المحتوى الرئيسى

ثورة الشباب العربي وطغيان القطاع العام

05/09 10:08

إبراهيم عاكوم تتمتع المنطقة العربية بموارد بشرية ومالية وطبيعية وافرة، يعتبر كثيرون أنها غير مستغلة في شكل فاعل وتُدار في شكل غير كفؤ بسبب طغيان القطاع العام على الحياة الاقتصادية وعدم اتباع أسس الإدارة الرشيدة في بعض الدول. وساهمت عوامل متنوعة في عدم إحراز تقدم يذكر في موضوع تخصيص هذه المؤسسات، أو حتى مجرد تحسين أدائها بغية تقديم خدمات أفضل للمواطنين وتخفيف العبء المالي عن موازنات الدول التي تُستنزف قدراتها المالية من قبل هذه المؤسسات. وساهم هذا الوضع في تنامي الدَّين العام، وإعاقة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتقليل فرص العمل لملايين الشباب وخريجي الجامعات، الذين يثورون اليوم في عدد من الدول العربية. ويُعزى عدم إحراز تقدم كافٍ في ما يتعلق برفع مستوى أداء المؤسسات العامة إلى عوامل أبرزها تحكم السياسيين وبيروقراطيي القطاع العام بها واستخدامها كوسائل لتأمين منافع لأتباعهم، وبالتالي تعزيز نفوذ السياسيين وتكريسه، في ظل تفشي الفكر القبلي والعشائري والمذهبي. ويمثل لبنان مثلاً صارخاً على التأثير السلبي لسوء إدارة المؤسسات العامة على الاقتصاد الوطني ككل، إذ يلعب النظام الطائفي الذي تُتقاسم بموجبه المغانم وتُوزع من قبل الزعماء على مؤيديهم، دوراً رئيساً في سوء إدارة الغالبية الساحقة هذه المؤسسات، الأمر الذي أدى إلى ضرر اقتصادي ومالي كبير. وبالنسبة إلى دول المنطقة عموماً، وعلى رغم تسجيل بعض التقدم في مجال تطوير الأداء المؤسسي للقطاع العام، لم ترقَ النتائج إلى حد رفع مستوى نوعية خدمات هذا القطاع إلى المواطنين في الشكل المطلوب، في ظل ترهل السواد الأعظم من هذه المؤسسات واستشراء الفساد فيها وإعاقتها لتطوير القطاع الخاص وتنميته نتيجة للمعاملة التفضيلية التي تتلقاها هذه المؤسسات من الدولة، من خلال الدعم المباشر وغير المباشر، الأمر الذي ساهم في عدم نشوء قطاع خاص نشط وبالتالي إلى كبح معدلات النمو الاقتصادي وإيجاد فرص عمل. وفي ظل مراوحة هذه الاقتصادات مكانها في مجال إيجاد فرص العمل المجدية، وعدم بذل جهود حقيقية لتطوير عمل هذه المؤسسات ورفع مستواها، ستبقى الأمور على حالها وستساهم في إضعاف الاستقرار السياسي وقيام تحركات شعبية كما نرى في المنطقة التي تبلغ نسبة البطالة فيها لفئة الشباب ما بين 15 و24 سنة من العمر، 23 في المئة، أي الأعلى في العالم. ووفق التقديرات تحتاج المنطقة إلى استيعاب نحو أربعة ملايين باحث جديد عن العمل سنوياً، هذا عدا عمن هم في عداد العاطلين من العمل حالياً، إذ تشير التوقعات إلى أن عدد العاطلين من العمل سيبلغ في ظل التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية، نحو 22 مليون شخص. ناهيك عن أن ثمة 140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر. ومما يعكس هذا الأداء المتواضع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، المراكز المتأخرة التي تحتلها غالبية الدول العربية في التصنيفات المتعلقة بحرية الأعمال والتي تعدّها مؤسسات دولية في شكل سنوي استناداً إلى معايير مثل حرية الأعمال والتجارة، والسياسات المالية والنقدية، وحجم القطاع الحكومي، ونسبة الفساد، ومدى حفظ حقوق الملكية الفكرية، واتباع أساليب الإدارة الرشيدة. تتمتع المنطقة باختصار بمقومات تمكنها من تسجيل معدلات نمو اقتصادي تساهم في إيجاد فرص عمل للشباب، بيد أنها في حاجة إلى بذل جهود أكبر في ما يتعلق بتطوير القطاع الخاص وتمكينه من تأمين هذه الفرص، ما يتطلب وضع أطر قانونية ورقابية وتنظيمية لدعم القطاع الخاص واستخدام سياسات اقتصادية كلية ملائمة. ولا يشكل الإصلاح تحت ضغط الحاجة وفي وسط الأزمات، حلاً ولا مدخلاً سليماً للتعامل مع الصعوبات التي تعانيها الاقتصادات العربية. إن ما يحصل اليوم في المنطقة هو نقطة تحول تاريخية بكل ما للكلمة من معنى، وفرصة قد لا تتكرر لتطوير أساليب العمل الاقتصادي وبناء اقتصادات قادرة على تحقيق تنمية مستدامة تأخذ في الحسبان مصالح الأجيال الصاعدة، وتطوير أساليب العمل الإداري من خلال التخلص من الممارسات البائدة المبنية على العلاقات الشخصية، والتحول من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي المبني على المشاركة، وحفز الجميع على الإبداع وإبداء الرأي. والأهم من هذا كله هو التشديد على المساءلة والمحاسبة في خصوص موظفي الإدارات العامة من أعلى المستويات إلى أدناها وضمان وجود الموظف المناسب في المكان المناسب، بدلاً من حشو الإدارات والمؤسسات بموظفين غير أكفاء يُعيَّنون بناء على قرارات سياسية. أثبتت الانتفاضات الشعبية التي يقودها الشباب أن الوضع القائم هش وغير قابل للاستدامة وأن الطريقة المثلى لضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لدول المنطقة ومواطنيها يكمن في إعطاء الشباب الأمل في مستقبل أفضل وإشراكهم في شكل فعلي في صنع مستقبلهم. خرج المارد العربي من القمقم ولا تبدو إعادته إليه ممكنة. * نقلا عن "الحياة" اللندنية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل