المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد: أبشروا .. أمن الدولة في ثوب جديد !

05/08 23:42

علمتنا التجارب الانسانية أن الرهان علي حسن النوايا دون ضمانات صارمة هو أفشل وأخسر رهان, ويقال – بحق – ان الطريق الي جهنم مفروش بالنوايا الطيبة , والأمثلة لاتحصي حتي في الحياة اليومية كأن يموت الأب ويخلف تركة وفي لحظات البكاء والحزن النبيل تصفو الأرواح – صفاء مؤقتا بالطبع – وعندها يتباري الاخوة ( الورثة ) في تأكيد أنهم يعيشون (للأبد ) يدا واحدا لايفرقهم عرض الدنيا وبدلا من توثيق عقود وضمانات حقيقية للحقوق فان الرهان يرتكن علي افتراض حسن النوايا , والنتيجة أن تبقي التركة تحت يد بعض الاخوة , وتمر الأيام ويتمدد حلم واضع اليد , وينتهي الأمر الي عبارات علي شاكلة ان ” الأرض أرضنا ومن يضع قدمه بها نقطع رأسه”! ثم تشتد العداوة لتصل في بعض الحالات الي قتل الأخ لأخيه , وسبحان الله تبدأ كثير من القصص بحلم وردي وتنتهي الي كابوس بشع والسبب غياب الضمان والركون الي وهم حسن النوايا ! وقف السادات يوما وأعلن في مشهد مسرحي ممتع “حرق أوراق التجسس ” وأن التجسس علي حريات الناس ولي ( الي الأبد ) ولا أعرف سبب غرام البعض بوعود ( الي الأبد ) تلك , رغم أنه لاشيء مضمون في هذا العالم . كانت التسجيلات التي حرقها السادات تتناول الحياة الشخصية لأناس كثيرين , وقد سمعت – في جلسة ودية – من المرحوم الأستاذ حافظ بدوي رئيس المحكمة التي شكلها السادات لمحاكمة من أسماهم مراكز القوي , سمعت منه مايشيب له رأس الوليد عن تسجيلات فضائحية وقال ان عضوالمحكمة الأستاذ حسن التهامي كان صارما جادا , الا أنه فقد صرامته تلك لما استمعت المحكمة لبعض التسجيلات وراح في نوبات هستيرية من الضحك لغرابة ماتناولت من أدق دقائق حياة بعض الناس حتي في غرف نومهم ! وتغير اسم الجهاز مرات كما لو كانت المصيبة في الاسم , فمن القسم المخصوص الي البوليس السياسي الي المباحث العامة الي أمن الدولة ,والآن – بحمد الله وتوفيقه – يجري اختراع الجيل الخامس من جهاز القمع الرهيب تحت مسمي ” الأمن الوطني ” , تغير الاسم وبقي المعني , بل يقال والعهدة علي الف راوي أن الضباط أنفسهم عادوا بسلامة الله الي مكاتبهم السابقة في نفس الأماكن السابقة ولسان حالهم يقول للناس الذين ساموهم الخسف وأذلوهم من قبل ” أتنهبون؟؟؟ الا يكفيكم أن اسم الجهاز نفسه تغير ؟؟!! والحقيقة أن الجبل تمخض فولد فأرا هزيلا فالحال لايعدوأن تقول ان أحمد صار الحاج أحمد . ولاشك أن من قبيل الضحك علي الذقون أن يقال ان ” الاختصاصات ” تغيرت, ولولا أن المقام لايحتمل لكان للمرء أن يضحك ماشاء له الضحك , باختصار لأن مسألة الاختصاصات هذه تزيد ولو بغير لائحة مكتوبة , وليس من المعقول أن الجهاز في كل عهوده السوداء كانت له لائحة تحدد التعذيب كجزء من ” الاختصاصات ” وحتي مسألة اذلال المرشحين لأي عمل واخضاعهم لتحريات الجهاز كانت أيضا دون بند ينص علي الاختصاصات وانما دخلت بطلب من الجهات ” العليا ” ! ولدينا جهات عليا لانحصيها عدا ولاحصرا . والآن مطلوب منا أن نسمع ونؤمن ونصدق بينما لاجديد في وعود ” الي الأبد” الا أن مطلقها كان فلانا فصار علانا أو ترتانا !! كان التعذيب واهدار الحريات قائما في القسم المخصوص , فلما ضج الناس تغير الاسم الي البوليس السياسي وزاد الانتهاكات وضج الخلق فتمت ترضيتهم وصار الاسم الجديد أكثر بهجة وهو المباحث العامة , وظل الحال هو الحال فتغير الي أمن الدولة , ويبدو أن المسألة – من وجهة نظر أولي الأمر – نفسية صرفة لاتعالج الأمر من جذوره وانما تعالج حالة المعذبين أو المنتهكة حرياتهم وأعراضهم معالجة نفسية تخفف عنهم بتغيير الاسم تماما كما يروع طفل صغير ويفزع في نومه من ارهابه ” بالبعبع ” فنرق له و نقنعه أن البعبع مات , وفي الليلة التالية نعود الي ترويعه من خلال ” العفريت ” , وربما كان السبب – والله تعالي أعلم – أن النفور من مسمي يستتبع تغييره من باب الذوق لا أكثر , مثلما ينفر الناس سريعا من أفعال في الحياة اليومية تخدش الحياء فيظلون يغيرون في المسمي وان بقي الجوهر واحدا الي قيام الساعة , وكل الاحتمالات قائمة الا احتمال أن العزم الأكيد قائم علي بتر الجهاز القمعي الرهيب من جذوره بترا لايبقي له غير ذكرياته السوداء ! ولأننا شبعنا , أو علي حد تعبير أخينا التونسي ” هرمنا ” لأجل هذه اللحظة التاريخية , وماهرمنا فقط بل مللنا وسئمنا وكرهنا ونفرنا , ولم يعد بوسع أحد أن يعود الينا ليزف بشارة الوهم بمنتهي البراءة وحسن النية , بأن أمن الدولة اختفي الي الأبد لأنه باختصار شديد أصبح يسمي الأمن الوطني , ولا أدري لماذا لم يختاروا القومي ويرحمونا ولو مؤقتا من كلمة الوطني سيئة الصيت , خاصة أن جراحنا نازفة لاتزال من حكم المرحوم غير المأسوف عليه الحزب ” الوطني ” وقد انتهت به الوطنية الي تهريب مالنا في أربعة أرجاء المعمورة حتي عز علي اللصوص أن يستثمروا المسروقات في مصر وآثروا بها بقاع الدنيا الا أرض الوطن المسروق ليثبتوا أنهم فضلا عن كونهم لصوصا فهم خونة بالمعني “الوطني” لا الانساني فقط ! نحن ياسادة لانريد ابدال قمع بقمع واذلال باذلال ومهانات بمهانات وتجسس بتجسس وتنصت بتنصت , ولانريد الرهان علي انصراف الناس مطمئنين ثم يستيقظون علي أن الكابوس الرهيب جاثم علي الصدور وأن الضابط ” الطاووس ” يعود اليهم في ثوبه الجديد ممسكا بأرواحهم كما كان . نعم نريد لهذا العهد الأسود أن تطوي صفحته الي الأبد بالفعل وليس علي سبيل الجمل المسرحية , والحل ميسور بفرض توافر النية والعزم , فلسنا نخترع العجلة كما يقال , ولا نحن أول دولة تتخلص من كابوسها و تجارب الدول التي تخلصت من مثل هذا الكابوس ماثلة , ومن الميسور مثلا أن يخضع الوليد – قبل أن تخرج أنيابه ويتوحش ويدمن دماءنا – لتبعية قضائية مباشرة أو في الحد الأدني رقابة قضائية تحاط بضمانات صارمة حتي لانصحو ذات يوم لنكتشف أن الجيل الخامس من جهاز القمع الرهيب أكثر فتكا وله قوة قتل وارهاب خماسية , وأن التعذيب هو التعذيب والتنصت هو التنصت واهدار الحريات والتدخل في التعيينات يجري علي قدم وساق تحت راية كانت أمن الدولة فصارت الأمن الوطني!!مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل