المحتوى الرئيسى

> ثورة 24 يناير

05/08 21:15

كتب - ضياء أبو اليزيدالعودة إلي الكتابة هذه المرة أجمل. فرصة رائعة: أنا الآن حر أكتب ما أريد ، بعد أن كنت في العهد القديم أتحرج - أو يتحرج غيري سلفاً- من انتقاد الصغيرة والصغير قبل الكبيرة والكبير وكان علي كل من يكتب في جريدة أو مجلة أن يحسب الحسابات قبل الكتابات وقبل أن يجيء علي سيرة مسنود أو مسعود.. من رئيس الجمهورية إلي فرغلي البواب: كل له سياسته وكل في فلك "يسحبون"، لا فارق في ذلك بين جريدة حكومية وأخري معارضة. في نفس كل يعقوب إذن حاجة مما تكتب وكل يجرك إلي سبيل. هكذا فقدت الكتابة في بلادنا معناها وهانت كما هان كل شيء فتحولت من أهم وسيلة اخترعت لتداول المعرفة والخبرات الإنسانية، إلي رطرطة مؤهلة بجدارة لاحتواء السوداني والترمس علي كورنيش النيل، وهو المصير الذي اختاره الشعب المصري لجرائده وكتابه ونقاده ومثقفيه لسنوات عديدة بما يحمله هذا الاختيار - علي تنوع أسبابه وتشعبها - من دلالات عبقرية لا داعي لتفصيلها فهي تتحدث عن نفسها بفصاحة أعجز أن أجاريها. في حديث لي منذ سنوات مع مثقف مصري كبير، قال إن الفنان أو الكاتب في هذه البقعة من العالم هو رجل "أهبل" يشتغل في أشياء لا تسد حاجة ، ولا تعود نفعاً عليه ولا علي بيته - يعني هكذا يراه الناس. بعد هذا الحديث ببضعة أشهر توقفت عن الكتابة، بعد أن أدركت أن الرجل محق وأن من كان لديه كلمة فليوفرها لنفسه ويلمها فهي إن لم تؤخر، فهي بالتأكيد لن تقدم أو تغير (أفهمك وأسامحك إذا قلت أن هذه سلبية وكسل وغباء، لكن هذا ما حدث). هكذا إذن كنا نحن أهل مصر: مثقفون يقولون عن أنفسهم صفوة يدافعون فقط عن مصالحهم بشراسة المستميت، وفي الأغلب يتعالون علي العامة ويحتقرونهم، وعامة يحتقرون مثقفيهم ويرونهم " متفلفسين" كما درج أن يسخر منهم الحس الفكاهي المصري. وبين هؤلاء وهؤلاء تيه يبتلع الملايين. ولكن ها أنا أعود بعد الثورة، سعيداً ممتلئاً بالأمل في أنني لن أكون مجرد "أهبل" هذه المرة، وأن الكلمة في مصر الآن قد تقدم أو تغير لكنها لن تؤخر ما دامت لوجه الله ولوجه الناس. لكن ما يشغل بالي هو كيف يحدث هذا ونحن ما زلنا نحن، ولست من القائلين بأننا قد تغيرنا. كل ما أراه الآن حولي يقول أننا لم نتغير بعد، وهذا في الواقع أمر يوافق تماماً سنة الكون كما أعرفها ، ولو حدث خلافه لكانت معجزة وآية من الله. أقول أن الثورة لم تغير نفوساً اعتادت العراك علي فتات الموائد ولا عقولاً سكنها العفن من طول الرقاد، ولن تغير لأن هذه ليست وظيفتها. وظيفتها فقط أن تهب لنا تلك الفرصة التي أرادها الله لنبعث إن أردنا من جديد، وننجو من ستين داهية كنا ذاهبين إليها بكل تأكيد. أما أن نغتنم الفرصة أو ندوسها فهذا أمر آخر تماماً يعود لاختياراتنا. فمتي إذن نتغير؟ أتصور أول خطوة أن نتعلم كيف نشير بأصابعنا إلي صدورنا، قبل أن نشير إلي أي شخص آخر، وندرك أننا نحن من لوث هذا البلد، وأننا جميعاً نتحمل مسئولية إصلاحه. إن عظمة هذه الثورة في أن يدرك كل منا أننا لم نثر في الواقع ضد النظام الحاكم فقط، بل وضد فساد ذممنا وضياع أخلاقنا. من منا لم يقدم رشوة ولو كانت شاياً لمهندس الحي أو مفتش الكهرباء؟ كم منا لم يتورط في فساد ولو كان وساطة لابنه من أجل أن يفوز بوظيفة أو يتهرب من واجب؟ أثق في أن العدد سوف يكون قليلاً إلي درجة الندرة. وجمال هذه الثورة ليست في أن "نطهر" فقط، ولكن في أن نؤمن أننا أيضاً يجب أن "نتطهر" ونبرأ مما فعلنا إلي الله، وإلي الإنسانية. إن أردنا أن نتغير فلابد أن تستمر ثورتنا ضد الفساد الذي تربي في نفوسنا في عهود الذل حتي أصبح من طبائع الأمور، لنثر عليه حتي لا ينبت من جديد. لنصنع ثورة جديدة قبل أن ننسي ما كان، وقبل أن يمر العام علي الثورة، ولو بيوم واحد، ولتكن هذه المرة ضد أنفسنا لنذكرها أننا انتصرنا علي شرها في يوم، وسوف لن نسمح له بأن يحكمها أو يحكمنا من جديد. " كلنا فاسدون ... لا أستثني أحداً حتي بالصمت العاجز قليل الحيلة " (من مونولوج كتبه بشير الديك في فيلم "ضد الحكومة" إخراج عاطف الطيب). لعل هكذا يجب أن نقول من قلوبنا، ونحن نصلي جميعاً في كل ميدان صلاة واحدة لله الغفار أن يقبل منا ثورتنا، ولا يخيب فينا رجاؤنا. إعلامي وناقد سينمائي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل