المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: أبشروا.. أمن الدولة في ثوب جديد!

05/07 17:40

علمتنا التجارب الإنسانية أن الرهان على حسن النوايا دون ضمانات صارمة هو أفشل وأخسر رهان, ويقال- بحق- إن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة، والأمثلة لا تُحصى، حتى في الحياة اليومية كأن يموت الأب ويخلف تركة، وفي لحظات البكاء والحزن النبيل تصفو الأرواح- صفاءً مؤقتًا بالطبع- وعندها يتبارى الإخوة (الورثة) في تأكيد أنهم يعيشون (للأبد) يدًا واحدًا لا يفرقهم عرض الدنيا، وبدلاً من توثيق عقود وضمانات حقيقية للحقوق فإن الرهان يرتكن على افتراض حسن النوايا, والنتيجة أن تبقى التركة تحت يد بعض الإخوة, وتمر الأيام ويتمدد حلم واضع اليد, وينتهي الأمر إلى عبارات على شاكلة أن "الأرض أرضنا ومن يضع قدمه بها نقطع رأسه"!، ثم تشتد العداوة لتصل في بعض الحالات إلى قتل الأخ لأخيه, وسبحان الله تبدأ كثير من القصص بحلم وردي وتنتهي إلى كابوس بشع، والسبب غياب الضمان والركون إلى وهم حسن النوايا!.    وقف السادات يومًا وأعلن في مشهد مسرحي ممتع "حرق أوراق التجسس"، وأن التجسس على حريات الناس ولَّى (إلى الأبد)، ولا أعرف سبب غرام البعض بوعود (إلى الأبد) تلك, رغم أنه لا شيء مضمون في هذا العالم.    كانت التسجيلات التي حرقها السادات تتناول الحياة الشخصية لأناس كثيرين, وقد سمعت- في جلسة ودية- من المرحوم الأستاذ حافظ بدوي رئيس المحكمة التي شكلها السادات لمحاكمة مَن أسماهم مراكز القوى, سمعت منه ما يشيب له رأس الوليد عن تسجيلات فضائحية، وقال إن عضو المحكمة الأستاذ حسن التهامي كان صارمًا جادًّا؛ إلا أنه فقد صرامته تلك لما استمعت المحكمة لبعض التسجيلات وراح في نوبات هستيرية من الضحك؛ لغرابة ما تناولت من أدق دقائق حياة بعض الناس حتى في غرف نومهم!.   وتغير اسم الجهاز مرات كما لو كانت المصيبة في الاسم, فمن القسم المخصوص إلى البوليس السياسي إلى المباحث العامة إلى أمن الدولة, والآن- بحمد الله وتوفيقه- يجري اختراع الجيل الخامس من جهاز القمع الرهيب تحت مسمى "الأمن الوطني", تغير الاسم وبقي المعني, بل يقال- والعهدة على ألف راوٍ-: إن الضباط أنفسهم عادوا بسلامة الله إلى مكاتبهم السابقة في نفس الأماكن السابقة ولسان حالهم يقول للناس الذين ساموهم الخسف وأذلوهم من قبل: "أتنهبون؟ ألا يكفيكم أن اسم الجهاز نفسه تغير؟!!، والحقيقة أن الجبل تمخض فولد فأرًا هزيلاً، فالحال لا يعدو أن تقول إن أحمد صار الحاج أحمد.   ولا شك أن من قبيل الضحك على الذقون أن يقال إن "الاختصاصات" تغيَّرت, ولولا أن المقام لا يحتمل لكان للمرء أن يضحك ما شاء له الضحك, باختصار لأن مسألة الاختصاصات هذه تزيد ولو بغير لائحة مكتوبة، وليس من المعقول أن الجهاز في كل عهوده السوداء كانت له لائحة تحدد التعذيب كجزء من "الاختصاصات"، وحتى مسألة إذلال المرشحين لأي عمل وإخضاعهم لتحريات الجهاز كانت أيضًا دون بند ينص على الاختصاصات، وإنما دخلت بطلب من الجهات "العليا"!، ولدينا جهات عليا لا نحصيها عدًّا ولا حصرًا.     والآن مطلوب منَّا أن نسمع ونؤمن ونصدق، بينما لا جديد في وعود "إلى الأبد"؛ إلا أن مطلقها كان فلانًا فصار علانًا أو ترتانًا!!.   كان التعذيب وإهدار الحريات قائمًا في القسم المخصوص, فلما ضج الناس تغير الاسم إلى البوليس السياسي، وزادت الانتهاكات وضجَّ الخلق فتمَّت ترضيتهم وصار الاسم الجديد أكثر بهجة وهو المباحث العامة, وظل الحال هو الحال فتغيَّر إلى أمن الدولة, ويبدو أن المسألة- من وجهة نظر أولي الأمر- نفسية صرفة لا تعالج الأمر من جذوره وإنما تعالج حالة المعذبين أو المنتهكة حرياتهم وأعراضهم معالجة نفسية تخفف عنهم بتغيير الاسم تمامًا كما يروع طفل صغير ويفزع في نومه من إرهابه "بالبعبع"؛ فنرق له ونقنعه أن البعبع مات, وفي الليلة التالية نعود إلى ترويعه من خلال "العفريت", وربما كان السبب- والله تعالى أعلم- أن النفور من مسمى يستتبع تغييره من باب الذوق لا أكثر, مثلما ينفر الناس سريعًا من أفعال في الحياة اليومية تخدش الحياء؛ فيظلون يغيرون في المسمى وإن بقي الجوهر واحدًا إلى قيام الساعة, وكل الاحتمالات قائمة إلا احتمال أن العزم الأكيد قائم على بتر الجهاز القمعي الرهيب من جذوره بترًا لا يبقي له غير ذكرياته السوداء!.   ولأننا شبعنا, أو على حدِّ تعبير أخينا التونسي "هرمنا" لأجل هذه اللحظة التاريخية, وما هرمنا فقط بل مللنا وسئمنا وكرهنا ونفرنا, ولم يعد بوسع أحد أن يعود إلينا ليزف بشارة الوهم بمنتهى البراءة وحسن النية, بأن أمن الدولة اختفى إلى الأبد لأنه باختصار شديد أصبح يسمى الأمن الوطني, ولا أدري لماذا لم يختاروا القومي ويرحمونا ولو مؤقتًا من كلمة الوطني سيئة الصيت, خاصة أن جراحنا نازفة ما تزال من حكم المرحوم غير المأسوف عليه الحزب "الوطني"، وقد انتهت به الوطنية إلى تهريب مالنا في أربعة أرجاء المعمورة، حتى عزَّ على اللصوص أن يستثمروا المسروقات في مصر وآثروا بها بقاع الدنيا إلا أرض الوطن المسروق؛ ليثبتوا أنهم فضلاً عن كونهم لصوصًا فهم خونة بالمعنى "الوطني" لا الإنساني فقط!.   نحن يا سادة لا نريد إبدال قمع بقمع وإذلال بإذلال ومهانات بمهانات وتجسس بتجسس وتنصت بتنصت, ولا نريد الرهان على انصراف الناس مطمئنين ثم يستيقظون على أن الكابوس الرهيب جاثمًا على الصدور، وأن الضابط "الطاووس" يعود إليهم في ثوبه الجديد ممسكًا بأرواحهم كما كان.   نعم نريد لهذا العهد الأسود أن تُطوَى صفحته إلى الأبد بالفعل، وليس على سبيل الجمل المسرحية, والحل ميسور بفرض توافر النية والعزم, فلسنا نخترع العجلة كما يقال, ولا نحن أول دولة تتخلص من كابوسها وتجارب الدول التي تخلصت من مثل هذا الكابوس ماثلة, ومن الميسور مثلاً أن يخضع الوليد- قبل أن تخرج أنيابه ويتوحش ويدمن دماءنا- لتبعية قضائية مباشرة أو في الحد الأدنى رقابة قضائية تُحاَط بضمانات صارمة؛ حتى لا نصحو ذات يوم لنكتشف أن الجيل الخامس من جهاز القمع الرهيب أكثر فتكًا وله قوة قتل وإرهاب ماسية, وأن التعذيب هو التعذيب والتنصت هو التنصت وإهدار الحريات والتدخل في التعيينات يجري على قدم وساق، تحت راية كانت أمن الدولة فصارت الأمن الوطني!!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل