المحتوى الرئيسى

طه خليفة يكتب: هم"الأحياء".. ونحن "الأموات"!

05/09 16:57

كنت واحدا من المليارين من سكان كوكب الأرض الذين استمتعوا عبر الشاشات بزفاف الأمير البريطاني الشاب وليام على عروسه الجميلة الأنيقة كيت ميدلتون.العريس سليل عائلة ملكية عريقة, والعروس فتاة من عامة الشعب, والدها كان موظفا في شركة الطيران البريطانية, لكنه بجهده وعرقه, وليس بالمحسوبية, أصبح يمتلك شركة تجارة عبر الانترنت وكون ثروة لا بأس بها.ما أريد أن أقوله من وراء الكتابة عن هذا العرس الذي تكلل بالسعادة يوم الجمعة 29/4/2011 ألخصه في التالي:1 – أعيننا في الشرق ستظل مصوبة تجاه الغرب ونحن منبهرين بكل ما يبدعه ويبتكره وينتجه, من نمط الحكم والسياسة والإدارة, إلى العلم والفكر والفن والثقافة والصناعة, وحتى حفلات الزواج, ووسائل المتعة والبهجة. هذا الغرب يلعنه فريق منا, كما يلعنه بعض أبنائنا ممن يعيشون فيه ويأكلون من خيراته وينعمون بأمانه, لكنه يبقى نموذجا للجميع, سواء المحبين له, أو الناقمين عليه. فلماذا - إذن - لا نتوقف عن معاداته و نتصالح معه وننفتح عليه ونستفيد من منجزاته ونقلده بما يتناسب مع نمط حياتنا حتى نلحق به في التقدم والتحضر, وفي أسلوب الحكم ,وفي السلوك, وفي الحياة الإنسانية المحترمة ذاتها؟.2 – شاهدت ملايين البريطانيين محتشدين على طول الطريق الذي سار فيه موكب العروسين من كنيسة "وستمنستر" حتى "قصر باكنجهام" ,وهؤلاء الملايين كانوا في غاية الأناقة والنضارة والابتسامة, وسلوكهم أكثر من رائع, لا زحمة ولا تزاحم ولا تدافع ولا صراخ أو صفير, باستثناء آهات الإعجاب والتصفيق والتلويح بالأيدي وبالزهورللعروسين, ولم نر شابا يقتحم الحواجز ويقفز إلى حرم الطريق لممارسة "الرذالة" على العروسين أو"الاستظراف" بطلب التصوير معهما, ولعلكم تتذكرون فضيحة مباراة الزمالك والأفريقي التونسي عندما استباح "أبو حذيفة" وإخوانه من المشجعين الزملكاوية, أو المندسين, أو فلول النظام السابق - اعتبرهم ما تشاء - ارض الملعب أثناء المباراة وضربوا اللاعبين الضيوف ومعهم الحكم الجزائري واتلفوا كل شيء وصلت إليه أياديهم في الملعب .ومن اسف أن عدوى فوضى الملعب انتقلت للتوانسة ايضا وحدث في ملعب الافريقي أسوأ مما حدث في ملعب الزمالك.3 – ملايين البريطانيين لم يخرجوا بضغوط من أجهزة الأمن أو أصحاب الشركات التي يعملون فيها أو مقابل عدة جنيهات أو وجبة غداء, إنما خرجوا بإرادتهم و بحب حقيقي للأمير الشاب وعروسه, لأنهم يقدرون العائلة المالكة , لانها رمز لبريطانيا ومجدها وعزها رغم أن البريطانيين عانوا في الماضي من مظالم الملكية حينما كانت تحكم, وكان الملك هو ظل الله على الأرض.4 – لم يعرف عن الأمير وليام انه فتى مدلل, بل هو جاد في حياته, فهو ضابط في الجيش البريطاني, وقد سبق وخدم في أفغانستان مثله مثل أي ضابط آخر لابد أن يقضي عدة أشهر مع القوات التي تخوض مهام قتالية في الخارج, كما انه يخضع للقانون مثله مثل أي مواطن, فليس على رأسه ريشة, رغم أن على رأسه تاج ,لكنه رمزيا لايحميه إذا خالف القانون, والأمير لا يستغل وضعه في الإثراء غير المشروع أو نهب المال العام أو الحصول على عمولات أو عقد صفقات أو الشراكة من الباطن في توكيلات أو تقديم تسهيلات لاصدقائه من رجال الأعمال وتقاسم الأرباح معهم, هو لايملك غير مرتبه من الجيش واسرته لاتملك الا مخصصاتها السنوية واقرار الذمة المالية لكل افرادها معروف وحقيقي وليس مزيفا. أما كيت عروس الأميرفهى لم تتزوجه حتى تفتح لوالدها وأسرتها وأقاربها وأصدقائها مغارة علي بابا البريطانية, لذلك يحترم البريطانيون تلك العائلة, ومن الطبيعي أن يخرجوا بالملايين لمجاملتها والاحتفال بعرسها وتقديم أضخم تهنئة جماعية لها.5 – في الوقت الذي كان البريطانيون يتحركون من مقاطعات و مدن بريطانيا إلى مسار موكب العروسين في لندن, واعتبار هذا اليوم نزهة لاتتكرر كثيرا, كان هناك أناس آخرون من عالم آخر في بلد اسمه سوريا يخرجون في هجرة عكسية من مدن وقرى سوريا في اتجاه الحدود مع تركيا ولبنان والأردن هربا من القتل الذي يمارسه النظام ضد شعبه وهربا من حصار التجويع الذي يفرضه على المدن التي يقوم بتأديبها بطريقه لاإنسانية مثل " درعا " حتى تكون عبرة لسائر المدن والاحياء والقرى الأخرى فتتوقف عن المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية, هل رأيتم المدى الزمني الواسع في التحضر والإنسانية بين بريطانيا وبين سوريا مثلا؟.6 – لم نشاهد في هذا اليوم دبابات تجوب شوارع لندن لحراسة العرس الملكي, ولم نشاهد العروسين يركبان العربات المصفحة, بل عربة قديمة مكشوفة تجرها الخيول , فلا خوف عليهما من احد, لان البريطانيين لا يضمرون لهم شرا, فلم يحدث أن الأمير الشاب أو والده ولي العهد أو جدته الملكة عذبوا أو قتلوا أحدا في مراكز الشرطة , أو سجنوا احد ظلما , أواستغلوا النفوذ او نهبوا البلد , لذلك لايفكر احد هناك أن يمسهم بسوء .لكن في هذا اليوم وفي الأيام التالية في بلدان أخرى اسمها سوريا وليبيا واليمن كانت القوات والدبابات والمدرعات تطارد المواطنين المطالبين بالحرية والحياة الكريمة في الميادين والشوارع فتقتل وتصيب وتعتقل الكثيرين وتهدم وتشرد وتجوّع وتلفق الاتهامات للكثيرين, وتعيث في الأرض فسادا وظلما ودموعا ودماء, وهذا مما يولد الكراهية والرفض لكل صاحب سلطة وسلطان وصولجان في هذه البلدان وفي مثيلاتها.8 – أبناء حكامنا يتزوجون أيضا, فهل رأيتم واحدا منهم سار مع عروسه في سيارة مكشوفة تجرها الخيول في شارع رئيسي ووقف الشعب يحييه ويرسل له القبلات وينثر عليه الزهور؟ , لا يحدث شيئ من هذا , لان عائلات الحكم غير محبوبة من الشعب , وهى تعلم ذلك , ولهذا تخشى على نفسها من شعبها فتقيم أفراحها في قلاع محصنة كدشم الطائرات الحربية , والمدعون قلائل, فالثقة معدومة, والشك في كل مواطن هو الأصل في العلاقة.9 – نريد أن نحب حكامنا من قلوبنا , نفرح لأفراحهم, و نحزن لأحزانهم, كما تفعل شعوب العالم الحر مع حكامها, لكن هذا لن يحدث إلا إذا اخترناهم بأنفسنا, ساعتها سنحبهم وهم سيحبوننا, وساعتها سيسيرون بيننا دون حراسات كثيفة, لأنهم منا ونحن منهم, وساعتها سيقيمون أفراحهم في الهواء الطلق , لأنها ستكون أفراح الشعب كله كما حدث في العرس الملكي البريطاني , وكما يحدث في كل عرس في كل بلد متحرر من الطغيان, وساعتها سنرفع ايادينا نحييهم ونهنئهم وننثر عليهم الزهور, ولن نكون في حاجة لرفع شعارات " ارحلوا " و" الشعب يريد اسقاط النظام ".أليس هؤلاء القوم هم الأحياء , ونحن الأموات ؟.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل