المحتوى الرئيسى

مستقبل الصحافة التليفزيونية

05/08 08:06

قبل نحو سبع سنوات قادتنى قدماى إلى حيث مبنى شبكة «سى.بى.إس» الأمريكية فى نيويورك. كنت أريد أن ألتقى مرة أخيرة بعملاق الصحافة التليفزيونية «دان راذر» قبل اعتزاله صدارة واحد من أشهر برامج الصحافة التليفزيونية فى العالم. دخلت إلى المبنى الرئيسى، فأشار لى أحد الحراس إلى أن مكتبه يقع فى ذلك المبنى الآخر، وهو مبنى لا يقل حجماً أو فخامة، مخصص لبرنامج واحد هو برنامج «60 دقيقة». شغلتنى لفترة مسألة أن برنامجاً واحداً، مهما علا شأنه، كوم وبقية الشبكة كلها كوم، متساويان فى الحجم والفخامة، وكأن البرنامج شبكة أخرى مستقلة فى حد ذاته. ويقودك تفكيرك إلى إدراك كم تأخرنا كثيراً فى محاولة إدراك مفهوم للصحافة التليفزيونية فى العالم العربى. أحد أوضح الأسباب وراء هذا بكل تأكيد هو إدراك حكامنا لمدى «خطورة» الإعلام الإليكترونى، ومن ثم حرصهم على اقتنائه من أجل كتمه. إن كان هذا يحتاج إلى إثبات، فإن واحداً من أبرز الأمثلة التى تثبته هو دخول شبكة «أوربت» السعودية فى شراكة مع تليفزيون «بى.بى.سى» عام 1994 لتقديم خدمة إخبارية يمولها الطرف الأول وينتجها الطرف الثانى. ثم يكتشف العاملون بها يوماً بعد يوم أنه، ربما لأول مرة فى التاريخ، يدخل طرفان فى مشروع لإنتاج سلعة لا يريد لها أحد الطرفين أن تنتشر. أعجوبة بكل المقاييس. سيأتى مؤرخ يوماً ما كى يلاحظ أن تلك النقطة كانت بمعنى من المعانى بداية عودة الروح إلى الإعلام المصرى، وبصفة خاصة نحو استحداث مفهوم عربى للصحافة التليفزيونية.  من تلك النقطة انطلقت قناة «الجزيرة»، وكثير من أياديها المؤثرة مصرية، فاخترقت المجال الجوى لقائد «الكتيبة الإعلامية» المصرية، صفوت الشريف، كى تنزع عنه ورقة التوت وكى تضعه فى مأزق مع مبارك الذى لم يكن من الصعب إقناعه بأن أقوى «فلسفة» لمواجهة هذا العدوان هى فلسفة «العدد فى الليمون». لم تكن لهذه اللبنة سوى أن تأتى قسراً واغتصاباً. لكن لبنة أخرى فى أساس مفهوم جديد لصحافة تليفزيونية فى مصر جاءت من قبيل «خليهم يهبهبوا» عندما ضغطت إدارة بوش الصغير بعد غزو العراق نحو دمقرطة المنطقة على طريقتها، فاضطر مبارك إلى إفساح المجال لبعض وسائل الإعلام «الخاصة». ورغم أنها، بطبيعة الحال، لم تستطع الإفلات تماماً من قبضة النظام، فإنها بدأت فى انتشال أنف الإعلام المصرى من تحت سطح الماء قبل أن يغرق إلى الأبد، وبدأت تنتقل بمحور القوة من أعلى إلى أسفل عندما تراجع المعتاد من شاكلة «استقبل الرئيس» لصالح غير المعتاد من شاكلة «انفجرت ماسورة صرف صحى فى حى كوم الدكة». استغرق الأمر رغم ذلك ثورة بحجم ثورة 25 يناير كى يبدأ الشعب المصرى فى إسقاط مَن كان يعلم أنهم لم يحترموا عقله ولا ذوقه ولا أحلامه المشروعة فى البحث عن حياة جديدة. سيمر علينا ردح آخر من الزمن قبل أن نصل إلى مفهوم حقيقى لصحافة تليفزيونية مصرية تستطيع أن تشكل قوة فاعلة فى الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، لكن ما يدعونا اليوم إلى كثير من التفاؤل هو أننا وضعنا أقدامنا بأيدينا على بداية الطريق.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل