المحتوى الرئيسى

ورطة الورد

05/08 08:06

شراء الزهور فى بلد كمصر ورطة كبيرة جداً، وإذا كنت لا تصدقنى فاسمع هذه الحكاية. كنت أسير فى زحام المدينة سعيداً بالشتاء رغم الشارع المزدحم بالبشر، الملىء بالمطبات والحفر، لكننى أغمضت عينى عن القبح السائد لكى لا أفسد استمتاعى بالشتاء. الشتاء فصل سماوى، تسمو فيه النفس لآفاق الروح، يغسل فيه المطر أدران الأرض وأحزان البشر. وفجأة شاهدت فى الواجهة الزجاجية لمحل بيع الورد زهوراً خجولة، توقفت على الفور، وألصقت وجهى بالزجاج. للزهور فى الشتاء معانٍ جليلة، فيها الصمود والبسالة، رسالة تقول للبشر: إذا كنتُ - وأنا المخلوقة الضعيفة - أقاوم البرد بالحب، وأغلب اليأس بالأمل، فلماذا لا تمتلئون بالأمل وتعلنون الحب؟ مضيت أتطلع إلى عمال المحل، وهم منكبون على تنسيق باقات الورد، لا أشعر بالراحة للطابع المهنى الذى يسود المكان، العناية بالزهور فن يحذقه العاشقون، وكل زهرة تستحق أن أعشقها على حدة، وأتبتل فيها. أحب أن أقتنى زهوراً معدودات، وأفضل الوردة الواحدة، تكون لى وأكون لها، دخلت المحل فى رهبة، وطلبت من البائع باقة صغيرة، حملتها فى رفق وكأنها حفنة أطفال صغيرة، ملأت عينى من جمالها، ودفنت وجهى فى عبيرها. لكن المشكلة الحقيقية صادفتنى حين خرجت إلى الشارع، الطريق مزدحم ببنات المدارس، ضحكت إحداهن فى خبث، وقالت لصديقتها شيئاً وهى تشير إلى الورد، وكأننى دون جوان ذاهب لموعد غرامى!. احمر وجهى وتمتمت بأننى أحب الورد لذاته، لكنها ضحكت وانصرفت. مشيت فى الشارع المزدحم، شعرت بأن جميع العيون مُصوّبة نحوى، وكأنها تعاتبنى! لأننى وسط البؤس السائد أجد البال الرائق والنقود الكافية، لا لأشترى خضاراً وإنما ورداً! ورد!! ورد!! احمر وجهى واضطربت يداى، وتمنيت لو كانت معى السيارة، خفضت الباقة لأسفل محاولاً إخفاءها، نكّست رأسى متجنباً أن تلتقى عيناى بعيون الناس الذين تفرغوا لمشاهدتى. قرب منزلى توجد محال تجارية يعرفنى أصحابها، فكيف سأسير بينهم حاملاً باقة الورد؟. ليتنى حملت كيساً كبيراً لإخفاء جسم الجريمة!، كيف سأمر أمام متجر البقالة والحلاق والجزار وزبال الشارع وبوابى العمارات المجاورة؟ البسطاء الذين يستيقظون من أول الصباح لمزاولة أعمالهم الشريفة، فيما يتسكع البيه - الذى هو أنا - فى الشوارع، لا ليجرى مثلهم على رزق العيال، وإنما لشراء ورد! ورد!! ورد!! وهناك بائعة الخضار الحقود، التى تعسكر أمام باب البيت، وتمقتنى بجنون. وإذا أفلت من هذا بمعجزة، فكيف سأفلت من نظرات البواب الضاحكة، التى تكاد تقول: (هع يظهر إن البيه صاحب مزاج!). هذا غير أولاد البواب، الذين سيسألون أمهم بصوت عالٍ تسمعه العمارة كلها: هل هذه الأشياء تُؤكل؟! وقفت زائغ النظرات لا أدرى كيف أتخلص من هذه الورطة؟! كنت قد اقتربت من المنزل، ولم يعد هناك سوى حل واحد: تلفَّتُ يميناً ويساراً، وحين اطمأننت أن أحداً لا يرانى رميت الباقة على الأرض، وجريت أرتقى سلالم العمارة بسرعة. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل