المحتوى الرئيسى

"غزوة عبير"

05/09 18:25

محمد عبيد فتحت معركة إمبابة مجدداً جُرحاً مؤلماً ومزمناً في جسد المجتمع المصري، الذي ظن بعد نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير، أنه ودّع للأبد كل ما بات يُعرف بـ"الفتنة الطائفية"، وأعادت طرح السؤال عمّن يقف وراء مثل هذه الأحداث، ومَن المستفيد من محاولة تفجير مجتمع عُرف عنه احترامه للأديان كافة، وميله الشديد للتسامح والعيش المشترك. فاجعة بدأت بقصة أخرى، عن مسيحية اعتنقت الإسلام، مثلما سبقها في حالتي وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، بطلتها هذه المرة فتاة اسمها عبير. عبير لا يُعرف عنها أكثر من أنها مسيحية من صعيد مصر، تزوّجت مسلماً وانتقلت للعيش معه في بنها (شمال القاهرة) ثم تركته وهربت. إلى هنا تبدو أيضاً قصة عادية، ولكن النهاية جاءت دامية وصادمة، اتصال تليفوني من "عبير" يقول إنها موجودة في كنيسة أو منزل مجاور لكنيسة في منطقة إمبابة. سويعات وخرج بعض أبناء المنطقة من المسلمين لتحرير عبير من الأسر، كما لو كانوا قد استجابوا لصرخة "وامعتصماه" التي أطلقتها عربية أسرها الروم، وتدور معركة سقط ضحيتها 12 قتيلاً وأكثر من 200 جريح، وأدمت قلب وطن يتلمس طريقه نحو التعافي والخلاص. ومن دون الدخول في تفاصيل ما جرى ومَنْ بدأ المعركة، ومَنْ كان يحمل السلاح، الثابت أن هناك جريمة وقعت، وسلاحاً استخدم، وضحايا سقطوا. من السهل القول إن ما حدث هو من تدبير فلول النظام السابق، وقد يكون بعض ذلك صحيحاً، لكن الركون لذلك أصبح مشجباً بالياً لا يمكن أن نعلّق عليه كل جريمة تقع في البلاد بدءاً من فوضى الجماهير في ملاعب الكرة إلى حرق الكنائس وهدم الأضرحة والخروج على سلطة الدولة. هناك مشكلة حقيقية، وهي ليست دينية، ولكنها مشكلة اجتماعية واقتصادية بالأساس ترتدي ثوب الدين، نظام تعليمي فاشل أفرز على مدار عقود أنصاف متعلمين، وسياسة اقتصادية همّشت الغالبية العظمى من المواطنين لصالح فئة محدودة، ودولة تآكلت سلطتها قبل السقوط المدوّي للنظام، الذي اكتشفنا مع سقوطه أنه كان يتكئ على عصا سليمان وقد نخرها السوس. ومع انتشار الفقر والجهل وغياب الدولة لم يجد الناس ملجأً أفضل من المغالاة في التشدد، وانعزلت فئات ومناطق بأكملها عن مفهموم الدولة والمجتمع نفسه، طاوية نفسها تحت تنظيماتها وأفكارها الخاصة، لتخرج بعد الثورة كمارد تخلّص من قمقمه ويريد أن ينقض على المجتمع بأسره. محاولة النظام السابق، بضعفه وقِصَر نظره شراء رضا الأقباط والحصول على تأييدهم لمشروع التوريث، وهو المشروع الوحيد الذي كان لديه، أوغرت قلوب بعض المسلمين أيضاً ليروا الصورة معكوسة، كما لو كانوا أغلبية تشعر بالاضطهاد، والحقيقة أن الجميع، مسلمين وأقباطاً، كانوا سواسية في القهر. هذا التطرف الفكري وتلك البؤر الجاهزة للانفجار في كل لحظة تحتاج علاجاً طويل المدى، لإصلاح الأفكار وإعادة الناس لحضن الدولة وإيمانهم بها كقيمة أصيلة تستحق التضحية، وأن تكون الهبة لنصرتها، لا نصرة شيخ هنا، أو داعية هناك. ولأن هذا العلاج طويلٌ ويحتاج لصبر سنوات، فالحل الآن إعادة مارد التطرف والانحراف الفكري إلى قمقمه، وأن تكون الكلمة والسلطة والقانون والسلاح في يد الدولة فقط، وإلا فإن نيران إمبابة ستمتد لتصل إلى كل شبر في مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل