المحتوى الرئيسى

«كنتاكي» في الصين.. قوة أمريكية «ناعمة» تغزو آخر معاقل الشيوعية

05/07 19:06

عدد من الشباب يصطفون أمام فتاة صينية، ترتدي نفس الزي الذي ترتديه نظيرتها الأمريكية التي تعمل في نفس الوظيفة وفي مطعم يحمل نفس الاسم في الولايات المتحدة، هذه صورة مما يحدث على أرض الواقع في العاصمة الصينية بكين، داخل أي من مطاعم «ماكدونالدز» و «كنتاكي» الأمريكيين واللذين باتا يملكان اليوم أكثر من 3 آلاف فرع في الصين وحدها، ونسبة أرباحهما في الصين هي الأكبر في إجمالي أرباحهما على مستوى العالم. ورغم هذا الإقبال الكبير على هذه المطاعم التي باتت رمزاً للثقافة الأمريكية أينما وجدت، إلا أن الأمر في الدولة الشيوعية العتيقة والتي كانت تحرم ثورتها الثقافية أي تواجد للثقافة الغربية على أرضها، ليس بهذه الصورة الوردية، حيث لا تزال بعض الأصوات تطالب بطرد هذه المطاعم من الصين ليس فقط باعتبارها رمزاً للإمبريالية العالمية، من وجهة النظر الشيوعية،  وإنما أيضاً لخطورتها على الصحة، بحسب أحد أعضاء المؤتمر الاستشاري للشعب الصيني، الذي قدم اقتراحاً في إحدى جلسات المؤتمر يقضي بطرد «كنتاكي» و«ماكدونالدز» من الصين، أو إقرار قانون يلزمهما بكتابة عبارة «هذا الطعام ضار جداً بالصحة»، على غرار ما تفعله شركات التبغ. كانت البداية في 12 نوفمبر 1987 عندما افتتحت سلسلة مطاعم «كنتاكي» أول مطاعمها في ساحة «تيان آن مين» الشهيرة في قلب العاصمة الصينية بكين، والتي تعد أكبر ميدان في العالم، حيث تبلغ مساحتها 440 ألف متر مربع، والتي أعلن منها «ماو تسي تونج» قيام الجمهورية الشعبية الصينية، كدولة قائمة على أسس شيوعية، لم يكن ما حدث في هذا اليوم أمراً عادياً، أو مجرد افتتاح مطعم أمريكي في قلب العاصمة الشيوعية، وإنما كان تدشيناً لعصر التحولات الكبرى التي كانت تمر بها الصين في ذلك الوقت. على كل حال، شهد المطعم الأول إقبالاً غير متوقع، حتى أنه نجح في استعادة كل ما صرفه خلال 10 شهور فقط من إقامته، لتتوالى بعد ذلك الفروع في كل مكان في الصين حتى أصبح لـ«كنتاكي» اليوم أكثر من 2000 فرع في الصين، وقد كان هذا النجاح مغرياً لآخرين من الذين يحملون نفس الثقافة مثل «ماكدونالدز» للتواجد في الصين، فافتتحت أول مطعم لها في مدينة شنزن في الصين والتي تشتهر بصناعة الإلكترونيات، سنة 1991، لتتوالى الفروع ويصل عددها اليوم إلى أكثر من ألف فرع في عموم الصين. هذا التوسع الهائل، في الصين، لهذه المطاعم التي يعتبرها البعض «قوة ناعمة» تستخدمها الولايات المتحدة لأمركة العالم، كما أن له معارضين، إلا أن له أيضاً من يؤيده وبشدة. «لي ليتينج»، فتاة صينية من مدينة «هيبي» التي تبعد ساعة ونصف الساعة عن العاصمة الصينية بكين بالقطار، واحدة من هؤلاء، تقول لـ«المصري اليوم»: «أحب طعام كنتاكي كثيراً، وآكله باستمرار، كما أن المكان جيد جداً لتناول الوجبات، طبيعة المكان نفسها داخل المطعم جيدة جداً»، «ليتينج» التي أبدت انزعاجاً شديداً من مطالبة البعض إخراج هذه المطاعم من الصين قالت معقبة على ذلك الأمر: «كيف يكون ذلك؟!!، أنا لا أستطيع أن أتخيل حياتي بدون كنتاكي، إنه مُدهش مثل الزي الذي يرتديه من يعملون به، مطعم كنتاكي في نظري هو كيان فخم ورائع». ورغم أن نسبة من يرتادون هذه المطاعم من الجيل الذي فتح عينيه على وجود هذه المطاعم في الصين، مثل «لي ليتينج»، التي تبلغ من العمر 25 ربيعاً، هي الأكبر من بين مرتاديها، إلا أن ما يجمع بين كل من يرتاد هذه المطاعم أنهم جميعاً من شريحة الشباب، وعن سبب ذلك تقول «لي ليتينج»: «قد يكون الإقبال على هذه المطاعم من الشباب الصيني أكثر من كبار السن، وقد يرجع ذلك لأن كبار السن دائماً ما يكون تفكيرهم اقتصاديا بعض الشيء، كما أن هناك سببا آخر هو عدم اقتناعهم بمثل هذه الوجبات السريعة التي لا تعود بأي فائدة على الجسم، ولذلك فإنهم يميلون أكثر للطعام الصيني، الأمر بالنسبة للشباب قد يكون أيضاً مسايرة للموضة». وإذا كان إقبال الشباب الصيني على هذه المطاعم سبباً في هذا التوسع الهائل لها، إلا أن تخلي هذه المطاعم أيضاً عن سياسة «عولمة الطعام» التي تنتهجها، والتي تسعى من خلالها لتسييد ثقافة نوع واحد من الطعام على كل العالم، هو السبب الرئيسي في ذلك، فلم يكن سهلاً على «كنتاكي» و «ماكدونالدز» فرض ثقافة طعامهما، على شعب يمتلك ثقافة خاصة في أطعمته ويحتفظ بها منذ آلاف السنين، وهو ما أجبر هذه المطاعم على التراجع ولو قليلا، فما يهمها في النهاية هو الربح، حتى لو كان الثمن هو التطبيع الثقافي بين ثقافة الساندويتش الأمريكي وثقافة الطعام الصيني، التي يعتز بها الصينيون.  وإذا كانت الأطعمة المقدمة في مطعمي «كنتاكي» و«ماكدونالدز» تكاد تكون واحدة في كل أنحاء العالم، إلا أن الوضع يختلف تماماً هنا في بكين، حيث لا يكتفي المطعمان بتقديم الساندويتش، وإنما يقدمان الأرز أيضاً، بما أنه أحد أهم الأطباق في المطبخ الصيني، كما يقدمان أنواعا مختلفة من الشوربة لتتناسب مع أذواق الصينيين في الطعام مثل شوربة الخضار وشوربة البيض، كما يقدم مطعم «كنتاكي» بعض الأطعمة الصينية في الفطور أهمها «كعكة شاوبينج» والتي يرجع تاريخها في الصين إلى حوالي 2300 سنة. إذن ساندويتش «كنتاكي» في الصين يختلف عن غيره في أي مكان، حيث تقدم أنواع منه بتوابل صينية، كما لا يكتفي المطعم بعمل الساندويتش من صدور الدجاج فقط، وإنما أيضاً من أجنحة الدجاج التي يعشقها الصينيون، والتي تقدم إما في ساندويتش أو وحدها، ليأكلها الصينيون بعد أن يضعوا قفازين من الأكياس البلاستيكية في أيديهم، كما يقدم «كنتاكي» في الصين أطعمة بحرية، لمجاراة ثقافة الطعام الصيني التي يمثل الطعام البحري فيها ركناً أساسياً، حيث يقدم ساندويتش «كنتاكي»، وقد استبدلت قطعة اللحم بلحوم أسماك مقلية بنفس خلطة «كنتاكي» السرية، كما يقدم الجمبري المقلي بنفس الخلطة وتقدم السلطات البحرية أيضاً. مجاراة مطاعم القوة الأمريكية الناعمة لثقافة الطعام الصينية هنا في الصين قد يكون دليلاً على ما تقوله «لي ليتينج»، والتي اعترضت على النظرية القائلة إن مثل هذه المطاعم تمثل خطورة على ثقافات البلدان التي تتواجد فيها، قائلة «كيف يكون كنتاكي خطراً على الثقافة الصينية، ليس معنى أن كنتاكي بات رمزاً للثقافة الأمريكية أن يهدد ذلك الثقافة الصينية، الثقافات يجب أن تتواصل فيما بعضها باستمرار، وهذا ما يمكن أن يطورها بسرعة، يجب علينا أن نحتفظ بثقافتنا الأساسية، ولكن أحياناً يتوجب علينا الاتصال بثقافات الدول الأخرى، لأن كلا الدولتين ستستفيد من ذلك كثيراً». الأمر ليس مجرد إحلال ثقافة محل أخرى كما يقول البعض، وإنما قد يعتبر آخرون أن مجرد وجود منتجات مثل «كنتاكي» و«ماكدونالدز» و«كوكاكولا» في دولة تعتمد الشيوعية منهجاً سياسياً لها، هو إشارة لتخلي هذه الدولة عن شيوعيتها، وهو ما رفضته «لي ليتينج» بشدة، و قالت: «ليس معنى وجود كنتاكي في الصين أن الصين تخلت عن شيوعيتها، فتواجد ثقافة دولة في دولة أخرى لا يعني السيطرة على هذا البلد وتغيير سياساته، ووجود كنتاكي في بلدنا لن يغير من طبيعتها».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل