المحتوى الرئيسى

أحمد الدريني: أحداث إمبابة..خطورة أن يتحول السلفيون إلى جماعة وظيفية

05/08 15:39

تشير إحدى الروايات الرائجة حول أسباب اندلاع “فتنة إمبابة” إلى أن شابا مسلما تزوج من فتاة مسيحية بعد أن أشهرت إسلامها. ثم استطاع مسيحيون أن يختطفوها، وعادوا بها إلى الكنيسة مرة أخرى.فما كان من الزوج إلا أن استعان بسلفيي المنطقة، وذهبوا جماعة لاسترداد الزوجة المخطوفة من داخل جدران الكنيسة.وتم رفع فيديوهات من محل الأحداث على موقع يوتيوب يؤكد فيها أفراد سلفيون الرواية السابقة. والخطورة تمكن هنا في غرابة سلوك الزوج، الذي لم يستعن بأهله ولا بجيرانه، مع العلم أن منطقة إمبابة يقطنها الكثير من العائلات ذات الجذور الصعيدية المتماسكة، وإنما ذهب إلى جماعة ذات كيان وملامح وتوجهات واضحة طالبا منها أن تساعده في إعادة زوجته من “كنيسة”  “النصارى”.ورغم أن حكاية خطف الزوجة تم تكذيبها بعد ذلك إلا أن الأحداث تشير إلى إن هذا الزوج أو جهة ما استغل “الحساسية” الواضحة بين السلفيين وبين الأقباط، وعرف أنه يلعب على وتر مشدود في النفس السلفية: (هيا بنا نستعيد المسلمات الأسيرات في الكنائس والأديرة..وامعتصماه)، ثم انطلق السلفيون إلى ما انطلقوا إليه، ونشبت المعركة، التي يقول السلفيون في الفيديو المرفوع على يوتيوب بخصوصها أنهم استخدموا الحجارة فحسب، في مقابل مولوتوف النصارى.لعبت السلفية هنا دور الجماعة الوظيفية، التي يمكن الاستعانة بها أو توريطها في تصفية نزاعات ذات طابع معين، ومن ثم فنحن بصدد جماعة مجتمعية مستنفرة ذات حساسيات دينية وسياسية، قابلة للانفجار من حين لآخر، دون وجود ضابط حقيقي لسلوكها.فلا تستبعد أن يتشاجر اثنان في سوق خضار، ثم يذهب أحدهما لأقرب سلفي، قائلا له :” امسك واحد بتاع طماطم يطفف في الميزان”..أو “الحق بيت دعارة أهو”..ومن ثم يتم استغلال السلفيين في تصفية حسابات شخصية ومادية، انطلاقا من تفسيرهم القسري للإسلام وفهمهم له، واعتقادا منهم أنهم يفعلون ما يرضي الله ويعلي راية دينه الحق.السلفيون لا تبدو عليهم أعراض حلم دولة الإسلام الكبرى، لأنهم على الأرجح منهكون ومدركون لمعطيات الأمر الواقع، لكنهم من ناحية أخرى_ربما تعويضية_ يسعون لإقامة يوتوبياوات صغيرة، على مستوى مركز أو قرية أو حي أو حتى شارع، يحكمون فيها بما فهموه عن “الشريعة”..وعن دويلة إسلام صغيرة تنعش في النفوس حلم دولة الإسلام الكبرى.فحين أعلنت الجماعة الإسلامية في التسعينات إمارة ديروط الإسلامية وأقامت ما يمكن توصيفه بدويلة إسلامية داخل محافظة أسيوط، شرعت الجماعة في إقرار أسعار موحدة للسلع واتخذت إجراءات حمائية لصالح المواطنين في مواجهة التجار، وفرضت معايير تصرف أخلاقية معينة على أهل القرية، صبت بالطبع في مصلحة نطاق واسع من المواطنين، لكنها كانت على وشك إقامة حدود وفرض معايير شاملة لكل شيء، بعد بعض الإجراءات “التعزيرة” التي مورست!وقد شرع السلفيون في الإسكندرية أثناء ثورة 25 يناير، وبعدها، إلى إقامة شوادر بيع لحوم بأسعار غير مغالى فيها لمساعدة المواطنين في هذه الأيام المضطربة، وقد كان تحركا شعبيا خيريا، أضاف لصورة السلفيين ولم يخصم منها، لكن الكثيرين لم ينتبهوا لهذا التصرف في خضم الأحداث.وحين تم دعوة السلفيين في قنا للتعامل مع منزل المواطن المسيحي أيمن متري- طبقا للرواية الصحفية المتواترة -  الذي يقال أنه يتم استغلال منزله هذا في إدارة أعمال مخلة بالآداب، حرق السلفيون المنزل واعتدوا على أيمن إلى أن تم قطع أذنه.ومن ثم فإن السلفيين ربما يدركون أنفسهم كجماعات صغيرة متناثرة في مواجهة واقع صعب، تحاول اقتناص ملامح دولة الشريعة المتخيلة، كل جماعة كما تستطيع ووفقما تتيحه لها الظروف القريبة منها.سواء بالأعمال الخدمية ذات الطابع المميز للسلف الصالح في عصور الإسلام الأولى، أو سواء تلك الصدامية التي أول ما تتوجه تتوجه ضد الأقباط، كأقرب جماعة متاحة ذات أفكار وعقائد..”بعيدة عن الإسلام نفسه” ويمكن تطوير إدراكها_على ضوء بعض الوقائع_كجماعة معادية للإسلام.الخطير هو من الذي استدعى السلفيين لمنزل متري ولم يستدع الشرطة؟ ولماذا ذهب زوج إمبابة إلى السلفيين ولم يلجأ إلى الشرطة أو الجيش؟ ولماذا تحول السلفيون إلى جماعة تحمي وتهاجم وتقرر وتقضي وتفصل بين المتنازعين؟ ولماذا يبدو أن السلفيين في كل مدينة سيتحولون إلى ما يشبه عائلات المافيا التي تكفل وتنظم أنماط معينة من التبادل التجاري والنفوذ الإجرامي لكل جماعة من الجماعات الواقعة في نفوذها الإقليمي؟السلفيون يطرحون أنفسهم ك”جماعة وظيفية” (والتعبير للمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله) داخل جسم الوطن، قابلة للقيام بمهام معينة تتفق مع مصلحتها الشخصية ورؤيتها الشخصية لكنها تناقض قوانين الدولة وإطارها المنظم الذي يكفل_نظريا على الأقل_ إقامة العدالة عن طريق تحقيقات النيابة وأحكام المحاكم، وفق الآليات المتعارف عليها، والتي تنتهج إجراءات تثبتية وتدقيقية، تتفق مع سلوك الخلفاء الراشدين وعظام قضاة الإسلام في التأني وبحث قضايا النزاع من جميع أوجهها قبل الحكم فيها، أكثر مما تتفق مع سلوك السلفيين السريع المستنفر الذي يتطور بسرعة غريبة ودون تثبت أو تحقق (وكل الروايات المتداولة في الصراعات التي خاضها السلفيون مليئة بالثغرات).ومن ثم فإن التيار السلفي، يبدو كما لو قرر الكف عن البحث عن أزماته العقيدية مع الأشاعرة (هل تعرف من هم الأشاعرة الذي ينشغل السلفي بنقدهم ورفضهم بصورة رومانتيكية حالمة؟ ويتعامل معهم كهاجس مقيم؟) لقاء أن ينزل الشارع منفذا أجندته الخاصة وفقا لخيالاته وأحلامه غير الناضجة.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل