المحتوى الرئيسى

الحياة المهشمة للشاعرة آنا أحمدوفا على مسرح الباستيل في باريس

05/08 09:08

في واحدة من أجمل التحايا للشاعرة الروسية آنا أحمدوفا (أو أخماتوفا حسب اللفظ الغربي)، قدمت دار أوبرا الباستيل، في باريس، قبل أيام، عرضا من تأليف الموسيقار الفرنسي برونو مونتوفاني، أثار اهتمام كل من عشاق الأدب وفن الأوبرا نظرا للسيرة التراجيدية لشاعرة حلقت عاليا قبل أن تكسر جناحيها الإجراءات القاسية التي عرفتها بلادها أيام ستالين. وجاء في التعريف بأحمدوفا أنها واحدة من أكبر الأسماء الأدبية العالمية في القرن العشرين. فهي قد ولدت عام 1889 في عائلة ميسورة وترعرعت في سان بيترسبورغ وعرفت النجاح منذ أن كانت في الثالثة والعشرين من العمر. لقد أطلت، مبكرة، على المشهد الأدبي في العالم، وامتلكت موهبة الإبحار بزورق الشعر الروسي إلى ضفاف البساطة والنقاء والشفافية المفتقدة من أيام شاعر البلاد الكبير بوشكين. وبسبب الشحنة العاطفية الزاخرة في قصائدها لقبت بـ«سافو الروسية»، نسبة إلى إلهة الرغبة والعشق، وقامت، في فترات شبابها الأول، برحلات كثيرة في العالم وحلت في باريس، حيث ارتبطت بعلاقة عاطفية مع الرسام مودلياني. ورسم لها هذا الأخير لوحة تليق بها، جعلها فيها تبدو جالسة ببهاء، بتسريحة تغطي جبينها مثل ملكة فرعونية. ثم فجأة انحرف الزورق في مساره ودخل في منطقة الخطر، عقب الثورة البلشفية. فقد تم إعدام الزوج الأول لأحمدوفا، الشاعر الكبير نيكولاي غوميلييف رميا بالرصاص. كما تعرضت للسخرية من الشاعر الشهير المجدد ماياكوفسكي، محبوب الثوار. والغريب أنه وصف أشعارها بالسخيفة وعديمة الجدوى، قبل أن يصبح هو أيضا موضع انتقاد مسؤولي النظام الذي أراد تسخير الفنون كلها للدعاية السياسية، وانتهى منتحرا بطلقة في القلب، عام 1930، فيما يسمى بلعبة الروليت الروسية. لقد منعت آنا أحمدوفا من النشر وفرضت عليها الإقامة في غرفتين من شقة مشتركة. أما ولدها ليف فقد تم اعتقاله ونقله إلى معسكرات الأعمال الشاقة. ولم تستعد الشاعرة اعتبارها إلا قبل فترة وجيزة من رحيلها عام 1966، تاركة وراءها سيرة مضطربة يتداخل فيها التألق بالمأساة. وكتبت الشاعرة في إحدى قصائدها أن قلبها تهشم قطعة قطعة، وأن «لا صمغ يلصق حياة كسيرة». لذلك، ليس من المستغرب أن تغري سيرة مثل هذه الفنانين من مختلف الجنسيات التي ترجمت أعمالها إلى لغاتها، لتقديمها في رؤى جديدة للأجيال التي ولدت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وتلاشي الستار الحديدي. لقد رأى فيها الموسيقار الفرنسي الشاب مونتوفاني البطلة التي تناسب ما يعتمل في خياله من عرض أوبرالي، يجمع بين التقاليد الغنائية والتعبير المعاصر. وهو قد أقام في خلفية المسرح لوحة تخطيطية كبيرة للرسام مودلياني، عاشق آنا، نرى فيها امرأة ذات شعر غزير قاتم تطرق برأسها بينما اختصر جسدها بضعة خطوط سريعة. إن بطلة الرواية امرأة ذات مزاج رثائي، كانت محبوبة تطفو بحسنها فوق الأرض قبل أن يمتد إليها مخلب القدر. وهي ثنائيات الفرح والفجيعة، الموت والحياة، الأمل والخذلان، التي لا يكتمل الصراع الفني والمسرحي من دونها. والشاعرة الروسية الكبيرة، تبدو في هذا العرض ذات حضور أنثوي شفاف وبريء يتعرض لوشايات مجحفة تطيح بها عن عرشها وتعرضها للمهانة والمطاردة. لقد حاولت أن تبقى بمنأى عن الاحتدام السياسي الذي عرفه الاتحاد السوفياتي خلال حكم ستالين، فكانت لاجئة تقيم في أرض التعابير والخيالات المموهة التي لا يمكن أن تستخدم دليلا ضدها. لكن جدانوف، المسؤول الثقافي سيئ الذكر والبعبع الذي كان حارسا للأفكار الثورية الملتزمة، هاجمها بقسوة متهما إياها بالرجعية وبأنها «ليست أكثر من سيدة برجوازية صغيرة تائهة بين أن تكون نصف راهبة ونصف غانية». ولم تكن أحمدوفا تجد ما ترد به سوى أشعارها الرمزية التي ترثي فيها الجبال المضروبة بالنحس الأسود والأنهار الكبيرة المسلوبة الألوان. بنى مونتوفاني أوبراه على المواجهة بين المبدع والسلطة، وهو صراع غير متكافئ بين شاعرة لا حول لها سوى قوة الكلمات ونظام يقوم على إرهاب من لا يتطابق معه بالكامل وينحني لأهدافه. وحيث إن أحمدوفا لا تملك وسائل المجابهة، وهي في مأزقها أمام أعضاء اتحاد الكتاب المشبعين بالأفكار الشيوعية، فإنها تهرب إلى عالمها الشعري الخاص، تاركة لهم أن يوجهوا لها السهام التي تصيبها في أعماق روحها. أليست هي التي كتبت: «أعيش في منطقة وسيطة.. منطقة جهنمية». وبخلاف الأوبرات الكلاسيكية التي يتقابل فيها الحبيب والحبيبة، أي المغنية «السوبرانو» والمغني «التينور»، فإن لا حبيب في الأفق المغلق للشاعرة بل ولدها ليف، الذي قاسمها المأساة. وقد أدت دور الشاعرة الروسية المغنية الألمانية الكبيرة جانينا بايشل، التي تملك صوتا عميقا يعبر عن الانكسار أكثر مما هو صوت عاشقة تنشد الحياة. وحسب خبراء هذا الفن، فإنها المرة الأولى التي تكتب فيها أوبرا يتواجه فيها الابن مع أمه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل