المحتوى الرئيسى

نقاش هادئ حول فك الارتباط بين الريال والدولار

05/08 06:13

أمين ساعاتي ليسمح لي الدكتور محمد الجاسر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي أن أختلف معه هنيهة في قضية الاستمرار إلى ما لا نهاية في ربط الريال بالدولار، وأقول بأن المزايا من ربط الريال بالدولار بدأت تتراجع وبدأت السلبيات تفوق الإيجابيات؛ ولذلك حان الوقت لوضع خطة ممنهجة لفك الارتباط بين العملتين، حيث يكون الفك تدريجيا حتى تكون الأضرار في أدنى مستوياتها. نحن نسلم بأن هناك فوائد اقتصادية عديدة من ربط الريال بالدولار أدت في الماضي إلى دعم العملة السعودية في مواجهة الأزمات والتقلبات الاقتصادية في السوق العالمية، ولكن الاستمرار في انخفاض سعر صرف الدولار بصورة مستمرة ولفترة تزيد على الـ 40 عاما ألحق بالريال خسائر كبيرة. لقد أصبحت قضية انخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي قضية تاريخية ومزمنة، بمعنى أن انخفاض الدولار أمام العملات الرئيسة الأخرى أصبحت سلسلة مستمرة ومتكررة منذ الثمانينيات، وهذه السلسلة من الانخفاضات ألحقت بالعملات المرتبطة بالدولار خسائر فادحة. ولذلك مهما كانت المزايا من ارتباط الريال بالدولار، فإن الانخفاضات الهائلة في سعر صرف الدولار لفترة تمتد إلى أكثر من 40 عاما بدأت تشكل تآكلا مستمرا في قيمة العملة الوطنية، إلى درجة أننا نستطيع القول إن ارتباط الريال بالدولار لم يعد يحقق فوائد كبيرة للاقتصاد السعودي، بل العكس مع استمرار الانخفاض، فإن الفائدة من ارتباط الريال بالدولار باتت ضعيفة مقارنة بالأضرار التي أدت إلى تآكل قيمة الريال أمام العملات الأخرى. وإذا كانت الولايات المتحدة تستفيد من انخفاض الدولار بزيادة الطلب على السلع الأمريكية، فإن السعودية لا تستفيد من انخفاض عملتها لأن السعودية ليست دولة صناعية وليس لديها سلع وخدمات تصدرها غير البترول والبتروكيماويات. نظريا نستطيع القول إن العملة العالمية التي تعتبر عملة احتياط عالمية تقاس بها جميع العملات.. كان يجب ألا تكون عملة لدولة واحدة، بل كان يجب أن تكون سلة من العملات القوية التي تعبر عن الاقتصاد العالمي والتي تتشكل بإدارة وإشراف المنظمة الدولية المسؤولة عن إدارة شؤون النقد العالمي وهي صندوق النقد الدولي، ولكن في سنوات الانتصار الأمريكي عقب الحرب العالمية وافقت كل الدول المنهارة اقتصاديا مرغمة على أن عملة الاحتياط العالمية الرائدة هي عملة الدولة ذات الاقتصاد الأعظم، وكانت الدولة ذات الاقتصاد الأكبر والأعظم هي الولايات المتحدة؛ ولذلك تقدم الدولار ليكون العملة الرائدة المقبولة في سوق التجارة العالمية. ولكن لأن هذا الواقع جاء بسبب ظروف استثنائية، فإن الدول التي ربطت سعر صرف عملاتها بالدولار بدأت - عبر عقود طويلة - تعاني من تدهور الدولار في سوق الصرف العالمي. نحن نطمع من المؤسسات المالية في المملكة، وبالذات من وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي أن يضعا خطة لفك الارتباط بين الريال والدولار على قاعدة أقل الخسائر الممكنة، وأمامنا تجارب عدد من الدول التي سبقتنا إلى اتخاذ خطوات باتجاه فك ارتباط عملاتهم الوطنية مع الدولار، وأكثر الدول قربا منا هي دولة الكويت التي فكت الارتباط جزئيا وربطت الدينار بسلة من العملات. نقول إن هذه الخطوة التي اتخذتها دولة الكويت يمكن أن تكون نموذجا يحتذى لكي تتخذ المملكة خطوة مماثلة. وأمام مشكلة انخفاض قيمة الدولار أمام الين والمارك ثم اليورو وسائر العملات الآسيوية الناشئة طرح صندوق النقد الدولي خيار إحلال سلة من العملات SDRs (حقوق السحب الخاصة) لتحل محل الدولار كعملة رائدة. وسبق للمفكر الاقتصادي البريطاني جون ما ينارد كينز أن اقترح في مشروعه الشهير لإصلاح الاقتصاد الدولي إيجاد عملة عالمية باسم ''البانكور''، حيث يتم وضعها في قلب النظام النقدي العالمي، ولكن للأسف لم يؤخذ بوجهة نظر كينز في ذلك الوقت؛ ولذلك فإن استخدام عملة وطنية لدولة واحدة (الدولار) لتعبر عن جميع عملات العالم أدى إلى تقلبات عالمية نتيجة لازدياد عجوزات الميزان التجاري الأمريكي، وهذه العجوزات لا مفر منها لإيجاد سيولة عالمية كافية، ولكنها ولّدت مديونيات كبيرة داخلية وخارجية. وفى هذه الأيام بدأت أمراض الدولار تتزايد، وبالذات بعد تورط الولايات المتحدة في حربين ضاريتين، وهما الغزو الأمريكي لأفغانستان والغزو الأمريكي للعراق، وبدأت الدول التي تربط عملاتها بالدولار تقلق من استمرار انخفاض سعر صرف الدولار وتطالب بتفعيل مشروع حقوق السحب الخاصة. دعونا نقف على موقف الدولار منذ بداية هذا العام 2011 لأن الوقوف على موقف الدولار في هذه الفترة الوجيزة يعطى مؤشرا مهما لمناقشة حيثيات فك الارتباط التاريخي بين العملتين الريال والدولار. لعلنا نلاحظ أن سعر صرف العملة الأمريكية واصل الانخفاض مقابل العملات الرئيسة منذ مطلع عام 2011 حيث فقد - منذ السابع من كانون الثاني (يناير) - قرابة 7.0 في المائة من قيمته مقابل العملات الست الرئيسة، وكذلك فقد قرابة 14 في المائة من قيمته منذ حزيران (يونيو) 2010 والعملات الست الرئيسة هي اليورو والين والإسترلينى والفرنك السويسرى والدولار الكندي والدولار الأسترالي. ولذلك تظل مخاطر انزلاق الدولار قائمة، ولكنها قد تأخذ وقتا وسط الديون المتفاقمة على الولايات المتحدة والعجز المتزايد والإنفاق الأمريكي المتواصل وضعف الإنتاج المحلى، وبالتالي ضعف الصادرات، من هذا المنطلق فإن خبراء النقد يتفقون على أن فرص تحسن سعر صرف الدولار ستكون ضئيلة في المستقبل القريب إن لم تكن معدومة، خاصة وأن الدولار فشل في فترات سابقة من الاستفادة من أزمات الين والمارك ثم اليورو. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل