المحتوى الرئيسى

تعاونوا يرحمكم الله

05/08 12:29

بقلم: أحمد بان المتابع لوسائل الإعلام يحزنه ما يطالعه، سواء عبر صفحات الرأي أو الأعمدة أو البرامج الحوارية، التي تكرِّس حالات الاحتراب والطعن والتجريح المتبادل.   والمعارك التي لا تنتهي تلميحًا وتصريحًا بين القوى السياسية، وتشد الناس في اتجاه خصومات قديمة، بين أفكار ظلت تتصارع في عالم افتراضي؛ حيث صادر مبارك ساحات الفعل السياسي في الواقع لسنوات، ورغم أن ساحات الفعل السياسي فُتحت بالفعل الآن تحت أقدام ثوار وشهداء 25 يناير، فإن تلك القوى ما زالت تمارس ما تعودت عليه من صراع في الفضاء الافتراضي، فتسأل أسئلة افتراضية وتعالج مشاكل افتراضية، فمَن يستطيع أن يزعم أن المنهج الذي حكم عصر مبارك أو حتى السادات كان قوميًّا أو اشتراكيًَّا أو ليبراليًّا أو حتى إسلاميًّا، لنقول إن هذا المنهج تم اختباره بشكل حقيقي، ومن ثَمَّ تسقط حجج من يدعو له كمنهج يستطيع تغيير الواقع؟!   يا سادة.. لم يكن منهج الحكم السابق سوى خليط من الفساد والاستبداد، خَلَقَا وضعًا عشوائيًّا مضى بالبلاد إلى حالة من التردي والتراجع، كانا المقدمة الطبيعية لتلك الثورة العظيمة.   كل القوى الرئيسية في البلاد لم تُختبر أفكارها أو برامجها في فضاء حر ومفتوح، فلِمَ الاحتقان البادي في الحديث والحوار؟!.   لماذا لا نستبدل الحوار بالحصار، والائتلاف بالاختلاف، والتنسيق والتعاون في المشترك وهو غير قليل بالتناحر؟، أنجزتم معًا حلم إسقاط النظام؛ فلمَ لا تتعاونوا معًا في تهيئة المناخ للبناء؟!لماذا لا تُوظف جهود كل تيار في التعريف بمشروعه وقدرته على استنقاذ مصر؟   لماذا لا نؤمن بأن التنوع الخلاق هو سر كل الحضارات المعتبرة في العالم؟، صدقوني النقاء الحضاري وهم.   الحضارات هي تراكم متنوع لإبداعات البشر عبر العصور، ومع تنوع المشارب والأعراق؛ لماذا تقبلون بالتنوع وتمتدحونه ولا تمارسونه في الواقع؟   دعونا نؤمنُ بالتنوع الخلاق والتسامح وقبول الأفكار المختلفة تحت مظلة دستور نتوافق عليه ويعبِّر عن اختيارات المجتمع الجمعية وقيمه وأعرافه.   أمامنا الكثير لننجزه معًا، لتسعى تلك القوى- عبر منابر الإعلام التي تملكها- إلى الاستثمار في صناعة الوعي، ورفع حالة الاصطفاف الوطني حول قضايا الدستور ودولة القانون وأولوية التنمية الشاملة.   إن استمرار محاولات كل فريق الإساءة والتشكيك في نوايا وأفكار الآخرين؛ لن يعززَ سوى حالة الكفر بالبدائل الواقعية للنظام السابق.   ويدفع الشارع لأن يمارس لونًا من ألوان الانسحاب الذي سيدفع ثمنه الجميع، من مستقبل هذا الوطن، وقد يدفع الآخرين إلى حالة من حالات حنين الضحية إلى الجلاد أو السجان الذي لم يكن يبخل ببعض الطعام على ضحيته، حتى لو كان يتفنن في تعذيبه صباح مساء.   يا سادة.. في الساحة متسعٌ للجميع، والمباراة بينكم لا ينبغي أن تكون صفرية، العبء ثقيل بما يغري بالتعاون والتكامل وليس التنافر والشقاق، إن إثارة معارك جانبية واستدعاء قضايا لواجهة الأحداث، من الممكن أن تؤجل إلى سياق آخر أو ظروف أفضل، وتفتيت طاقة المجتمع في ذلك لا يصب في صالح هذا الوطن أو حركة التغيير فيه، لماذا تدفعوننا بعيدًا عن الأهداف والغايات التي يجب أن تشغلنا؟.   نحن في حاجة كقوى سياسية إلى بناء وتمتين حالة اصطفاف وطني يعود بنا إلى روح يناير.وإذا كانت الفرصة متاحة لنا اليوم للإمساك بمصائر الأوطان، فلا ينبغي أن تتبدد الطاقات حول صراع المرجعيات في سفسطة لن تؤبد سوى الأزمات التي يعانيها مجتمعنا وتعطل فرص الانتقال.   لدينا في مصر أولويات لا يصح تركها هكذا، ولدي مدخل يمكن أن يتيح الفرصة لتلك القوى المختلفة لأن تبرهن على حبها لهذا الوطن وتجردها من الأهواء والمصالح.   إن جدوى أي منهج إصلاحي مرتبطٌ بقدرته على حل مشكلات المجتمع، والتقدم في شعور بالمسئولية الوطنية والتاريخية، وفي مصر اليوم أولويات تستطيع تلك القوى من خلال اقتراح رؤى واقعية أن تسهم في حلها.   ماذا تستطيع تلك المدارس أن تقدم لنا، لتسهم في مواجهة مشكلة تردي الحالة الأمنية والمعاشية؟   يا سادة.. لا خلاف على المرجعيات والأفكار؛ لأن المواطن لا يهمه تلك الجدليات، والمواطن لن ينحاز في النهاية لاشتراكية أو قومية أو إسلامية أو ليبرالية، المواطن المصري لن يتأدلج، وقد دفع الكثير ثمنًا لثقة أعطاها بلا مقابل، ولن يكتب الشعب المصري شيكات على بياض لأحد.   ما يهم المواطن هو ترجمة هذه الأفكار إلى برامج يشعر بأثرها على حياته، ما يهمه أن يشعر بأنه لم يخسر سوى قيوده برحيل مبارك، وأنه متفائل بالمستقبل، ولن يتفاءل وهو يراكم تتقاتلون وتتنافسون وتشككون في جدوى كل بديل، والمباراة الحقيقية لم تبدأ بعد، وليست هناك مغانم في الأفق إن كنتم مخلصين ومتجردين عن الأهواء؛ وإنما هي أعباء تستدعي التعاون، فتعاونوا يرحمكم الله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل