المحتوى الرئيسى

فتنة مصر

05/10 09:04

ساطع نور الدين عندما يقال إنها فتنة طائفية في مصر، يبرّأ المسلمون من دون سبب، ويظلم المسيحيون من دون دليل.. ويصبح الصراع الأهلي أشبه بعملية تمويه مريبة لذلك الاضطهاد التاريخي الذي تتعرض له تلك الأقلية العربية المعذبة، الخائفة اليوم من خروج جوارها المسلم عن طوره. لا تنطبق صفة الفتنة أبدا على هجمات منسقة يشنها رعاع مسلمون على دور عبادة ومحال سكن ومصادر رزق مسيحية، بناء على شائعات ليس لها صلة بأي قيم سياسية أو اجتماعية أو إنسانية أو أخلاقية. ويتكرر الهجوم كلما تكررت الشائعة، وتتحول الغوغاء إلى فرقة دينية، ويصبح المسيحي هدفا مشروعا ومرغوبا للتنفيس عن أحقاد متراكمة، وأفكار مكبوتة عن إسلام غريب حتى عن نصوصه، ويصير قدر المسيحي بين أن يكون قتيلا أو جريحا أو هاربا، يتمكن في بعض الأحيان من الدفاع عن نفسه والنجاة بعائلته أو ملكيته، لا يحصل إلا على بعض العطف والإحسان من النخب الحاكمة بما يمكنه من البقاء حتى موعد الهجوم البربري التالي. في تلك الفتنة المزعومة، لا يمكن العثور على تفسير واضح لتلك الهمجية الإسلامية، التي تعزى في الغالب إلى ثقافة سبقت الإسلام وافتعلت نزاعا مستمرا منذ قرون على ملكية الأرض المصرية بين أصحابها الأصليين الأقباط وبين غزاتها المسلمين الآتين من شبه الجزيرة العربية، وترجمت صراعاً مفتوحاً على العرض وشرف المرأة الذي لا يزال يعلو ولا يعلى عليه، ويعتبر الزواج المختلط كفراً أو رجساً، أو مغامرة اجتماعية خطرة. ليس في التاريخ المصري فراق سياسي واحد يشبه الافتراقات السياسية بين مسلمي المشرق ومسيحييه الذين ارتكب بعضهم أكثر من مرة معصية التواطؤ مع الأجنبي. وليس في التاريخ المصري فارق اجتماعي يشبه الفوارق الاجتماعية بين مسلمي الشرق ذوي الثقافة العثمانية وبين مسيحييه ذوي الثقافة الغربية. لم يكن لدى أقباط مصر في أي يوم من الأيام مشروع سياسي سوى العدالة بحدودها الدنيا، التي لم تؤمنها أي من العهود المتعاقبة ولن يؤمنها العهد الحالي الذي أفسح المجال لشذاذ الآفاق المسلمين، على اختلاف تنظيماتهم الأصولية والسلفية، كي يروا في استعادة حق الجماعة المصرية في حرية الرأي والتعبير، فرصة للاعتداء على عامة المسيحيين وأديرتهم ومنازلهم وأعمالهم، بذريعة حماية امرأة قبطية خرجت عن دينها.. مع أنها قد تكون قد خرجت من زواجها نتيجة خلاف عائلي أو خلل جنسي. ثورة 25 يناير أعطت الحرية لمن لا يستحقها من الإسلاميين الذين يشعرون اليوم أنها ثورتهم ومناسبتهم للإفصاح عن أحط عصبياتهم وغرائزهم، التي لن تكون قادرة على الانقلاب على تلك الحالة المدنية الديموقراطية الرائدة، لكنها يمكن ان تدفع المسيحيين الى الانعزال عن الاجتماع الوطني والبحث في تشكيل مؤسسات سياسية واجتماعية خاصة تحميهم، وتدفعهم الى استلهام تجارب مشرقية بائسة، لم تساهم في حفظ الأوطان أو الطوائف المسيحية. لا فتنة طائفية في مصر، حسب التعريف المشرقي للفتن، بل اضطهاد مفضوح للأقباط المصريين الذين يفترض أن يكونوا شركاء لا أجراء في الوطن المصري الثائر الآن على جميع أشكال العبودية. *نقلا عن "السفير" اللبنانية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل