المحتوى الرئيسى

هل تموت المبادئ بموت رموزها؟ بقلم:ياسين السعدي

05/08 21:58

هدير الضمير هل تموت المبادئ بموت رموزها؟ ياسين السعدي وأخيراً تم اصطياد أسامة بن لادن في الثاني من الشهر الجاري بعد مطاردة طويلة. هذا الرجل البسيط في مظهره والذي لا يميزه عن الرجال علامة فارقة، ولا يتصف بصفة متفوقة. فكثيراً ما كنا نشاهده عبر الشاشة التلفزيونية يمشي وهو يتوكأ على عكازه يتنقل بين الصخور وقد صار مطارداً، تتعقبه أجهزة الأمن لكثير من الدول وأقواها وأكثرها تقدما علميا في (مكافحة الإرهاب)؛ تبحث عنه لكي تقضي على ظاهرة الإرهاب التي تنسب إليه. لا نريد الخوض في كيف تم قتله، وهل تم تكفينه حسب الطقوس الإسلامية؟ وهل ألقيت جثته في البحر، كما ذكرت البيانات الرسمية الأمريكية؟ ولا نريد الحديث عن مشاركة الحكومة الباكستانية في تعقبه، أو المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في تصفية ابن لادن. كل هذه التساؤلات لا تهمنا كثيراً؛ لأن النتيجة وما يترتب عليها هو الأهم، وهو ما يعنينا ويعني المجتمع الدولي الذي أشغله ابن لادن طيلة هذه السنوات؛ وكيف استطاع أن يبني تنظيماً يحسب حسابه في كل مكان، و(يرهب) من يمارسون الإرهاب ضد العرب والمسلمين، حسب معتقدات ابن لادن وتنظيمه الذي بناه على أساس هذه (القاعدة). لا إرهاب بلا أسباب كنت قد كتبت تحت هذا العنوان مقالاً نشرته في جريدة القدس الغراء بتاريخ 24/3/1996م، وقبل تفجيرات برجي التجارة العالمية في نيويورك بخمسة أعوام، وأريد أن أعود إلى بعض فقرات منه، أراها ضرورية لتوضيح ما نقصد إليه، وما نريده من مقالتنا هذه: (إنه الإحساس بالظلم)! (فعندما يشعر الإنسان بأنه مظلوم يحاول أن يرد الظلم عنه، ويعمل على أخذ حقوقه بالمنطق وبالحوار أولا، وإن لم يستطع، فإنه يلجأ إلى العنف وإلى استعمال ما يقدر عليه من الوسائل لتحقيق غاياته وتحصيل حقوقه. إنه تصرف اليائس الذي استنفذ الوسائل الصحيحة والسليمة في محاولاته لنيل الحقوق المغصوبة، ورد الإهانات وحفظ الكرامات. وعندما يشعر المرء بأنه لم يأخذ حقه، أو أن المجتمع ظلمه، أو أن الدولة التي ينتمي إليها ظلمته أو أهملته، فانه يلجأ إلى أساليب الانتقام. يحس الفرد في أي مجتمع، بأن جاره قد اعتدى على حقوقه؛ فيثور ويحاول أن يثأر. ويشعر المرء أن أخاه قد ظلمه، فيطالب برفع الظلم؛ فان لم يستطع رد الظلم، ولم يقدر على ذلك، لجأ إلى وسائل العنف، بعد أن يستنفد الطرق السلمية السليمة في مسعاه لنيل حقوقه ومبتغاه. كم من الأحداث الدموية تمت بين الإخوة والأشقاء، وكان سببها، كما ذكرنا، هو الإحساس بالظلم والشعور بالإجحاف، فيحدث ما لا تحمد عقباه، وما لا يقبله عقل ولا يرضاه دين. كم نعرف من الجرائم الكبيرة كانت أسبابها بسيطة وصغيرة؟ كم من الأحداث والمشكلات لم تجد حلا مرضيا لها، فتطورت حتى وصلت حد القتل وحد التصفيات؟ كم من الأمور البسيطة لم تعالج بشكل سليم ومنطقي، وأهملت حتى وصلت إلى حد التصرفات الحمقاء التي يندم عليها الإنسان، ولكن لات ساعة الندم؟ وهذا ما يحدث على مستوى المجتمعات، وهو ما يدور أيضاً بين الدول. ولا يختلف الموضوع من حيث حجمه ومقدار تنظيمه. فالدول الباغية، عليها أن تتوقع الرد على الظلم الذي تمارسه ضد غيرها من الدول. والمجتمع الذي يغتصب حقوق غيره، عليه أن لا ينتظر باقات الورود من أصحاب الحقوق المغتصبة. وإنكار الحقوق يؤدي إلى انفجار الغضب لدى أصحابها، هذا الانفجار الذي يسمى بأعمال العنف، أو يطلقون عليه ظاهرة الإرهاب). كان هذا ما قلناه قبل خمسة عشر عاماً؛ بأن ما ذكرناه من الإحساس بالظلم والشعور بالاضطهاد، هو أول الأسباب التي توصل إلى مرحلة الانفجار التي تسمى بأعمال العنف أو ممارسة الإرهاب. ولكن بقدر الإحساس بالظلم تكون ردة الفعل، ويحدث ما يسمونه الإرهاب. يجمع كل الكتاب المنصفين، من العرب ومن غير العرب؛ أن السبب الذي حرك مشاعر الحقد على الغرب عموما، وعلى الولايات المتحدة خصوصاً، في ضمير أسامة بن لادن، هو إحساسه بما يلقاه العرب من معاملة الغرب والولايات المتحدة مع العرب؛ من امتهان لكرامتهم، وانحياز مطلق إلى جانب إسرائيل، ودعمها في كل الميادين والمحافل، دون مراعاة لمشاعر العرب والمسلمين. تحت تأثير هذه المشاعر والأحاسيس تولد لدى ابن لادن الفكر الداعي إلى الانتقام. وتحت هذا الإحساس تبعه من اقتنع بأفكاره، فكثر الأتباع، وصار هذا الفكر ينمو ويتطور وينتشر، بحيث صار له انتشار واسع في كل المجتمعات التي تضم تجمعات عربية أو إسلامية؛ مما جعل الغرب يزداد عداءً للعرب وكرهاً للإسلام وحقداً على المسلمين، وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من إيلول عام 2001م في نيويورك. لكن هل ما ينسب من (إرهاب) القاعدة هو ما تواجهه أو واجهته البشرية في كل أرجاء هذا الكون الواسع؟ في الحقيقة لا بد من أن نشير إلى ما تقوم به المجموعات الإرهابية في الدول الغربية، والتي تقوم بأعمال العنف والإرهاب، من نفس الأسباب التي ذكرناها في البداية؛ وهي الإحساس بظلم المجتمع، أو تجاهل الحكومات، كما نعلم من تنظيمات الألوية الحمراء في إيطاليا، والجيش الأحمر الياباني، وعصابة بادر ماينهوف والنازيين الجدد في ألمانيا، والجيش الجمهوري في إيرلندا، ومنظمة إيتا في إسبانيا، ومنظمة كوكس كلان في الولايات المتحدة، وغير ذلك من المنظمات والتنظيمات الإرهابية التي تقلق المواطنين، وتسبب الإزعاج الكبير، وتسبب الإحراج الشديد للدولة. الإرهاب غير مرتبط بأٍسامة بن لادن وحده. فإن زعماء هذه المنظمات التي ذكرناها وغيرها، هم من غلاة المتطرفين والإرهابيين الذين يمارسون أقسى درجات الإرهاب؛ من القتل والاختطاف والاغتصاب والسطو المسلح. وهل ننسى اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي، ألدو مورو، وإعدامه في التاسع من أيار عام 1978م؟ حتى في أكثر الدول الغربية التي تزعم ممارسة الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، فإنها تواجه كثيراً من الأعمال الإرهابية التي يكون سببها دائماً الإحساس بالظلم والشعور بالاضطهاد وعدم الحصول على الحقوق والتمييز العرقي، وغير ذلك من مسببات التمرد على الظلم، وبالتالي ممارسة ما يسمونه الإرهاب. لم يكن أسامة بن لادن أكثر من رمز لتنظيم لا ينكر أي منصف أنه تنظيم دقيق ومترابط؛ صار له أتباع وأعوان كثيرون، ولذلك فإن كثيراً من الكُتّاب والمفكرين الذين تناولوا قضية أسامة بن لادن وعلقوا على مقتله، يعتقدون أن موت الرجل لا يعني موت تنظيم القاعدة؛ لأن أسباب قيام التنظيم لم تنته، ولا نظنها تنتهي بالقضاء عليه، وهذا مما يزعج الدول التي تمارس (الإرهاب) وتدعي أنها تحاربه وتحاول القضاء عليه. إن النازية التي أرهقت البشرية، وأزهقت أرواح نحو خمسين مليوناً من البشر في الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى ما ألحقته من التدمير الحضاري، ظلت بذرتها موجودة في المجتمع الألماني، وبدأت تنمو بشكل واضح ومزعج بما يسمونه (النازيون الجدد)، إحياء للنازية القديمة، والتي مارست الإرهاب بأبشع صوره، ومع ذلك لم تمت، وها هي موجودة، وإن كانت في طور النمو من جديد. قد يكون لموت ابن لادن بعض التأثير السلبي في تنظيم القاعدة، ولكنه لن يكون السبب المباشر لضعضعته أو نهايته؛ فإن ابن لادن مجرد رمز كان متخفياً، ولا تنتهي الأفكار والمعتقدات بنهاية رموزها. فالماركسية تراجعت كثيراً في المدة الأخيرة، ولكن لا ننسى أن الصين، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لا تزال ماركسية النظام. ومثلها كوبا، وكثير من التنظيمات التي لا تزال تحمل الاسم أو المفهوم، بالرغم من موت رموز الماركسية منذ زمن بعيد نسبياً. حتى النازية البغيضة فقد بدأت تنتعش من جديد في ظل الديموقراطية وحقوق الإنسان كما يدعون. وقد اغتيل حسن البنا منذ أكثر من نصف قرن، لكن حركة الإخوان المسلمين في صعود متواصل. ومات احمد ياسين، ولكن حماس وصلت في المجتمع الفلسطيني مرحلة لا يمكن إنكارها من حيث الحضور القوي في كل الميادين. ومثلها التنظيمات الأخرى، سواء كانت عربية أو فلسطينية أو أجنبية، فإن موت الرمز أو ما نسميه (المؤسس) لا يعني موت فكره إذا وجد التجاوب الكافي والاقتناع بهذا الفكر، فيبقى قائماً ما دامت الأسباب التي دعت إليه قائمة. ولكن متى ينتهي تنظيم القاعدة؟ ومتى ينتهي الإرهاب المزعوم حتى في المجتمعات كلها؟ نسوق الجواب مما ختمت به مقالي السابق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، حيث ختمته في حينه بما يلي: (... ولكن ينتهي الإرهاب من المجتمعات عندما تسود المساواة، وتؤخذ الحقوق وينصب ميزان العدل بين الناس. وعندها تختفي مظاهر الإرهاب وتتلاشى؛ لأنه لم يعد عندها سبب يؤدي إلى العنف ...والإرهاب)!! نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 8/5/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل