المحتوى الرئيسى

الردّ الديمقراطي على جريمة التفجير في مراكش

05/09 01:33

عبد الإله بلقزيز أيّاً تكن الجهات التي تقف وراء عملية التفجير الإجرامي لمقهى يرتاده السياح الأجانب والمواطنون في ساحة “جامع الغناء” التاريخية في مراكش، فإن الذي لا يخامر المرء الشك فيه أن هذا العمل الشنيع يتغيا تحقيق جملة أهداف متداخلة وفي غاية العدائية والسوء للمغرب وشعبه في لحظة من صحوة اجتماعية وسياسية يشهدها . في الوسع قراءة خريطة تلك الأهداف في تنوع وجوهها المحلية والإقليمية والعالمية . لكنا نكتفي منها بالمحلي المباشر ملاحظين ثلاثة منها: أوّل تلك الأهداف أمني- اجتماعي، ويتلخص في محاولة هز استقرار أمني تمتع به المغرب وعرف به طويلاً قبل انطلاق محاولات النيل منه في التسعينات (تفجير بفندق “أطلس اسني” بمراكش) وفي العقد المنصرم (العملية الإرهابية في فندق فرح في الدار البيضاء بتاريخ 16 مايو 2003)، والاستقرار هذا بدا استثنائياً في سياقه المغاربي والعربي، منذ ثلاثين عاماً، في ضوء موجات العنف السياسي التي توالت على بلدان عدة وأعقبتها موجات العنف الإرهابي التي لم تكد تتوقف حتى اليوم . ولما كان الاستقرار هذا وفر للمجتمع والمواطنين أمناً اجتماعياً لا غنى عنه من أجل حفظ التماسك المدني، ورسخ استقراراً سياسياً انتظمت به الحياة السياسية وعمل المؤسسات والمواعيد الديمقراطية، وتمتع المغرب من خلاله بقدر من الثقة الدولية والعربية باقتصاده، وكان على من يعالنوه الخصومة أو العداء- دولاً كانت أم جماعات- أن يكيدوا له من هذا المدخل بالذات مساً به، وإضراراً . وثاني الأهداف اقتصادي، وليس يعسر على أحد أن يخطئ إدراكه، فإلى أن اقتصاد المغرب يعتمد في جملة ما يعتمد عليه على السياحة، وموسم موجتها الأكبر على الأبواب، فإن سيولة تدفق الاستثمارات الأجنبية والعربية في اقتصاده- وقد انتعشت مؤشراتها وأرقامها في السنوات العشر المنصرمة- إنما يلحقها كبير ضرر من أية هزة أمنية تكون البلاد عرضة لها . إن بصمات هذه الحرب الاقتصادية المعلنة على المغرب تبدو واضحة في نوع الأهداف المنتقاة لضربها: فندق ومقهى في ساحة تاريخية في المركز السياحي الأول للمغرب (مراكش)، والثاني في الوطن العربي (بعد القاهرة)، ثم فندق في مدينة هي المركز الاقتصادي والمالي للمغرب، مدينة الدار البيضاء، الضحايا في هذه الجرائم الإرهابية بعد الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض التفجيرات الجبانة، كثر: مواطنو المغرب كافة، وأمنهم، وقوت يومهم المعتدى عليه، وصورة بلدهم في العالم كمقصد سياحي مميز . وثالث الأهداف سياسي . هل صدفة يقع في مراكش ما يقع في هذه اللحظة بالذات التي ينخرط فيها المغرب في ورشة بناء سياسي غير مسبوقة في تاريخه المعاصر، بل منذ استقلاله السياسي؟ إن الأفق المستقبلي الرحب الذي فتحته أمام المغرب وقائع الموجة الثورية التي يعيشها الوطن العربي، منذ مطلع هذا العام، وحركة 20 فبراير بزخمها الشبابي الديمقراطي، والخطاب الملكي لليوم التاسع من مارس ،2011 وما حمله من وعود بالإصلاحات السياسية والدستورية، وما رسمه من “خريطة طريق” لذلك، وضعت جميعها المغرب على موعد مع موسم جديد من التحولات والبناء في نظامه السياسي، وفرضت النظر إليه بما هو البلد العربي الوحيد- حتى الآن- الذي يخوض في تجربة البناء السياسي الإصلاحي الديمقراطي من دون كلفة إنسانية عالية من دماء أبنائه، ومن دون صدام بين السلطة والمجتمع، وحين يراق دم الأبرياء في مراكش بالوحشية التي أريق بها، وفي الظرفية السياسية التي ألمحنا إليها، لا يعود ثمة من معنى لما حصل سوى أن الذين نفذوا جريمتهم إنما كانوا يبغون- في جملة ما يبغون- إجهاض مسلسل الإصلاحات في المغرب وإحداث جدول أعمال سياسي- أمني جديد يزاحم، وربما يعرقل جدول أعمال الإصلاح . أهداف الجريمة بينة بحيث ليست تحتاج إلى ذكاء كبير لتبينها . وهي تنجح فقط حين يخطئ المغاربة الرد عليها، وأكبر خطأ قد يرتكب تحت وطأة الجريمة ونتائجها، تمكين مهندسي الجريمة من تحقيق مآربهم وأولها التراجع- ولو خطوة إلى وراء- عما شرع فيه المغرب من إصلاحات . إن الأمن ضروري لحماية المغرب والمغاربة من الإرهاب ولا ينبغي التهاون فيه أو التقصير غير أنه لا يكفي لإسقاط أهداف العدوان المتكرر على البلاد إن لم يستند إلى مشروع سياسي وطني يحظى بإجماع المغاربة وينخرط هؤلاء، من خلاله، في معركة الدفاع عن الوطن ومكتسباته واستقراره وأمنه الاجتماعي . والمشروع هذا هو مشروع الإصلاحات السياسية والدستورية التي تزود المغرب بنظام ديمقراطي قوي ومستقر وحده يوفر للبلاد وحدتها ومنعتها وقدرتها على جبه المؤامرات . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل