المحتوى الرئيسى

الصلاة الحقيقيّة بقلم:موسى حجيرات

05/09 00:37

الصلاة الحقيقيّة موسى حجيرات إنّ الناظر إلى المسلمين وإلى حالهم وأوضاعهم، وإلى كثرة عددهم وقلّة تأثيرهم ليجد عجبا، ويستغرب منهم، ومن سلوكيّاتهم وتصرفاتهم. ولكن العارف بأمورهم والدارس الحقيقي لأوضاعهم ليجد الأمر عاديّا، بل يزداد إيمانا لأنّ هذا إعجاز ربّاني بُشر به منذ فجر الدعوة، وهذا هو غثاء السيل. ولا يخفى على الناظر إليهم التزامهم الظاهر بأمور دينهم، ومحافظتهم على شعائر العبادات، وخاصّة الصلاة، ولكنّه يراهم لا يتورّعون عن فعل الفواحش والمنكرات، جهارا نهارا، ويأتون المعاصي من كلّ مداخلها علنا، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر. يراهم، ومع كثرتهم، يستقل كلّ برأيه وبسلوكه، ولا يأبه للجماعة ولسلوكها ولما أمر به أبدا، وكأنّ بينهم حواجز سحريّة تبعدهم عن بعضهم. وما يزيد الناظر عجبا أنّه ما من خطيب من خطبائهم أو إمام من أئمتهم إلا ويصيح في كلّ جمعة: "إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (العنكبوت: 45). وحين يراهم يأتون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، يتساءل مستغربا، لقد صلوا صلاتهم، وأدّوا فروضهم، ولزموا جماعتهم، وأمّوا مساجدهم، وما لهم لا ينتهون، ولا يرتدعون عن المعاصي. بل إنّهم قد ألفوها فأتوها، بحال الطبيعة، ولم يتناهوا فيما بينهم، بل أقرّ بعضهم بعضا على فعلها. وكذلك يسأل: "ما دامت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لم لم تنههم ولم ينتهوا؟ إنّهم يصلون ويزنون، يصلون ويسرقون، يصلون ويكذبون، يصلون ويسكرون ويتعاطون المخدرات، يصلون ويتعاملون بالربا، يصلون ولا يرعون بيوتهم حق رعايتها التي أمروا بها، أين صلاتهم وأين نهيها؟ أمّا العارف فيهم فيعرف ويدرك أنّ العيب فيهم، وليس العيب في الصلاة، فحاشا ألا تنهى عن فحشاء أو منكر، وهذا وعد الله وكلام الله منذ أمد طويل. ولكن هناك صلاة حقيقيّة أمر بها الله عزّ وجلّ ووضع شروطها وصفاتها وكيفيّتها، ظاهرا وباطنا، وحدّد ثمراتها وعوائدها، فإنّ أدّاها العبد كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإلا فلا فائدة منها ولا جدوى، وتبقى صوريّة شكليّة، بل لا أجر عليها، وتلفّ كما يلفّ الثوب الخرق، ويضرب بها وجه صاحبها. فالصلاة الحقيقيّة الصحيحة هي صلاة ذات تأثير في سلوك العبد، ويتبيّن ذلك في أعماله وسلوكيّاته. وهي صلاة نافعة لصاحبها مفيدة له لأنّها تؤدّى بخشوع وسكينة، واستحضار لعظمة الله تعالى، وبحضور القلب والفكر. ففيها ينتقل المصلي من أيّ ارتباط له بالبيئة والمحيط المادي إلى الحضرة الإلهيّة، فيقف بين يدي الله شاعرا بذلك وموقن حق اليقين. فالحركات، إذن، تعبير عن هيبة الصلاة، ولا غرابة حين يروى عن بعض السلف أنّ أحدهم كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، لأنّه سيقف بين يدي الله تعالى، ويذكر أنّ الله مطلع عليه وعلى أعماله. فإن وصل إلى هناك، وآمن أنّه هناك فقد وصل إلى الله، فيرتدع عن معصيته ويستصغر كلّ ما تزيّن له النفس، ويحتقر كل ما يوسوس له به الشيطان. وهكذا فنفسه تكتسب ما يجعلها تنتهي عن الفحشاء والمنكر. وقلبه الحاضر في الصلاة والمتصل مع الله يجد ما يبعده عن اللذات الوهميّة والوساوس الشيطانيّة. وهكذا فإن وجد المصلي ذلك في صلاته أحبّها، وجعل ينتظرها فإن فرغ من فرض انتظر ما بعده، طالبا الراحة النفسيّة والاطمئنان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة" (أحمد: 11845؛ النسائي: 3878)، فالمصلي يأتيها طائعا معترفا بحق الله في أن يعبد، ومخلصا في عبادته، خاشعا، متذللا لله تعالى، راغبا فيما عنده، عالما بمراقبة الله له وبمعرفته بسريرته، و"اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" (العنكبوت: 45). إنّ هذه الصلاة هي الصلاة الحقيقيّة التي أمر العبد بتأديتها، وبشكل وصورة وروح. فإن أدّاها العبد كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر. فيقول ابن تيمية رحمه الله: "الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تنهه: دلّ على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعا"، وإضاعة الصلاة تعني التفريط في واجباتها، وإن كان المرء يصليها". أمّا الصلاة الصورية، صلاة الجوارح فهي عبارة عن حركات جسديّة فقط لا يحضر فيها القلب ولا الفكر. الصلاة التي يدخل المصلي فيها لكنّ قلبه مشغول بغيرها، فيخرج منها ولم تؤثر فيه أبدا. وهي صلاة ناقصة، كما قيل عنها، فيفوت من آثارها بقدر ما نقص منها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل