المحتوى الرئيسى

رسالة الإسلام الخالدة (1)

05/09 13:14

حقائق وآفاق ومفاهيم بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب ما أحوج ديننا الإسلامي الحنيف اليوم وغدًا، إلى دوام التوضيح لحقائقه الكبرى ومعالمه وسماته ولمفاهيمه الأصيلة، للناس عامة وللمسلمين بصفة خاصة، حتى لا يفهمه أحد على غير وجهه الصحيح، أو يحرفه عن حقيقته، أو يعتقد نسبة أمور إليه، وهو منها براء، والقطع بأن السير على الطريق الذي بثه دعاة التغريب يؤدي إلى العقم، ويقود إلى الفشل والهزائم، ولا أمل يرجى مطلقًا إذا استمرت المفاهيم الخاطئة هي التي تسيطر على العقول؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".   1- ضرورة وحدة الفهم: ولذلك كان من فضل الله على الإخوان المسلمين أن وفَّق الله الإمام البنا لوضع الأساس السليم لوحدة الفهم الصحيح لهذا الدين؛ لتكون محورًا وأساسًا يلتقي عليه أبناء الحركة الإسلامية وغيرهم، فضرورة الفهم الصحيح للإسلام يعين على نجاح ودقة الحركة وسلامة العمل، وحسن التطبيق، ويقي الجماعة من العثرات، والانحرافات، والاجتهادات الخاطئة.   جاء في سيرة عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، قوله "من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وهذا ما نشاهده اليوم في أكثر من قطر إسلامي، من تخبط وحيرة".   والمخلص العامل الذي لا يحسن الفهم الصحيح، ولا ينزل الأمور منازلها، قد يضل ضلالاً بعيدًا، ولذلك حرصت الحركة الإسلامية على الفهم الصحيح للإسلام من أول يوم وجعلته ركنًا، ووضعت له أصولاً لحمايته من الخطأ أو الانحراف، والحمد لله تقاربت المدارس الفكرية، وحفظها الله من الأمراض الكثيرة التي تملأ ساحة العمل، وقد يحدث اختلاف في الفروع؛ لكنه اختلاف تكامل، لا يجر أبدًا إلى النزاع أو الخصام، بل هو الحوار الهادئ الذي يقرب ولا يباعد في ظل الحب في الله.   2- الأحزاب العلمانية وفكرتها عن الإسلام: جمهور هذه الأحزاب من الذين تثقفوا ثقافةً أجنبيةً عن طريق البعثات، أو المدارس الأجنبية، أو عن طريق المناهج التي وضعت بعيدًا عن طبيعة الإسلام، وفكرة هؤلاء عن الأديان بصفة عامة، وعن الإسلام بصفة خاصة؛ فكرة خاطئة تطابق تمامًا نظرة الأوربيين إلى الدين، فالدين عندهم مجرد علاقة بين المرء وربه، لا علاقة له بالحياة، ولا بشئون الحكم والسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع.   أما الجهاد عندهم فقد كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لقتال عبّاد الأوثان، وانتهى أمره بانتهاء هذا العصر، والفكرة المسيطرة عليهم، أن الدين عدو العلم، وأن من يريد أن ينهض ويتقدم، فعليه بطريق العلم وحده، ويجب ترك الدين في زاوية بعيدة هناك في المسجد لا يخرج منه، ولا شأن له بالحياة، وهذه نظرة لاهوتية كهنوتية بعيدة كل البعد عن هذا الدين الذي نزل كنظام للحياة يحكمها ويوجهها ويقودها إلى الله.   3- مقاومة التجزئة: ومن المفاهيم الخاطئة تقسيم المسلمين إلى رجل دين لا علاقة له بالدنيا، ورجل دنيا لا علاقة له بالدين، ولا يفهم عنه شيئا، ورجل سياسة لا صلة له بالاثنين، وهذا تقسيم مصطنع تستغربه بدهيات الإسلام وترفضه، فقد كانت الشخصية الإسلامية الأولى على النقيض من هذا الفهم المريض المعوج.   فأبو بكر رضي الله عنه كان خليفة المسلمين، وكان تاجر ثياب، وكان إمامًا للمسلمين بالمسجد، وكان قائدًا في الحرب، وكان مفتيًّا للمسلمين، وكان قاضيًا يحكم بين المتخاصمين، وكان عالمًا بأنساب العرب، فشخصية المسلم عالمية شاملة، أما تفكيك الشخصية الإسلامية فإنه محو وتغريب وتفتيت، لأصالتها، وهذا ما يأباه الإسلام، ويرفضه تاريخ المسلمين العظيم.إن الذي يقول بغير هذا يفهم الإسلام فهمًا قاصرًا محدودًا ضيقًا، وهذه سياسة تجفيف منابع الإسلام الصافية، والقضاء عليه، في المنهج بالتجزئة، وفي أهله بسلخهم من شخصيتهم ورسالتهم العالمية الشاملة.   ولذلك كان الرد العملي على هؤلاء بإبراز شمول الجانب السياسي في الإسلام، والجانب الاجتماعي، والجانب الاقتصادي، وإبراز شمول الإسلام وعالميته في جلاء ووضوح، الإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعها، فهو دين ودولة، وحكومة ووطن، وأمة، وهو خلق وقوة، وهو ثقافة وقانون، وهو علم وقضاء، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.   4- شبهات يجب أن تزول: إن الإسلام لا يعرف فصامًا بين الإيمان بالغيب، والإيمان بالمحسوس، ولا يعرف خصامًا بين الإيمان بالعقيدة، والإيمان بالبحث والتجربة والعلم، ولا بين التقدم المادي والحضاري والالتزام بالقيم الإنسانية، ولا بين نشاط الروح ونشاط الجسد، ولا بين الدنيا والآخرة، ولا بين أى جانب من الكيان البشري السوي وجانب آخر، الإسلام يأخذ الإنسان كل الإنسان في كل مكان وكل زمان، ولا يهمل منه جانبًا لحساب جانب آخر، ولا يهمل قبضة الطين من أجل إشراقة الروح، ولا يهمل عمارة الكون من أجل الفوز بالخلاص في الآخرة، والإسلام يؤمن بالعدل السياسي، والعدل الاجتماعي، والعدل الاقتصادي، وينشئ الحضارة التي تليق بالإنسان الذي كرمه الله على كثير من خلقه، الإنسان الذي حرره الإسلام، ومتعه بالحرية، وصدق الله العظيم إذ يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) (الإسراء: من الآية 70).   5- لماذا الخوف عند البعض؟ هذا الدين العظيم الذي يحفظ البشرية من التآكل والضياع ومن السقوط والهبوط، ويؤمن مستقبلها في الحاضر والمستقبل، إنه يحفظ الضرورات التي لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونها، يحفظ العقل، ويحفظ العقيدة، ويحفظ العرض والمال، ويحفظ كيان الإنسان كله، يحفظه بما شرع له من نظم وآداب وطاعات وشرائع، ومع كل هذا فالبعض يفزع من ذكر اسمه، حتى زعم هذا البعض جحودًا وكذبًا أنه يمكن الاستغناء عنه؛ لكن كل التجارب أثبتت أنه لا يوجد مصدر حقيقى للقيم غير الرسالات السماوية بالوحي الإلهي، وزعموا أيضًا أن العقل يكفي، وقالوا الطبيعة، وقالوا الفلسفة، وقالوا العلم، وعاش البعض بعيدًا عن الدين، وظن أن هذه الأوهام والأماني ستكون طريق النجاة وزورق الأمان (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (الأنعام).   ثم كانت النتيجة الحتمية لمن بعدوا عن الطريق أن حلت بهم الأمراض من قلق وضياع، وحيرة وشرود وإيدز، وشتى الأمراض النفسية والعصبية، والانتحار والإدمان والانحلال، وتشوهت الفطرة وهبطت الأخلاق، وتحولت المرأة إلى سلعة رخيصة تُباع بأرخص الأسعار، وتحول الإنسان إلى ترس للإنتاج، وعبد للمادة، وتلك نهاية طبيعية للتمرد على الدين وإنكار الفطرة وانسلاخ الإنسان وخلوده إلى الأرض، واتباع الهوى .   قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)) (مريم)، وقال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)) (طـه).   6- عظمة الإسلام: والإسلام هو كلمة الله الخالدة، وشريعته الدائمة الباقية، إنه الدين الذي أكمله الله، وأتم به النعمة وختم به الرسالات السماوية، وارتضاه لنا شريعة ومذهبًا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3).   والإسلام هو دين الله الحق؛ لأن الحق يتمثل في العقيدة الصحيحة، والعلم النافع والعمل الطيب المثمر والخلق الفاضل الكريم، والإسلام يجمع كل هذه الأمور، ويحتوي على كل ما يسعد البشرية ويوصلها إلى طريق السمو، ويأخذ بيدها إلى أعلى درجات الكمال؛ ولذلك سماه الله هدى وحقًّا (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)) (التوبة)، (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)) (الإسراء).   إن الإسلام دين حي كالحياة نفسها، وباقٍ ما بقي هذا الإنسان، إنه تقدير العزيز العليم، وصنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه الدين الذي يجمع بين الكمال الذي لا انتظار بعده لدين آخر، ولا حاجة معه إلى قوانين جديدة، دين الحيوية التي لا نفاد لها، والنشاط الذي لا نهاية له، ولا آخر لحدوده (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) (آل عمران: من الآية 19)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)) (آل عمران)، ومعنى الإسلام هنا.. الدين الذي جاءت به جميع الرسل والأنبياء، ودعوا إليه وتحملوا المشاق في سبيله من آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (الشورى: من الآية 13).   7- السبيل الوحيد للإنقاذ: وفي هذه الفترة العصيبة التي يمر بها العالم بين مدنية زائفة، وبين تطور متهور، في هذه الأيام التي انغمس فيها الناس في شهواتهم، وانكبوا على نزواتهم، وفرحوا بما عندهم من زخرف الحياة الدنيا وباطلها، في هذا الزمان الذي ظهر فيه الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس من آثام، واقترفت من مظالم وسيئات، لا بد لكي ينصلح الحال من الرجوع إلى تعاليم الإسلام ذلك الدين القيم، لا بد من العودة إلى الله والعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.   إن الرجوع للإسلام كشريعة تنتظم شئون الحياة كلها، وتهيمن على سلوك الأفراد وتصرفاتهم وتقيم الموازين القسط بين الناس، أمر ضروري حتمي؛ كي يعود للمسلمين مجدهم وعزهم، وليتبوءوا مكانهم اللائق بهم كأمة أراد الله أن تكون لها القيادة والأصالة والخيرية، والتي اختارها رب العزة جل وعلا لتبليغ رسالة الخير والحق إلى أهل الأرض قاطبة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية 110). (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: من الآية 143).   إن الإسلام وحده في ينابيعه الصافية من قرآن كريم وسنة نبوية صحيحة وممارسة عملية سليمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلفه الصالح؛ كفيل بتحقيق أهداف المسلمين التي يتمنونها ويحرصون على نيلها.. كما أنه الطريق الوحيد الذي لا بد منه لنهوض العالم الإسلامي من كبوته ومن سباته ومن غفوته؛ كي يحرر دياره من المستعمرين، ويحرر عقول أبنائه من الجهل والخرافة، ومن أدران الثقافة الوافدة المشككة، ويحرر مجتمعه من الظلم والفقر والفوضى، ويسمو به إلى العدل والكفاية والنظام، ويرد موجات العولمة وتسلط يهود وغطرسة الأمريكان ومحاولاتهم للسيطرة على العالم، ولن يوقفهم عند حدهم، ويكسر شوكتهم وشوكة أبناء صهيون، ويرد عدوان الجميع ويبطل كيدهم إلا الإسلام وأهله.   إن ما نراه اليوم من ذيوع الفساد وإعلانه، ومن تحكم الشهوة وسيطرة الهوى والأثرة، سببه في الحقيقة سيطرة الحياة المادية، واختفاء سلطان الدين؛ لأنه إذا صارت المادة هي الحاكمة، وصاحبة السلطان، سيطرت الفردية والأنانية واختفت الأخلاق الجماعية، وانتشرت الرشوة والمحسوبية والفساد والظلم والبغي.   وإذا سيطرت المادة وضعف سلطان الدين، كان الهوى المتبع، وكان الشح المطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وكان الناس من بعد ذلك أوزاعًا لا يجتمعون، وآحادًا لا يلتقون، وفرقًا شتى كل حزب بما لديهم فرحون، لا يفكر واحد إلا في الساعة التي هو فيها، واللذة التي يشتهيها، وليكن من بعد ذلك الطوفان والدمار والغرق، وليكن الناس من بعد ذلك هلكى، ما دام يغترف هو من اللذائذ اغترافًا، ويعب من الشهوات عبًّا، وفي الحديث "لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب"، ولذلك لما تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أمة الإسلام سيأتي عليها زمان تكون فيه نهبًا مقسومًا لغيرها من الأمم، وتتداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؛ بين السبب من ذلك بأنه "الوهن" الذي يعتري هذه الأمة ويسري بين أفرادها، ولما سُئل صلى الله عليه وسلم عن الوهن فسره بقوله "حب الدنيا وكراهية الموت"، والمراد بحب الدنيا هو حب شهواتها الدنيئة وماديتها الخبيثة، وسيطرتها على القلوب، وسيادتها على النفوس؛ فإن الناس إذا ملكتهم الدنيا التي يغيب عنها سلطان الدين، الدنيا التي تلهي عن الله، وتنسي الآخرة، وتجعل الإنسان يفقد المعنويات الروحية الكريمة والمثل الأخلاقية الفاضلة، الدنيا التي شاء الله أن تكون مسخرة للبشر، فجاء صغار الهمم وضعاف النفوس، وقصار العقول فسخروا أنفسهم لها وصاروا عبيدًا لشهواتها، هذه الدنيا إذا ملكت الناس وسيرتهم فقل عليهم السلام، واعلم أن مصيرهم إلى زوال، والقرآن دائمًا يقرر أن نتائج اتباع الشهوات هو فناء الأمم وضياعها (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)) (الإسراء)، وفي قراءة: (أمَّرنا مُترَفيها)، فلا يمكن أن يتجه الإنسان إلى سفينة النجاة إلا عندما يحيا في ظل ظليل من الروحانيات وتعاليم الدين، وإلا إذا كانت دنيا الناس يحرسها الخلق الكريم ويهيمن عليها الإيمان والضمير.   8- لا بد من العودة: إنه إذا أردنا النجاة لأنفسنا ولأمتنا الإسلامية وللعالم، فلا بد من العودة المبصرة، والعودة المبصرة معناها العودة إلى جميع ما جاء به الأنبياء والرسل والإيمان به والعمل بمقتضاه إلى سلطان الإسلام، وإلا سقطنا في الهاوية، وهزمنا معاصينا، ولن يفيد معنا سلاح مهما تكن قوته، ولا صناعة مهما بلغت عظمتها، ولا مادة مهما وصلت قيمتها ما لم نستظل بظل الإسلام، ونتمسك بعروة الله الوثقى وحبله المتين، ونسير على صراطه المستقيم، ونتخلق بخلق القرآن الكريم؛ لأن التقدم الصناعي والعلمي شيء والتقدم في المستوى الأخلاقي الإنساني شيء آخر، ولا تقوم ولا تدوم حضارة إلا بهما جميعًا.   إن مجتمع الإسلام في عهد الرسول وصحبه الكرام ومن جاء من بعدهم قرابة ألف عام، لم يكن مجتمعًا صناعيًّا، ولم تكن عندهم علوم رياضية ولا عقول إلكترونية، ومع ذلك كان مجتمعهم نموذجًا للمجتمع الإنساني المهذب المتعاون المتماسك الذي تقوده كلمة الله إلى الخير والحق والجمال.   والمجتمع الغربي في عصرنا الحاضر وصل إلى أعلى درجات التقدم الصناعي والعلمي والتقني، ومع ذلك فهو مجتمع مفكك يسوده القلق والاضطراب والشك والحيرة، لا يعرف قيمًا ولا مثلاً؛ لأنه إذا ذهبت الأخلاق الفاضلة وذهب سلطانها وضعف وازع الإيمان في قلوب أفراد الأمة فقد ذهبت كل عناصر الخير فيها، إننا ندعو إلى التقدم في الصناعة وكل أنواع العلم وفروعه؛ لأن ديننا يأمر بذلك ويحث عليه، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها؛ ولكننا لا نقبل أن نرتد إلى الحيوانية ونرتكس إلى البهيمية ونخلد إلى الأرض باسم التقدم والتطور.   إن ديننا هو قمة الكمال الإنساني، والقرآن الكريم هو دستور هذا الدين الذي أنزله الله هداية للبشر أجمعين، بعد كمال كل الرسالات وتمام النبوات، ليبني عقولهم على الحق ولينشئ عواطفهم على الخير، وليجعل أساس روابطهم التعاون على البر والتقوى لا على الشر والإثم والعدوان؛ إلا أن أغلب المسلمين قد تركوا تحكيم القرآن في شئون دنياهم ودينهم، وجعلوا هذا الكتاب العظيم على هامش حياتهم، وتركوا حفظه وأهملوا درسه وفهمه، وهم يجنون على أنفسهم ووطنهم إن إبعاد القرآن عن الحياة العامة نذير شؤم وضياع، وهو الذي أوصل المسلمين إلى أوخم العواقب وأقساها؛ إننا نريد أن يكون كتاب الله دستورًا لنا، ولغيرنا ممن شرح الله صدورهم وهداهم إلى الطريق القويم، وشريعته هي التي تحكمنا، نريد أن يكون القرآن ضياء لآفاق حياتنا نستضيء به كما نستضيء بالشمس في رابعة النهار، ويوم يرتفع صوت الإسلام سيخرص كل صوت آخر؛ لأن صوت الإسلام هو صوت الحق والحرية الراشدة، والخير والسلام والبناء والتعمير، ومبادئه هي مبادئ البشرية الفاضلة المهذبة الواعية، وطريقه هو الطريق المستقيم الذي من سار فيه لا يضل ولا يشقى، ومن حاد عنه ضل واحتار وهوى، وما أصدق قول الله عز وجل (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)) (الأنعام).   المسلمون أول من يتحمل هذه المسئولية في هذا الأمر نحو أنفسهم أولاً ونحو غيرهم من أهل الأرض، فهم الذين أخرجهم الله ليكونوا منارة وهداة للبشرية، وهداة لها، ليكونوا الشاهدين عليها بين يدي الله، ولن يكونوا كذلك حتى يؤدوا الشهادة في الدنيا لهذا الدين، بإقامة أنفسهم عليه، وتربية الأجيال المسلمة كما أمر الله، والدعوة إليه كما كلفهم الله بهذا، وتحكيمه في حياتهم، والنزول على أمره.   قال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)) (آل عمران)، وهذه رسالتنا إلى المسلمين، رسالة الإخوان المسلمين وفهمهم لهذا الدين وعملهم به وإصرارهم عليه، وتبليغه للجميع.   فأي وزر يتحمله المسلمون إذا احتاجت إليهم البشرية اليوم أو غدًا، فلم تعثر عليهم في المكان الذي يجب أن يكونوا فيه، مكان الأمة التي تحمل الهدي الرباني، والزاد الذي لا غنى عنه؟ وصدق الله العظيم إذ يقول (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10)) (الأنبياء).وحسبنا الله ونعم الوكيل.. ------------- * من علماء الأزهر الشريف.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل