المحتوى الرئيسى

بن لادن.. ثائراً

05/08 08:06

للجسد حرمة، وللأسير حقوق، وللمتهم قانون وقضاة.. وإذا كانت أعظم دول العالم لا تحاكم متهماً، ولا تعدل مع أسير، وتهاب جثة، فهى أحط دولة فى العالم، لأن التحضر والتطور إن لم ينعكس على الإنسان فلا قيمة له، وإن لم يجسده قانون عادل يبقى عنواناً لدولة الجريمة التى تتحول إلى عصابة تقتل بغير قانون، وأمريكا هكذا دولة لا يحدها قانون ولا يردعها شلال الدماء المتدفق فى كل بقعة تحل فيها. فى عام 1967 أسرت أمريكا الثائر العظيم تشى جيفارا، لكنها لم تمهله أن يرتشف قطرات ماء، ورغم أن الرجل كان جريحاً وطريح الأرض، فإن وابلاً من الرصاص انهمر على الجسد «الأعزل» كأنه كتيبة من الثوار، ثم كان الخوف الأكبر من جثته «مجرد جثة»، فأخفوها عن عيون الملايين من عشاقه، وأظهروا فقط كفيه، لكن كلماته: «لن يكون لدينا ما نحيا من أجله، إن لم نكن على استعداد أن نموت من أجله». «لا يهمنى أين ومتى سأموت بقدر ما يهمنى أن يبقى الثوار يملأون العالم ضجيجاً كى لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء».. ظلت هذه الكلمات نبراساً لكل الرافضين للقهر والظلم والفساد فى كل الدنيا. وفى نهاية عام 2006 أعدم صدام حسين فى صبيحة عيد الأضحى دون أن يكمل النطق بالشهادتين، بعد محاكمة وصفها العالم بأنها «هزلية»، بعدها غرق العراق فى نهر من الموت، فمات من أهله ما يزيد على المليون شخص، وهاجر حوالى خمسة ملايين عراقى، وغرقت أرض الرافدين فى دوامة الفتنة الطائفية، وتجذر الصراع حتى بات العراقيون إما قتلة أو موتى أو ينتظرون، وتصدر العراق قائمة الدول الأكثر فساداً فى العالم. وقبل أيام قتل الأمريكان أسامة بن لادن، بعد أن قبضوا عليه حياً وبلا سلاح، وفقاً لرواية طفلته البالغة من العمر «12عاماً» وإمعاناً فى الثأر والتنكيل والتشفى واحتقار مشاعر المسلمين تجاه الموتى ألقيت جثته فى عرض البحر، فتعاطف من لم يتعاطف مع «بن لادن»، وشعر المسلمون بمهانة ومرارة جديدة تجاه الأمريكان، حتى المعادون له من العرب والغربيين، والذين رأوا أن فى ذلك همجية وبربرية وتعدياً صارخاً على مبادئ حقوق الإنسان وإهانة لدور «القانون» فى محاسبة الناس والحكم عليهم. الأمريكان، بجريمتهم البشعة تجاه رجل «مقبوض عليه»، خلقوا حالة جارفة من الإعجاب و«التعاطف» مع «بن لادن»، والأخطر أنهم خلقوا، عند من رفضوا «جريمة 11 سبتمبر»، تحولاً فى الرؤى، وقبولاً بأن ما جرى كان رداً على جرائم الأمريكان والصهاينة تجاه المسلمين فى شتى بقاع الدنيا، خصوصاً أن «بن لادن» نذر ماله ونفسه لمحاربة أمريكا ولم يكن له ثأر شخصى معها. الآن أمريكا مهددة، أكثر من أى وقت مضى بعد «11سبتمبر»، الآن الغضب عليها تصاعد أكثر، الآن بات «للقاعدة» وغيرها حضور قوى ومبررات واضحة فى حربهم. وإذا كنت مثلى تختلف مع «القاعدة» فأنت غاضب أيضاً من التعامل مع رجل كان «أعزل» ولم يحظ بـ«محاكمة» عادلة يطبق فيها القانون، وتشرع فيها أدلة الاتهام، وحين قُتل وأصبح «ميتاً» لم يكرم بالدفن فى أرض الله. ومن المؤكد أنك حائر أيضاً فى هذا السلوك الذى يكسب الأمريكان بعض البهجة وصخب الاحتفالات الثأرية، ويصيب سياستهم فى مقتل، لكن حيرتك ستتبدد حين تعرف أن الأمريكان، كالإسرائيليين، غاضبون من المصالحة بين «فتح وحماس».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل