المحتوى الرئيسى

> سعْوَدِة مصر .. علي هامش إمبابة

05/09 21:11

كتب - حاتم حافظلدي المصريين شعور طيب تجاه السعودية منبعه وجود الأراضي المقدسة ضمن حدودها، ولكنهم يخلطون في ذلك بين السعودية كدولة والسعودية كأرض للميعاد، لأنه كما أن الحرم الحسيني لا علاقة له بميدان الحسين، أكثر ميادين مصر ازدحاما وتلوثا وامتلاء بالنشالين، كذلك فإن مصادفة أن الحرمين ـ المكي والنبوي ـ يقعان ضمن حدود "الدولة" السعودية لا يعني أبدا أن تكون ـ كدولة ـ المسئولة عن الدين الإسلامي ومصدر تفسيره وصاحبة تأويله ـ حصريا ـ في البلدان التي يؤمن سكانها بالإسلام. وكما يخلط المصريون المسلمون بين السعودية كدولة والسعودية أرض الميعاد يخلطون كذلك بين الإسلام وبين الإسلام السعودي الذي يعرف بالوهابية، ولذا فإنهم يميلون أكثر للتعامل مع صورة الإسلام التي تقدمها السعودية باعتبارها الصورة الحقيقية للإسلام، وطبعا ساعدهم في ذلك أمران: الأول انكسار حلم الدولة العصرية الذي كتبت نهايته الحقبة الناصرية بهزيمة يونيه المروعة وخروج مصر من حسابات القضايا الوطنية والقومية بعد التعاقد مع العدو الصهيوني علي غض الطرف مقابل سيناء، والثاني انتعاش السعودية اقتصاديا فيما بعد أكتوبر 73 مما دشن لحقبة اسماها البعض ـ ولهم كثير حق ـ بحقبة النفط. ما أعنيه أن الصعود السياسي والاقتصادي للسعودية والذي واكب تراجع مصر سياسيا واقتصاديا، وهو ما تمت ترجمته بالطبع إلي التراجع الثقافي المزري، كان له دور في تشكيل خارطة المنطقة وفق التصورات السعودية ـ كدولة سياسية ـ للدين، باعتبار أن الأخير كان محور المشاريع التي اضطر المصريون لتلقي صياغتها وتبنيها نتيجة الاكتئاب الحاد الذي بدأ منذ النكسة وحتي الآن. لماكس فيبر جملة رائعة يقول فيها "وظيفة الدين للشرائح المتميزة هي إضفاء الشرعية وللآخرين الخلاص" وذلك في سياق السؤال عن سبب انتشار الديانات التي يبشر أنبياؤها بالخلاص بين الشرائح الاجتماعية الأقل حظوة. وهي جملة يمكن استدعاؤها هنا لأن الدين ـ عند هذه اللحظة المفصلية من تاريخ مصر والعالم العربي ـ تم استغلاله أيديولوجيا، لتحقيق تمايز ثقافي واقتصادي لدول النفط جميعا والتي كان لابد لها من غطاء شرعي للثراء المفاجئ الذي جلبه النفط. كان عليها إذن أن تجعل من ثروتها ثروة مشروعة وليس أفضل من القول إنها منحة إلهية مستحقة لالتزامها بالدين الذي فرطت فيه مصر الاشتراكية زمن عبد الناصر، ولأن السعودية كانت في وضع أفضل بالتأكيد لوقوع الأماكن المقدسة الإسلامية ضمن حدودها أمكن صياغة هذه الشرعية المؤسسة للدولة الملكية النفطية الجديدة في السعودية وليس في مكان آخر. ولأن المصريين بخاصة كانوا قد فقدوا الثقة في وعود الناصرية أولا ثم وعود النصر التي ذابت في كامب ديفيد ثانيا، كان عليهم أن يتلقوا صياغات دينهم التي كتبت في مكان آخر طواعية. وكان عليهم أيضا قبول الوهابية كنموذج أمثل للإسلام، مستبعدين إسهامات مصر في صياغة ونمو الإسلام عبر عصوره، ومتجاهلين الروافد المصرية للدين الإسلامي، كما لو كان عليهم تلقي الدعوة مرة أخري ومن البداية. والحقيقة أن الإسلام المصري الذي كان لوقت قريب ـ كما كان يقال عنه ـ سني المذهب شيعي الهوي، في إشارة لوسطية مصر بين السنة والشيعة، مال طوال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات لا نحو السنة ولا نحو الشيعة ولكن نحو الوهابية، التي وإن كانت في أصولها التاريخية لمؤسسها محمد بن عبد الوهاب مذهبا سنيا بالأساس فإنها قد تطرفت عن السنة الحقيقية كمذهب ظهر أساسا ـ وقت الفتنة الكبري في القرن الأول الهجري ـ ليكون أصحابه بعيدين عن حسابات الصراع الديني الأيديولوجي. والحقيقة أنه كما أن الفرق المتنازعة وقت الفتنة الكبري كانت تسعي للبحث عن غطاء شرعي وأخلاقي يحمي أفعالها ويبررها فإن السعودية ـ كدولة نفطية ومسئولة عن الحجيج في الوقت نفسه ـ تمسكت بصياغتها الوهابية للدين الإسلامي كغطاء أخلاقي يمنحها شرعية وجودها كمملكة وسط الدول التي انفجرت بها الثورات التحررية سواء سياسيا ضد الاحتلال أو الملكية والاستبداد السياسي، أو ثقافيا ضد الجهل والتعصب والثقافة ذات البعد الواحد، ولذلك فإنه في رأيي أن ما بين مصر والسعودية ليس فقط ثأرا مبيتا بسبب الحملة التأديبية لإبراهيم بك أو بسبب تحول مصر إلي نموذج للتحرر في العالم العربي إبان الناصرية ولكن أيضا بسبب الخطوات التي اتخذتها مصر في طريق الدولة العصرية بداية من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لولا انكسار مصر في يونيه. ما بين مصر والسعودية ثأر حضاري بالأساس وإن كان غير معلن. وعليه فإن ما تشهده مصر هذه الأيام بعد الثورة المصرية التي انفجرت لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، بدأت خطواتها بالإعلان عن مشروع قومي للتعليم من جهة، وبالإعلان أيضا عن تبني الدولة لمشروع أحمد زويل العلمي، لن يرضي بأي حال من الأحوال دولة ملكية دينية تتبني نموذجا وحيدا للإسلام وترعي الجماعات المتشددة في كل مكان كالجماعات السلفية لتحديد إقامة أفكار الدولة الحديثة ولتشوية الإسلام الوسطي للأزهر وتقزيمه لأنه يتسامح مع الأفكار المختلفة ويقبل بالتعددية. علي المصريين أن يفهموا أن الدين الإسلامي ما كان له أن يستمر طوال الأربعة عشر قرنا لولا تفاعله الحضاري مع التاريخ، وهو التفاعل الذي كان من علاماته الأصيلة والحافزة مساهمة مصر الثقافية بداية من تحول مصر للإسلام، ونتيجة لامتزاج الإسلام بتدين مصر الفطري الذي يسبق الديانات الثلاث نفسها، وأن تحول مصر بتاريخها إلي الوهابية لا يشكل خطورة علي مصر فحسب بل يشكل خطورة أكبر علي الإسلام نفسه، لأن سعودة مصر تعني قبل كل شيء إيقاف تفاعل الإسلام نفسه مع التاريخ. وفي ظني أن مصر ـ التي بدت الأيام الفائتة كما لو كانت قد تسعودت بالفعل ـ سرعان ما ستنفض عن نفسها عبء الاستسلام لصياغات الآخرين، وستبدأ مجددا في صياغة مستقبلها الديني والثقافي والسياسي، لأن الثورة التي تمصرت علي حد تعبير وكالة البي بي سي ثورة لها طابع حضاري بدأت مصر في صياغته قبل الأديان بزمان، وليس من رهان إلا علي التاريخ الحضاري فحسب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل