريخ العقائد الدينية وغير الدينية لرأيْنا أنَّ العقيدة الجديدة تكون كامنة في حاجات الناس الأساسية قبل أن تَظْهِر وتنتشر وتسود. ويكفي أن تَدْخُل العقيدة في نزاع مستمر ومتزايد مع تلك الحاجات حتى تَفْقِد تأثيرها وحيويتها وقوَّتها، وتتحوَّل من كاسِر للقيود القديمة إلى قَيْد جديد. وإنَّ "الزواج".. زواج مسلمٍ من غير مسلمة، أو زواج مسلمة من غير مسلم، هو، أيضا، حقٌّ إنساني يجب احترامه ومنع التطاول عليه، فالدين، أي دين، ينبغي له أن يجيب عن "سؤال الزواج" بما يحافِظ على هذا الحق الإنساني، وبما يَمْنَع "الزواج" من أن يكون سببا لـ "الإكراه الديني"، فـ "الزواج" ليس بـ "السبب المقبول" لتغيير أحد الزوجين لدينه، فما يأتي بالزواج يمكن أن يذهب بالطلاق. ما يمكن مهادنته الآن إنَّما هو "الانتساب الديني للأبناء"، فالابن يَنْتَسِب، دينيا، في "الأوراق الرسمية"، في مجتمعنا العربي الإسلامي ـ المسيحي، إلى أبيه، وليس إلى أُمِّه. "الانتماء الديني" ليس بالانتماء الذي يمكن تغييره في يُسْر وسهولة إذا كان تغييره يعني، على وجه التعيين والحصر، الانتقال من دين إلى دين (ضِمْن الأديان السماوية الثلاثة). و"التغيير الديني"، أي تحوُّل المرء من دين إلى دين، ضِمْن تلك الأديان، يَصْعُب نزولاً (من الإسلام إلى المسيحية مثلا) ويَسْهُل صعودا (من المسيحية إلى الإسلام مثلا). ولستُ هنا في صدد شرح الأسباب والحيثيات. باستثناء ذلك، نرى تغييرا يعتري "الانتماء الديني" كأنْ يصبح المسلم، أو المسيحي، أو اليهودي، شيوعيا أو وجوديا..، في فكره، أي أن يصبح مسلما، أو مسيحيا، أو يهوديا، في "الهوية (أي الأوراق الرسمية)" فحسب. المسلم قد يتزمَّت أو يَعْتَدِل في دينه وتدينه؛ قد يتشكك بما يَجْعَله أقرب إلى الإلحاد منه الإيمان؛ قد يلحد، أو يتبنى فكرا أو عقيدة "لا دينية"، أو تقوم على "فلسفة مادِّية"، أو على الإلحاد. هذا بعضٌ من أوجه التغيير الذي يعتري، أو قد يعتري، المسلم على صعيد الفكر. وهذا التغيير نراه تارةً على شكل مَدٍّ، وطورا على شكل جَزْر؛ لكن نادراً، ونادراً جداً، أن نرى التغيير في الانتماء الديني للمسلم على شكل انتقال مُعْلَن من الديانة الإسلامية إلى الديانة المسيحية؛ أمَّا الديانة اليهودية فهي مُغْلَقة (عِرْقيا) في وجه أتباع غيرها من الديانات السماوية. أقول ذلك حتى تُفْهَم "الرِدَّة" في الإسلام بما لا يتعارض مع حق الإنسان المسلم في حرِّية الفكر والمُعْتَقَد، فتَحوُّل المسلم (علانيةً) من اعتناق الدين الإسلامي إلى اعتناق دين سماوي آخر (المسيحية مثلا) هو "الرِدَّة (المُحرَّمة)" في مفهمومها الديني الإسلامي؛ أمَّا أن يَعْتَنِق المسلم عقيدة بشرية أرضية غير دينية، أو منافية للدين على وجه العموم، كالشيوعية، فليس من تلك "الرِدَّة" في شيء. لكن، هل حُلَّت كل المشكلة؟ كلا، لم تُحل كلها، أو لم تُحَل بما يُوازِن بين "الالتزام الديني" و"الالتزام الديمقراطي"، فالمسلم يرى حقَّاً له، وواجباً عليه، أن يسعى في جَعْل المسيحي، أو اليهودي، مسلما؛ لكنَّه يرى، مُسلَّحا بحُجَج وأفكار دينية إسلامية، "رِدَّة (محرَّمة)" في تحوُّل مسلم إلى ديانة سماوية أخرى، على استعصاء ذلك. أقول "على استعصاء ذلك"؛ لأنَّ "التحوُّل الديني نزولا" هو من الصعوبة بمكان، فالمسيحي الذي يتحوَّل إلى الإسلام إنَّما يشبه لجهة سهولة واستسهال تحوُّلِه أن يَعْتَنِق المسلم عقيدة بشرية أرضية "لا دينية"، أو منافية للدين، فهذا المسيحي المتحوِّل لم يَفْهَم الإسلام حتى تحوُّله إليه إلا على أنَّه عقيدة بشرية أرضية، أي أنَّ "ضميره الديني" لن يُوْجِعه كثيراً. أمَّا المسلم فيَخْتَلِف في كون "ضميره الديني" يُعَدُّ عقبة كبرى في وجه تحوُّله الديني نزولا؛ لأنَّه يؤمِن أنَّ المسيحية واليهودية ديانتان سماويتان، وليستا بعقيدتين بشريتين أرضيتين، وأنَّ الديانة الإسلامية تتضمَّن الديانتين السابقتين في "نقائهما السماوي". مفتي مصر، وعلى ما نُسِب إليه من أقوال، اسْتَشْهَد بتلك الآيات القرآنية، التي قد تكون موضع خلاف بين المسلمين في تفسيرها وتأويلها، فالآية "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" لا يمكن تفسيرها على أنَّها تُجيز للمسلم أن يَتْرُك الدين الإسلامي، ليَعْتَنِق بدلا منه دينا سماوياً آخر. إنَّها تؤكِّد أنَّ للرسول، أو للمسلم، من ثمَّ، حقَّ في أن يدين بديانة مختلفة عن ديانة غيره. والآية "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" لا يمكن تفسيرها هي أيضاً على أنَّها تجيز للمسلم اعتناق ديانة سماوية أخرى، فهي إنَّما تؤكِّد أنَّ لغير المسلم الحرِّية في أن يؤمِن، أي أن يصبح مسلماً، أو في أن يظلَّ على كفره، أي أن يظلَّ غير مسلم. هذه الآية إنَّما تُخاطِب غير المسلم وليس المسلم ذاته. بقيت الآية " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، والتي أرى أنَّها لا يمكن أن تُفسَّر إلا بما يقيم توازنا بين "الالتزام الديني" و"الالتزام الديمقراطي"، فـ "الإكراه الديني"، بكل صوره وأشكاله إنَّما هو شيء ضد "الدين (الإسلامي)"، الذي هو ضد كل "إكراه ديني". لقد قال كلاوزفيتس إنَّ "الدبلوماسية" هي "فن الإقناع"، وإنَّ "الحرب" هي "فن الإكراه"، فإذا أخْفَقَت "الدبلوماسية" في "إقناع" خصمكَ بأنْ يلبِّي شروطكَ ومطالبكَ (كلها أو بعضها) توصُّلا إلى حلِّ المشكلة فلا بدَّ عندئذٍ من أن تلجأ إلى "الحرب" لِتُكْرِهه إكراها على تلبيتها، فالحرب إنَّما هي امتداد واستمرار للسياسة؛ لكن بوسيلة أخرى هي العنف. أمَّا في الإسلام، وبحسب هذه الآية، نصَّا وروحا، فلا مكان لـ "الإكراه"، فأنتَ المسلم يحقُّ لكَ فحسب أن تجادِل غير المسلم بالتي هي أحسن، أي أن تسعى في إقناعه باعتناق الإسلام، فإذا لم تُوَفَّق في سعيكَ هذا فلا حقَّ (دينيا إسلاميا) لكَ في أن تُكْرِهَه إكراها على ذلك. وغنيٌ عن البيان أنَّ آية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" تشمل مزيداً من المعاني، فالمرء، وبلا إكراه، يمكنه أن يَعْتَنِق، وأن يستمر على اعتناقه، ديانة ما. لقد نَزَلَت الآية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" فِيمَنْ كان له من الأنصار أولاد أراد أن يُكْرِههم على الإسلام. لماذا "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"؟ لأنَّ الأمور غدت واضحة لعقول الناس بفضل ما جاء به القرآن؛ ولم يَبْقَ لهم بعد كل هذا الوضوح إلا أن يختاروا من خلال شيء يُدْعى "العقل"، فأنتَ لا تُكْرِه غيركَ على أن يؤمِن بما تؤمِن به إلا إذا أعْجَزَكَ ضعف حُججكَ عن مخاطبة عقله وإقناعه، فهل من حاجة إلى أن أُكْرِهكَ على الإيمان بأنَّ الجسم إذا غُمِر في سائل يَفْقِد من وزنه قدر وزن السائل المُزاح ما دُمتُ قادرا على إقناعِكَ بذلك بتجربة عملية؟! لكنَّ هذا لا يعني أنَّ الآية لا تشتمل على "العام" من المعنى. وعليه، فالآية في "الجوهري" من معناها إنَّما تقول الآتي: ليس بـ "الإكراه" يُسْلِم غير المسلم، وليس بـ "الإكراه" يستمر المسلم مُسْلِما. وقد يفيد أنْ نوضِّح هنا أنَّ "الديانة بالوراثة" قد تتحوَّل إلى "إكراه ديني"، فأين هي الآية القرآنية التي تقول بما ينفي القول الآتي: "لا وراثة في الدين". وهذا الذي وُلِدَ من أبوين مسلمين ليس بمرتدٍ عن الإسلام إذا ما أراد أن يناقِش ويجادل ويحاوِر ويسأل.. بما يجعله في انتمائه الفكري متوافِقا مع مبدأ "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". لقد توصَّل مفتي مصر، عَبْر إمعانه النظر في كثير من الآيات القرآنية، إلى "حقِّ كل إنسان في اختيار دينه (من غير إكراه أو ضغط خارجي)". وهذا إنَّما يعني، أيضا، نَفْياً لـ "الدين بالوراثة"، فالإنسان الذي والده مسلم، أو والداه مسلمان، يُمْكِنه، إذا ما أراد، أن يمارِس "حقَّه في الاختيار الديني" عندما يغدو قادراً، بحسب القانون، على ممارَسة حقه في الاختيار في وجه عام. إذا اختار تغيير دينه، أي تَرْكَ الإسلام إلى ديانة أُخرى، فهذا إنَّما يُعَدُّ، على ما بيَّن المفتي وأوضح، ممارَسةً لَمَا أسماه "الحق في ارتكاب الأخطاء والذنوب (ما دام ضررها لا يمتد إلى الآخرين)". "عقوبة الرِّدة (عن الإسلام)"، على ما أوضح المفتي وأكَّد، هي في الأصل ليست بـ "عقوبة دنيوية"، فالمرتدُّون، وعلى مدى التاريخ الإسلامي، لم يعاقبوا دنيويا على ارتدادهم إلا إذا.. إذا لم يكتفوا بردَّتهم، فسعوا إلى "تخريب أُسُس المجتمع وتدميرها". المفتي وصف "الردَّة (عن الإسلام)" بأنَّها "ذنب كبير"، وبأنَّها "أمْرٌ من الخطورة بمكان"، مؤكِّدا أنَّ العقاب (الدنيوي) للمرتد يصبح مُسْتَوْجَباً "إذا صاحبت ارتداده فتنة في صفوف المجتمع". وأحسبُ، أخيرا، أنَّ مبدأ "لا إكراه في الدين" ينطوي على مبدأ آخر لا يقلُّ أهمية هو "لا إكراه في تغيير الدين"، فالمسلم الذي يقف ضد أسْلَمة غيره بالإكراه ينبغي له، وفي الوقت نفسه، أن يقف ضد الإكراه وسيلةً لِحَمْل المسلم على تغيير دينه. لكن، لماذا.. لماذا تاريخنا، نحن العرب، في جوهره وأساسه ومعظمه، يَظْهَر على أنَّه "تاريخ أديان".. تاريخٌ لنشوئها، وانتشارها ونَشْرِها، ولصراعها بـ "القلم"، قليلاً، وبـ "الحديد والنار"، كثيراً؟! لماذا نميل، دائماً، إلى النظر إلى صراعنا الواقعي الأرضي بـ "عيون دينية"، وإلى ترجمة هذا الصراع (بوقائعه وأسبابه ونتائجه) بـ "لغة الدين"؟! إنَّنا ننتمي، ويجب أنْ ننتمي، إلى ما لم يظهر بعد إلى حيِّز الوجود، وهو العرب، بصفة كونهم جماعة قومية، متَّحِدة، تَنْبُذ الشوفينية، تحيا حياة ديمقراطية حقيقية، تأخذ بالعلمانية، وتقف ضد الحكم الثيوقراطي مهما كانت تسميته، وتبتني "مواطَنَة" لا أثر فيها للانتماء الديني.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل