المحتوى الرئيسى

الجامعة بين الرسالة ..والإشاعة

05/09 22:02

وجهة نظر: الجامعة بين الرسالة .......والإشاعة أن يهيئ الله تعالى بفضله لي الظروف وأدخل الجامعة مدرسا بعد أن كنت متعلما ليس ضربة لازب ولا محض صدفة، فحكمته التي تلبست بكل شيء تنفي أن تتصف أقداره بالعبث إلا في ذهن مريض. ولم يدر بخلدي أن أتعرى من هذا الشعور يوما إلا بعد أن أرغمت على خوض معركة هي دون تلك المهمة والرسالة. اليوم، أكتب عن هذا الموضوع لتتضح لأولي الألباب مقادير الخسارة التي يمكن أن يتعرض لها المجتمع عامة والنخبة المتعلمة خاصة إذا أرغم أصحاب الرسالة على الانشغال بغيرها أو الخوض في ما لم يجبلوا عليه ولم يتهيأوا له من دفع عن الذات وصد للأقاويل والإشاعات. لا شك أن الإشاعة مرض، ومرض خطير للغاية، ولعل التسمية النبوية أليق بتحديد الموضوع وهي الغيبة والبهتان كما ورد في أحاديثه الشريفة. والغيبة ذكر الرجل في غيبته ولو بما فيه، أما البهتان فغيبته بما ليس فيه. ولكن مصطلح الإشاعة يجب أن يفهم بكل تلك المضامين إضافة إلى توسيع نطاق الخبر حتى يغدو ساريا محيطا بالمعني لا يكاد يفلته. لم أعجب من وجود هذا الداء في الوسط العام، فديدن الناس الاجتماع على هتك الأعراض وتناول خبايا بعضهم بعضا. كيف لا يكون ذلك وليس في حياتهم ما يشغلها من خير فلا بد أن يسري إليها ما يملؤها من قالة السوء ورديئها. ولكن عجبي أن يكون المسلك ذاته بكل خبائثه قد وجد له في الجامعة محاضن دافئة وصدورا رحبة وألسنة ذات كفاءة. فضربت كفا بكف وطار مني اللب، حيث جاءت الضربات من جهة مأمونة أو كانت كذلك قبل أن أنتبه إلى استفحال هذا الداء. وانشغلت مليا بتحديد الأسباب والعوامل. وكنت في كل مرة أخرج بجملة مفارقات لا يمكن الجمع بينها إلا قسرا. فبم يفسر اجتماع الأستاذ والطالب على سلوك نفس المسلك الرديء ويجدان نفسيهما متعاونين تعاونا تاما على القيام بالدور ذاته في ممارسة الإشاعة والخضوع لها والدوران في نظامها الاتصالي واعتقاد معطياتها وتمريرها بأمانة وإصرار وحرص إلى الغير. والأدهى أن ينضم إلى هذا السرب الغريب من هم أبعد عن الأستاذ والطالب وظيفة ومستوى، فتجد على الوليمة اللئيمة ذاتها البواب والحارس والمنظف والإداري. هنا تدرك المدى الذي وصلت إليه سبل التواصل بين مكونات الحرم الجامعي وتدرك انهيار التراتب الذي وجدت الجامعة لأجله، تراتب تمليه قداسة المعرفة وجلالة المهمة المنوطة بالأستاذ الخاسر الأول والأكبر في هذه الوهدة الأخلاقية. ثم تأملت دائرة الأساتذة ذاتها، فكانت الصورة أبشع، كيف لا وقد وفرت الإشاعة سبيلا ليقتات أدعياء المعرفة، بل ليرتادوا مراتب المسؤولية مرتاحين من المزاحمة، بعد أن ترسخ المؤهل الأول لها وهو القدرة على إزاحة كل واحد من خلال تحريك آلة هتك الأعراض والتشويه والتشويش على أهل الكفاءة، وإشغالهم بأنفسهم وتحجيم دورهم ورسالتهم. يستوي في هذا الأمر _ويا للهول_ ذوو الدرجات الدنيا أو ذوو الدرجات العليا من الأساتذة فقد جمعتهم الإشاعة والغيبة على أن يتناسوا الدرجات العلمية أو ينسوها لأنها جاءتهم على حين غرة فبقيت كالقشرة الغريبة عن أبدانهم وظلوا هم في ممارسة سلوكاتهم الراسخة التي دأبوا عليها ولم تبدلها الألقاب والعناوين. ليت شعري، عن أي أستاذ تتحدث إذا كنت ترى لجعجعتهم طحينا لا يقل سوءا عن طحين جلساء المقاهي والأسواق إلا من حيث إن رواد تلك الأماكن لا يدّعون فسلفة، أما أولئك فهم يدعون لأمراضهم نظريات ومذاهب، فلا يزدادون بسلوكهم الإشاعة والغيبة وهم يحملون تلك الألقاب إلا افتضاحا وخيبة لجمعهم بين اللقب الرفيع واللسان الرديء واللب الخاوي. أما الخاسر الثاني، فالطلاب الذين ذهلوا عن مهمتهم الأولى، وهي اقتناص المعرفة واهتبال الفرص وما أقلها في العثور على أهل المعرفة والعلم فيأخذون منهم ما استطاعوا ويتتبعون من سلوكهم البحثي ما يزيدهم ولا ينقصهم. فماذا تحقق لهم وقد ارتموا في أحضان الإشاعة وهتك الأعراض؟ لقد خسروا الجامعة.. نعم لقد خسروا الجامعة بعد أن أصبحوا لعبة في أيدي المروجين للإشاعة، وهؤلاء يعرفوا من البداية ألا مستقبل لهم في ظل جامعة جادة تنشر المعرفة وتقيّم على أساسها، فالأمر بالنسبة إليهم لا يستقيم إلا بتعفين الأجواء ونشر الشكوك وكسر كل المحارم، في هذا الجو فقط يهنأ الكسالى ويرتاح المريبون ويتصدر الغشاشون، فانظر عظم المصيبة التي نعيشها وتذوق مرارة ما تعتصره الإشاعة من أخلاق السوء وما تبرزه من قيم. ليفرح الجميع بهذا الإنجاز وليهنأ القائمون بالأمر بهذا الدرك السفيل والسفيه الذي لم يعد يعرف داخله صاحب معرفة من صاحب "غرفة"، ولا يعرف فيه ذو لب من ذي "..ب". أما أنا فهيهات أن أنصرف عن رسالتي..رسالة الخير والعطاء والمعرفة..قد أضعف نعم، قد توجعني الضربات نعم، قد يهزني غدر القريب ولؤم البعيد وتولي الحليف وإدبار الصديق، قد أجد نفسي وحيدا، قد أصاب بالملل أو اليأس في لحظات، قد تحدثني نفسي بالانصراف كلية عن الكفاح.. لكن لكن..هيهات..أن أتنازل عن أخلاقي وسلوكي، عن مهمتي ووظيفتي ورسالتي..هيهات وقد عاهدت الله تعالى ألا أخوض المعركة إلا بالسلاح الشريف النظيف الطاهر، هيهات أن أتناول عرض أحد ولو كنت أعلم أنه تسلق الدرجات غشا وتوظف واسطة ووظف زوجته ببيع الذات وما ملكت، ولو كنت أعرف أنه زور نتائج وقدم الأضعفين على الأقويين ..هيهات أن أنفق دقات حياتي في مجالس الغيبة والإشاعة ..هيهات أن يهنأ أحدهم بأن يراني على ملته ومسلكه.. يا ناطح الجبل الأشم ليوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون": صدق الله العظيم، "والعاقبة للمتقين": صدق الله العظيم. ولكن هل يصدق هؤلاء بكلام الله العظيم. سأواصل المهمة منتقيا لها الصالحين الأقوياء، وقد هيأ الله بحكمته ألا يبقى حولي إلا الأقوياء الذين يصرون على السير في وجه تيار الإشاعة العاتي، يتساقط الصغار ويخور الضعاف ويستسلم رقاق القلوب والأخلاق، ويثبت في وجه الأعاصير ذوو المقدرة الهائلة وهؤلاء بفضل الله هم العدة، بهم تبقى سمعة الجامعة وتستمر في إنارة ولو القليل من العقول، والمهم ألا تنطفئ كل المصابيح، سنواصل إيقاد المشعل الذي تهب عليه نفخات السخرية من كل عمل جاد، سنتسمر في العمل ورفع المستوى، سنستمر مترفعين عن الأنذال ومن رضوا لأنفسهم بوظيفة النباح وراء السائرين إلى الأمام.. لن نكتفي بالأسف على وضع الجامعة بل سنكافح على أن تجمع هذه الجامعة بين العلم والأخلاق، بين العلماء والسالكين لطريق الله ..هذه رسالتنا..هذه مهمتنا..هذا قدرنا..هذا عذابنا اللذيذ..هذه عقبتنا التي انتدبنا الله بحكمته لتجاوزها وسنعمل لها ما حيينا..وعلى الله قصد السبيل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل