المحتوى الرئيسى

مشكلة الإسكان ثقافية وليست مالية

05/08 06:16

عدنان بن عبد الله الشيحة كما في جميع قضايانا الاقتصادية والاجتماعية نقوم بالخلط بين المشكلة وأعراضها ولا نحاول الغوص في استكشاف جذورها ووضع الحلول الناجعة اقتصاديا حتى وإن كانت مؤلمة اجتماعيا. وأقول ذلك لأن الكثير من الحلول تستلزم التغيير وترك ما اعتدناه وهو أمر، صعب خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية واستحكام المباهاة والمظاهر الكذابة والتفاخر بالوجاهة واللهث وراء التميز الشكلي والسعي إلى الحصول على أكثر مما يستطاع اقتصاديا. من أهم تلك القضايا قضية السكن وكيف أنه تحول إلى سلعة استهلاكية على الرغم من أنه من ضرورات الحياة، فالكثير من المساكن صممت لإرضاء الزوار في المقام الأول وليس أهل الدار، ولا عجب في أن ما يخصص للزوار من فراغات قد يصل في بعض الحالات إلى 25 في المائة أو أكثر من المساحة الإجمالية للمبنى. السكن مثل أي شيء آخر في هذه الحياة إذا زاد على حده انقلب إلى ضده. وعلى أن البخل صفة مذمومة إلا أن التبذير أشد ذمامة لأنه مفتاح كل شر، فهو ضد الطبيعة وسنة الخليقة، فالله سبحانه وتعالى أوجد الموارد بقدر وتقنين دقيق تكفي الناس وتتناسب مع معيشتهم في هذا الكون، إلا أن الإسراف والجشع والتمادي في الاستهلاك تحقيقا للمصالح الذاتية ولو على حساب المصلحة الجماعية يؤدي إلى شح الموارد وهو ما يسميه الاقتصاديون الندرة. ولذا يجب إدراك أنها مشكلة من صنع البشر لا تتعلق بحجم الموارد الطبيعية. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ''كفى ابن آدم لقيمات يقمن صلبه'' مبدأ أساس في التنمية الاقتصادية المستدامة والحفاظ على الموارد بحيث يتم الاستهلاك حسب الحاجة وليس للرغبة والشهوة. ولذا يزداد الأمر سوءاً عندما يكون الاستهلاك شهوة أو تقليدا أعمى دون وعي للهدف أو إدراك للمقاصد ما يؤدي إلى تقليل العائد من عملية الاستهلاك. وفي ظل هذه الثقافة المجتمعية ينعت الشخص المقتصد والذي يخطط لصرف الريال بالقدر المناسب على السلعة المناسبة دون زيادة أو نقصان بالبخل والتقتير، وينظر إليه باستهجان ويذم على سلوكه الاقتصادي الرشيد. المثل الشعبي يقول ''مد رجليك على قد لحافك'' ويقصد به الصرف حسب الميزانية والاستطاعة المالية ، هذه حقيقة اقتصادية يغفل عنها الكثيرون وهي السبب الرئيس وراء الكثير مما نعانيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية، فالقرارات غير الرشيدة للأفراد هي في مجموعها تعني سوء استخدام للموارد في المجتمع ويترجم ذلك بإنتاج ما لا نحتاج إليه كما ونوعا وفي الوقت ذاته العجز عن إنتاج ما نحتاج إليه! وإذا ما كانت أكثر المواد المستخدمة في قطاع البناء مستوردة من الخارج فيصبح الأمر أدهى وأمر، إذ إنه يحول دون تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من الإنفاق الحكومي واستثمارات الأفراد، بسبب تسرب الأموال إلى الخارج من غير رجعة وتفويت الفرصة في بناء الخبرة التراكمية وتوطين المعرفة في مجال البناء والتشييد. في ظل هذه الثقافة الإسرافية - إن صح التعبير - أصبح الأفراد يتطاولون ويتوسعون في البنيان مباهاة فإذا بهم يصممون مساكنهم من أجل الآخرين وليس لأنفسهم ويتكلفون وينفقون أكثر من إمكاناتهم المالية. ومن العجب أن يكون هؤلاء من أصحاب الدخول المتوسطة والدنيا. الأمر لا يتوقف عند مساحة المسكن وإنما هناك سباق محموم في المبالغة في الكماليات والاستغراق في الجماليات وربما كان ذلك على حساب أمور أكثر أهمية تتعلق بجودة العمل والمواد. والسؤال هنا : كيف لنا أن نغير هذه الثقافة ونجعل الناس يتجهون نحو بناء المساكن الاقتصادية ذات التكلفة الأقل ، التي تتناسب مع دخولهم؟ الأمر يتعلق بإحداث تغيير اجتماعي وإعادة تثقيف المجتمع وهذا ما تستطيع الدولة فعله كسلطة عامة تمتلك حق التوجيه وإصدار التعليمات والتنظيمات وعبر تقنين الإنفاق في ذلك الاتجاه. تكون البداية من خلال سياسات الإسكان الحكومية ، التي يلزم أن يكون توجهها نحو الإنتاج الوفير للمساكن ودعمه وتشجيعه. هذا الإنتاج الوفير يؤدي إلى خفض التكلفة المتوسطة ولكنه يتطلب الشراء الجماعي، أي أن تتناسب كمية الطلب مع كمية العرض الكبيرة فعلى سبيل المثال بدلا من القروض الشخصية التي يمنحها صندوق التنمية العقارية للمواطنين مباشرة يمكن وعبر شركات كبيرة ومتخصصة وحسب تصاميم ومعايير محددة مبنية على استفتاء عام، يتم بناء وحدات سكنية بكميات كبيرة ومن ثم عرضها على طالبي السكن. وعلى أن هذا المقترح يبدو للوهلة الأولى أنه يحد من الحرية الشخصية، إلا أنه بقراءة واقعية وموضوعية للوضع الراهن ونظرة تحليلية للتجربة الطويلة للصندوق نجد أن الأفراد يقعون ضحية جهلهم في الكثير من الأخطاء ويلاقون الكثير من الصعوبات مع مقاولين تنقصهم الخبرة والتأهيل، هذا إضافة إلى أخطاء التنفيذ التي تزيد من التكلفة المبدئية والتشغيلية للمبنى. والحقيقة أن قطاع التشييد يعاني غيابا تاما لمعايير البناء - وإن وجدت فهي لا تطبق - إضافة إلى عدم تقنين ووضع شروط ترخيص لمزاولة مهنة البناء للمقاولين والعمال. هذا الوضع أدى إلى انفلات مهني وفوضى عارمة جعلت من هب ودب ينخرط في مزاولة البناء دون قيد أو شرط. كما أن الكثير من المكاتب الهندسية لم تؤد دورها في تثقيف العموم بالتصاميم الاقتصادية وتقديم خدمات إشراف احترافية. لقد بات من الضروري إصدار تشريعات وسياسات تحقق معايير السلامة والجودة وتحمي المواطنين من الممارسات الخاطئة والمكلفة للمقاولين والعمالة. تطبيق هذه التشريعات يستلزم اقتصار بناء المساكن على شركات الإنتاج الوفير، التي تتمتع بمواصفات مهنية وخبرة واسعة. هذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى تطوير قطاع البناء وتغيير في ثقافة السكن وأسلوب العيش. الدولة تستطيع التأثير في نمط السكن من خلال توفير مساكن لموظفيها بحيث تعمد كل وزارة إلى إنشاء حي سكني خاص بمنسوبيها. من شأن ذلك كسر ثقافة المباهاة، وتجربة الجامعات وبعض الأجهزة الحكومية تؤكد نجاح ذلك فالأحياء الجماعية ذات النمط الموحد تمنح الرضا وتعوض عن المباهاة الفردية بالتميز الجماعي. هكذا نستطيع أن نبدأ رحلة التغيير في الثقافة السكنية ونجذر لقيم الاقتصاد والسلوك الرشيد في قرار السكن. إنه قرار مهم، فالمسكن لا يضاهيه أي سلعة أخرى في الاقتصاد من ناحية تكاليفه الباهظة وارتباطه بالموقع والاستفادة من خدماته على المدى الطويل، وبالتالي لا يمكن ترك ذلك للتجربة أو العشوائية. ولذا كان من المهم العمل على تغيير مفهوم السكن لدى أفراد المجتمع من أنه سلعة رأسمالية وليس استهلاكية، وهذا يعني أن قيمته بقيمة الخدمات التي يقدمها. ونافلة القول مشكلة الإسكان لا تتعلق بالتمويل وإنما بثقافة السكن فكيفما نكون تكون مساكننا. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل