المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : هل أنقذت الثورة وائل عطية؟

05/09 17:02

لا يعرف أي منكم وائل عطية، لذلك فلأحدثكم قليلا عنه.وائل عطية صديقي منذ المدرسة الإعدادية. أي منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما. كنا جيرانا، لذا فأنا أعرفه من قبلها. لم تنقطع صداقتنا، برغم الابتعاد والسفر. هو من عائلة محدودة الموارد، من الشرائح الدنيا للطبقة الوسطي. له أخان، وأخت، وأب كان غائبا علي الدوام حتي وفاته قبل أعوام. أمه كانت من تعيل وترعي أبناءها. كانت دائمة العمل، داخل وخارج بيتهم المفتوح للجميع. حين نقابلها، وبرغم تعبها الواضح، تداعبنا بحسها الساخر والذكي. وتعد الشاي لعدم وجود بدائل.حين كان وائل طفلا، يسقط عن كتف أبيه، تكسر قصبة قدمه، ونتيجة العلاج الحكومي الردئ، تظل علامة الكسر والغرغرينا القديمة سنوات طويلة، لتهدده بعجز دائم. هذه الإصابة الأبدية في القصبة، لا تمنعه عن لعب الكرة، وبعض الملاكمة غير الاحترافية، وحمايتنا، نحن أصدقاءه الأضعف بدنيا في المدرسة. في الثانوية العامة لا يستطيع أن يتلقى مثل أغلبنا الدروس الخصوصية، التي كانت قد أصبحت إجبارية/ضرورية في عصر مبارك. لذلك لا يتمكن من مزاملتنا في جامعات القاهرة (العامة أو الخاصة)، يذهب ليدرس في معهد الخدمة الاجتماعية ببورسعيد، ويعمل طوال الوقت إلي جانب الدراسة. يضطر خلال سنوات لاستخدام عكاز بسبب الإصابة القديمة. بعد أعوام من مساعدته هو وإخوته لأمهم، يمكنونها من ترك العمل. يتزوج و ينجب طفلين، أحدهما لديه عام ونصف، والآخر عامان ونصف، يري زوجته وطفليه فقط علي العشاء المتأخر، فقد كان عليه أن يعمل ما بين إثنتي عشرة إلي أربعة عشرة ساعة يوميا.لم أره ولم نتحدث تليفونيا وقت معركتنا ضد مبارك ونظامه، لذلك لا أعلم إن كان قد شارك في الثورة أم لا. ولن أعلم أبدا، أول من أمس، السابع من مايو، يصاب بجلطة، يتوفي في طريقه للمستشفي عن عمر ٣٩ عاما.هذا النص ليس تأبينا له، فهو ممن نسميهم منذ أعوام، وبفجاجة بالغة، بالأشخاص العاديين، علي اعتبار إننا لسنا عاديين!!! النص أيضا ليس تأبينا له، كون قصته غير استثنائية، هناك الملايين مثلها في مجتمعنا عبر العقود الماضية.إلا أن السؤال الذي سيطر علي، وقت أن أبلغت بخبر وفاته، وكنت أقرأ لحظتها الأخبار الأولي لأحداث إمبابة، كان: هل أدركت الثورة أو أنقذت وائل عطية؟ الإجابة طبعا بالنفي. لكن، هناك إمكانية لتعديل السؤال: أليست هناك إمكانية لأن تنقذ الثورة الملايين من أمثال وائل؟ تنقذ وتدرك الملايين ممن لم يستطيعوا يوما الاستفادة بنتاج عملهم وتضحياتهم؟ هل هناك إمكانية كي يتحولوا لمواطنين في مجتمع يحقق لهم قدرا من العدالة والمساواة علي المستوي الصحي، التعليمي، إلخ؟نعلم جميعا أنها ليست ثورة إشتراكية، لكنها ثورة تستهدف تغيير البنية المجتمعية، السياسية، الثقافية، والاقتصادية الخربة التي كرسها نظام مبارك. لدي الكثيرين يقين بأن هؤلاء الملايين الذين خرجوا للشوارع منذ ٢٥ يناير، وطيلة ثمانية عشر يوما، بملابس لا تقيهم برودة الليل والفجر، في ميدان التحرير والميادين الأخري، لم يكونوا يريدون إجهاض مشروع التوريث أو وقف التعذيب وفقط، بل كانوا يتطلعون أيضا لحياة أفضل. بالرغم من غياب المشاريع الحزبية لهذه “الحياة الأفضل”. لم يجازفوا بحياتهم من أجل أن تتغير بعض الكراسي ما بين النخب السياسية، فهم أصلا لا يعرفون هذه النخب السياسية. ويعلمون أن أغلبها مستفيد من دوام الحال عما هو عليه، مع إعطائه بعض اللمسات التجميلية.أمثال وائل عطية، هم القطاع الواسع الذي لا يفهم ما يجري الآن علي الساحة المصرية، يشعرون بأنه لا جديد تحت الشمس، وكأنه لم تحدث هنا والآن ثورة، يرتعبون علي مستقبل أبنائهم حين يرون كل هذا العنف الطائفي، ويجدون أن العصابات المنحرفة والدينية تنفذ قانونها، ولا يعلمون من الذي يدفع هذه القوي للعمل بكل هذه الجرأة. لكنهم يدركون قدرتهم الذاتية كشعب، علي الإطاحة بمن سيقهرهم أو يستغلهم.إذا كانت ثورتنا جميعا، لم تتكمن من أن تدرك وائل أو تنقذه. فربما تنقذ الملايين ممن هم مثله، ممن لم يتساءلوا يوما عن نوع الديانة المسجلة في بطاقة الرقم القومي لأصدقائهم وزملائهم الجدد، أو حين يتبادلون الحديث في الأتوبيس أو المقهي مع من لا يعرفونهم.من الممكن، ومن المتاح أن تنقذهم الثورة عبر استمرارها، حين تتمكن من قلب المائدة التي يجلس عليها المجلس العسكري، لتغير قواعد اللعبة السياسية بالكامل، وتتيح للجميع، كمواطنين، وليس كعناصر دينية، المشاركة الحقيقية في بناء دولة ومجتمع جديد. فقط عبر إجبار هذا المجلس العسكري علي العودة لمعسكراته، تشكيل مجلس مدني يدير البلاد حتي الانتخابات، وينفذ مطالب ثورتنا الأساسية. هم أيضا من سيحمون من يجاهر الآن باتخاذ خطوات عملية وشجاعة باتجاه حماية ثورتهم، عبر استكمالها في الشارع. وأعتقد أنهم واعون بأن المحاكمات العسكرية، وعقوبات الإعدام للمتسببين في الأحداث الطائفية ليست حلاسؤال أخير لا أعرف إجابته: هل من الممكن أن نفعلها ومعنا كل القوي السياسية الديمقراطية؟ أن نبدأ الغضب؟ أن نخرج إلي الشوارع مع كل صاحب مصلحة في تجنيب مجتمعنا الانتحار ولحماية ما أسميناه بمصر الجديدة؟مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل