المحتوى الرئيسى

مروان البرغوثي إنسان قبل أيّ صفة أخرى بقلم:جميل السلحوت

05/09 00:59

جميل السلحوت: مروان البرغوثي إنسان قبل أيّ صفة أخرى من يطلع على كتاب(ألف يوم في زنزانة العزل الإنفرادي)للمناضل مروان البرغوثي سيجد نفسه أمام إنسان مختلف ومتميز، ليس لأنه أسير يكتب من خلف القضبان، فالأسر وعذاباته طال أكثر من ثمانمائة ألف فلسطيني من الأراضي الفلسطينية التي وقعت في الأسر هي الأخرى في حرب حزيران 1967العدوانية، بل لأنه كتب عن تجربته الطويلة في الأسر-والتي لم تنته بعد- بطريقة مختلفة عن سابقيه، مع التأكيد على أن"أدب السجون" والكتابة عن التجربة الإعتقالية ليست جديدة على الساحة الفلسطينية والعربية وحتى العالمية، وممن كتبوا بهذا الخصوص: الدكتور أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن الماضي(يوميات سجين)كما صدرت مجموعة قصص(ساعات ما قبل الفجر) للأديب محمد خليل عليان في بداية ثمانينات القرن الماضي، و(الزنزانة رقم 706) لجبريل الرجوب، وروايتا(ستائر العتمة ومدفن الأحياء)وحكاية(العمّ عز الدين) لوليد الهودلي،و"رسائل لم تصل بعد" ومجموعة"سجينة"للراحل عزت الغزاوي و(تحت السماء الثامنه)لنمر شعبان ومحمود الصفدي، وفي السنوات القليلة الماضية صدر كتابان لراسم عبيدات عن ذكرياته في الأسر، وفي العام 2005صدر للنائب حسام خضر كتاب"الاعتقال والمعتقلون بين الإعتراف والصمود" وقبل عام صدرت رواية"المسكوبية" لأسامة العيسة، وقبل أسابيع صدر"الأبواب المنسية" للمتوكل طه، وأعمال أخرى لفلسطينيين ذاقوا مرارة السجن، كما أن أدب السجون والكتابة عنها وعن عذاباتها معروفة منذ القدم عربيا وعالميا أيضاً ومنها ما أورده الأستاذ محمد الحسناوي في دراسته المنشورة في مجلة"أخبار الثقافة الجزائرية" والمعنونة بـ"أدب السجون في رواية"ما لاترونه"للشاعر والروائي السوري سليم عبد القادر وهي (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب ) و ( السجون وأثرها في شعر العرب.. –لأحمد ممتاز البزرة ) و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد ) وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ، أما ما يهتم بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها : ( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح ) و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش ) وأحدث دراسة في ذلك كتاب(القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر) أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعراَ أو نثراً فهي ليست قليلة ، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث : نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني ) وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم . أما في الأدب الحديث فنذكر : ( حصاد السجن - لأحمد الصافي النجفي ) و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى ) و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي) وديوان (تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري) وكتاب (عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي) ورواية (خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي) وقد يكون آخر إصدار هو رواية (ما لا ترونه – لسليم عبد القادر). وهذا العام 2011صدر عن دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله، والدار العربية للعلوم ناشرون كتاب مروان البرغوثي(ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي)والذي يقع في 255صفحة، وقدم له الشاعر والاعلامي اللبناني المعروف زاهي وهبي. والقارئ لكتاب مروان البرغوثي سيجد نفسه أمام مبدع كتب شيئا عن تجربته- ولم يكتب كل شيء- وما جرى له ومعه في فترة اعتقاله الحالية التي ابتدأت في 15نيسان 2002ولا تزال متواصلة، ونأمل أن تنتهي هذه الحقبة المريرة بأسرع ما يمكن لينعم بالحرية هو وآلاف الأسرى الآخرون، ومنهم من دخلوا عامهم الرابع والثلاثين خلف القضبان، وسيلاحظ القارئ أن مروان البرغوثي كتب سردا لتجربته فيه قص ورويّ ومذكرات وسيرة بلغة وأسلوب أدبيين، وابتعد عن الشعارات البراقة ولغة التهييج، ومع تعدد الأساليب في كتابته إلا أن المرء سيجد نفسه أمام قائد لا تلين له قناة ويعرف ما يريد تماما، قائد ضحى ومستعد للاستمرار في التضحية، قائد مؤمن بحتمية النصر المؤكد، رغم ظلام الليل الطويل، وسيجد نفسه أمام مُربٍّ يُعلم ويُربّي ويُوجه وينصح، لكنه قبل هذا وذاك سيجد نفسه أمام إنسان أولا وأخيرا، إنسان بكل ما تعنيه الإنسانية من واجبات وحقوق، وسأحاول هنا الكتابة عن مروان الإنسان من خلال ما جاء في كتابه. مروان الإنسان: تتجلى روعة مروان البرغوثي بإنسانيته التي يعيشها ولو مع ذاته، بالرغم من أنه يعيش في زنزانته وعزله في الأسر ظروفا لا إنسانية، في محاولة من آسريه لقتل مروان الانسان، لكن مروان الذي يعي المرحلة التي يعيشها وطنه وشعبه يحيا إنسانيته كما يريدها، وهو بهذا ينتصر على أعداء الإنسانية، وقد تجلت الإنسانية بأسمى معانيها في مروان الإنسان في مواقف ومشاعر كثيرة منها. - الإبن البار بوالديه: - يستذكر مروان والديه الفقيرين بكثير من الفخر والإعتزاز، وبكثير من الحنين وطلب الرضا، يتذكر بامتنان كبير كيف كدحت هذه الأم الصابرة في سبيل تحصيل قوت أبنائها، ويشعر بشوق والدته له، وعذاباتها من أجله، ويشعر بالخشوع أمام دموعها الغالية، ويحنّ الى تقبيل يديها كنوع من البرّ بالوالدين وردّ للجميل لأمّ مكافحة، ويتمنى لو أن الله أطال عمر والده الذي توفي ومروان لا يزال طفلا، ليرى أبناءه وقد صاروا شبابا، ولم يُرد لوالده أن يموت وخلفه أطفال يؤرقه مصيرهم. - الزوج المحب الوفيّ: - تطرق مروان البرغوثي وبفخر مرات كثيرة إلى زوجته السيدة المحامية"فدوى" واصفا إياها بالحبيبة الصابرة والمناضلة والوفية، فقد انتظرته عندما سجن للمرة الأولى، ورفضت كل من تقدموا لها، وصبرت واحتسبت، عندها أنجبت بكرها"قسّام" في أكتوبر 1985وزوجها مروان في السجن، وأسمت المولود بالإسم الذي اختاره له والده السجين، وعملت وكدحت في سبيل تربية أبنائها أثناء اعتقال زوجها، والتحقت بالجامعة ودرست الحقوق لتكون محامية تستطيع الدفاع عن حقوقها وحقوق أبناء شعبها، ورعت أبناءها في المدارس وحتى الجامعات، وجابت أكثر من أربعين دولة لتشرح قضية الأسرى الفلسطينيين العادلة، ومن ضمنهم زوجها، مطالبة بالإفراج عنهم، وشاركت في تأسيس منظمة تحمل إسم زوجها لتبقى قضيته حيّة بشكل دائم، وهي أيضا مناضلة في صفوف حركة فتح. - الأب الحنون: ذكر مروان البرغوثي أبناءه عشرات المرات بحب أبوي جارف، فقد عبر عن سعادته البالغة عندما أخبرته زوجته بأنها حامل للمرة الأولى، وأشار الى مخاوفه من عدم قدرته على الإنجاب بعدما تعرض لضرب مبرح على أعضائه التناسلية في اعتقاله الأول، وما أخبره به المحقق حينها من أنه لن يستطيع الإنجاب، ولحبه للأبناء ولمخاوفه مما تخبئه الأيام القادمة فقد اتفق مع زوجته على الإنتهاء من الإنجاب في خمس سنوات، فكان له من الأبناء أربعة منهم بنت، ومروان الذي يحب زوجته وأبناءه بشكل جارف، كان يتذكرهم في أصعب اللحظات التي مرّ ويمرّ بها، يتذكرهم ليستمد من حبه هذا صمودا، ومروان الذي فرح بحمل زوجته في الإبن البكر، يرسم صورة جميلة لإبنه القسام، الذي رأى الحياة الدنيا ومروان في زنزانة الأسر، لكنه عندما رآه بعد أكثر من شهرين من خلف القضبان -دون أن يستطيع احتضانه أو تقبيله- رأى فيه الروعة التي لم يستطع تصورها في خياله، وتعود الذاكرة بمروان الى الأيام التي كان فيها حرا يداعب أطفاله، ويرى بعده عنهم تقصيرا من جانبه بحقهم، لكن هذا التقصير مُبَرر ولا خيار له فيه، فواجب الوطن والشعب يستدعيان ذلك، والتضحية واجبة، لكن المفارقة المؤلمة تتمثل في إبلاغ مروان باعتقال ابنه قسام وهو في نفس الزنزانة التي علم فيها بولادته، فالأب يعيش عذابات العزل الإنفرادي، وها هو الإبن يقع في الأسر هو الآخر، ومع ذلك فإن مروان الإنسان غير منغلق في إنسانيته وعذابته، فهو هنا يتذكر فلسطينيين آخرين يعيشون في الأسر هم وأبناؤهم وأشقاؤهم ، أو منهم من صعد الى قمة المجد شهيدا في حين بقية أفراد أسرته خلف القضبان، وكأني بمروان يردد مقولتنا الشعبية"اللي بيشوف مصيبة غيره بتهون مصيبته" فهذا قدر الفلسطيني، وما عليه إلا أن يقبل ذلك، وأن يعمل على تحقيق حريته وتحرير وطنه وشعبه وبناء دولته المستقلة كبقية الشعوب. - مروان المواطن العادي: لا يعتبر مروان البرغوثي نفسه إنسانا استثنائيا، مع أنه كذلك، فقد عاد الى طفولته وبداية شبابه أكثر من مرة، وتحدث عن مروان الذي ولد من أبوين فقيرين، لا يستطيعان تلبية احتياجات أبنائهما، وتحدث كيف كان يمشي الى المدرسة في المرحلتين الإعدادية والثانوية ما بين 8-10 كيلومترات على الأقدام يوميا، ومروان الذي هزم بصموده محققيه وسجانيه إنسان عادي، يأكل ما تيسر له من طعام في كل الظروف والأحوال، وهو يصوم رمضان منذ السادسة من عمره، ويصلي ويقرأ القرآن، ويتألم مثل بقية البشر من أمراض ألمت به، لكن ألمه الجسدي لم يؤثر على نفسيته وعلى صموده، فلم تلن له قناة، ولا يرى مروان نفسه مميزا عن قية الأسرى، فهو يشاركهم إضرابهم عن الطعام، حتى وهو في العزل الإنفرادي، مع أنه من المتعارف عليه بين الأسرى إعفاء العزل الإنفرادي من الإضرابات عن الطعام. - مروان المثقف: وحرصا من مروان على تنمية ثقافته ومعرفته ومتابعة الأحداث والمستجدات، فانه ورغم المعاناة حريص جدا على مطالعة ما تيسر له من مطبوعات داخل السجن، كما أنه مشترك في الصحافة العبرية ويقرأها بالعبرية التي يجيدها، كما أنه يحرص على قراءة القرآن الكريم، وقد حفظ أجزاء منه، وهو بهذا يشغل وقته باستمرار. وماذا بعد: كتاب مروان البرغوثي هذا صرخة مدوية من أجل تكثيف الجهود والعمل على تحرير الأسرى، وكنس الاحتلال وكافة مخلفاته وتمكين شعبنا من حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف. لكن الكتابة عن هذا الكتاب لا تغني مطلقا عن قراءته، فهو يشكل اضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية. 8 أيار 2011-05-08 مدونة جميل السلحوت: http://www.jamilsalhut.com "ورقة مقدمة لندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس"

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل