المحتوى الرئيسى

> خيال غير علمي

05/08 21:15

كتب - د. عمرو منسيإن مقتل الشاب خالد سعيد علي يد أجهزة الأمن بالإسكندرية هي جريمة قتل مكتملة الأركان، فهي قانونًا تصنف علي أنها ضرب مبرح أدي إلي الوفاة. تلك جريمة يتحملها بالدرجة الأولي أجهزة الأمن المعنية، كما يتحملها بنفس الدرجة من قاموا بتزوير الحقائق لتبرئة الجناة من دم القتيل وأعني خبراء مصلحة الطب الشرعي الذين باعوا ضميرهم تملقًا أو خوفًا من النظام. والتقرير الأول الذي صدر من الطبيب الشرعي خرج ضعيفا حاملا بين طياته الكثير من الشكوك والتساؤلات، وللأسف لم يضف التقرير الثاني إلا مزيدا من علامات الاستفهام وبعض التفاصيل عديمة الفائدة، وخلص التقريران معا إلي أن الوفاة كانت نتيجة لوجود لفافة بانجو انحشرت في بلعومه أدت إلي اختناق، وأن الإصابات الظاهرية علي الوجه لا تؤدي إلي الوفاة. إن تشريح جثة قتيل هي بالقطع اختصاص الطب الشرعي، وليس لنا أن نجادله إلا أن إتيانه بمعلومات طبية مغلوطة أمر لا يمكن قبوله خصوصًا أن الفترة المهمة في التقرير هي ما بين الإصابة والوفاة، استند فيها الطبيب إلي سيناريوهات هي أقرب للخيال غير العلمي وهي مخالفة للحقيقة بشكل فج، هنا يكون للطب البشري القول الفصل فيها، وليس للطب الشرعي، وبدون الخوض في تفاصيل طبية معقدة سوف أعرض عليكم أربع حقائق طبية لا يمكن الخلاف عليها، وهي لا تتفق مع ما جاء بالتقرير وتؤكد فساد الاستدلال وسوء القصد. الحقيقة الأولي: أن معظم إصابات الرأس القاتلة والتي تنتج من اصطدام منطقة الوجه والرأس بجسم صلب كحوادث السيارات أو ارتطام الرأس بشدة نحو جسم صلب تؤدي إلي كسور بقاع الجمجمة وتهتك ورضوض بأنسجة المخ، لا تترك في الغالب اثرا مثل الجروح أو الخدوش علي فروة الرأس. فإذا قام الطبيب الشرعي بحلاقة شعر رأس المتوفي لم يجد بها جروحا وخلص من ذلك إلي استبعاد إصابة المخ، فهذا لا يدعو لرثاء صاحبه ولا يجوز روايته لمبتدئ. الحقيقة الثانية: أنه لا يمكن معرفة مدي إصابة المخ بدون إجراء أشعة مقطعية علي الرأس، وأن الكشف الظاهري علي المنطقة لا يبين علي الإطلاق درجة الإصابة، كما أن إخراج المخ وتقطيعه إلي شرائح وأخذ عينات للفحص الميكروسكوبي لهي من بديهيات التشريح وعلوم الطب الشرعي، إن أي تقرير لا يشمل تلك الفحوص يعتبر ناقصا ولا يمكن الاعتداد به ويبطل قيمة التقرير من أساسه. ومن عجائب هذا الزمان أننا أجرينا منذ عدة أشهر أشعة مقطعية لرأس توت عنخ آمون بعد وفاته منذ آلاف السنين لمعرفة سبب وفاته ونشر هذا التقرير عالميا إلا أننا رفضنا إجراءها لهذا الشاب لسبب غير معلوم. الحقيقة الثالثة: أن معظم إصابات المخ والرأس تؤدي إلي ما يسمي بارتجاج المخ خلاله يفقد الإنسان الوعي ولا يمكنه التخلص من إفرازات الفم والدماء التي تسيل من الأنف والفم في حالة إصابة الوجه، فإذا لم يتم اسعافه بتنظيف فمه تجمع تلك الإفرازات بالقصبة الهوائية وأدت إلي اختناقه وموته. ولذلك فإن السبب الرئيسي للاختناق وافتراض أنه بسبب لفافة بانجو هو أمر غير مبرر والطريقة الوحيدة لكي يشهد بذلك هو تواجده بصفة شخصية أثناء الحادث ورؤيته ذلك بعينيه. الحقيقة الرابعة: أنه لا يمكن ادخال جسم غريب إلي بلعوم أو حنجرة أي شخص إذا كان متنبها ويقظا، وأنه من النوادر أن تدخل قشرة لب أو ما شابه إلي القصبة الهوائية بالصدفة البحتة، أما دخول لفافة بهذا الحجم فهو ضرب من المستحيل، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي أن يكون فاقد الوعي. حينئذ يمكن لأي شخص حشرها بسهولة، أما عن استبعاد الطبيب حشر اللفافة في فم القتيل لعدم وجود آثار مقاومة علي فكه فهذا إن دل علي شيء فدلالته الوحيدة أنها أدخلت بواسطة شخص آخر في اللحظات الأخيرة من حياته وتلك حجة مؤكدة علي أنها أدخلت بفعل فاعل. وليسمح لي السيد كبير الأطباء الشرعيين بسؤاله عن كيفية استنتاجه في تقريره أن المتوفي مات بسبب لفافة البانجو، هل رأي بعينيه لفافة البانجو محشورة في فم القتيل وهذا لا يحدث إلا إذا قام الطبيب الشرعي الأول بإعادة حشرها مرة أخري وأنه دفن بها، وهذا لم يحدث بالقطع كما أن اللفافة قد حرزت، ويكون بذلك أنه شهد بشيء لم يره وتكون بذلك شهادته زورا ولزم حسابه، وليقل لي كيف تمكن القتيل من الصراخ وقوله للمخبرين «كفاية هاموت» كما هي شهادة الكثيرين واللفافة محشورة في فمه؟ وليخبرني سيادته كيف لم يمت في خلال أربع دقائق من انحشار اللفافة كما هو معلوم طبيا وظل علي قيد الحياة طيلة هذه المدة؟ تكلم يا سيدي لا سامحك الله. وأني أتحدي السيد الطبيب الشرعي في أن يجادل في أي معلومة مذكورة في هذا المقال، ويمكن لسيادتكم التأكد من صحة هذه المعلومات بسؤال أي طبيب أو أخذ رأي أي جمعية طبية مصرية أو عربية أو أجنبية أو احد من أساتذة اقسام الطب الشرعي. أستاذ جراحة الاعصاب بجامعة القاهرة رئيس جمعية جراحي الأعصاب المصرية سابقا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل