المحتوى الرئيسى

الكلمة.. من الحسن إلى الأحسن

05/07 16:34

بقلم: د. محمد الدسوقي الكلمة هي التي تبني وتهدم، وتزرع الخير أو تحصد الشر، وفي هذه الأيام كثر التراشق بالألفاظ، وأعد بعض الناس قذائفهم من الكلام ليقصفوا غيرهم في المجالس والمنتديات ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة؛ حتى تحولنا من العمل إلى الكلام، رغم أن المرحلة تتطلب العمل الكثير الدءوب والكلام القليل الموجه الذي ينبغي ألا يكون حسنا فقط، وإنما الأحسن، يقول تعالى في سورة الإسراء ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)﴾ (الإسراء: 53).   ويعلِّق على ذلك صاحب "الظلال" عليه رحمة الله: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن" على وجه الإطلاق وفي كل مجال، فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه: بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة، فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها فإذا جوُّ الودّ والمحبة والوفاق مشوبٌ بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء، والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب، تندِّي جفافها، وتجمعها على الود الكريم.   فالشيطان يتلمس سقطات فمه وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه، والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم الأخوَّة آمنًا من نزغاته ونفثاته.   ونطالع سورة البقرة في الحديث عن (بني إسرائيل)، فيقول تبارك وتعالى: ﴿وََإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾ (البقرة: 83)، انظر وتدبر بنود الميثاق الرباني مع بني إسرائيل، وأولها التوحيد ثم بر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين، وحسن القول مع الناس، ويتبع ذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والميثاق مستمر عبر الرسالات السماوية لكل الناس، وهو المنهج الرباني الذي يصلح البشر ويتبيَّن أن من أهم مفرداته (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا)، ثم يرتقي القول في سلَّم الأخوَّة إلى درجة الأحسن من القول.   لذلك تعالَ معي أخي الحبيب إلى منهاج القاصدين، ومع ابن قدامة المقدسي؛ يقول في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق:   على اللسان بالسكوت تارةً، وبالنطق أخرى: ‏أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله،‏ ولا يسأله إذا لقيه‏: إلى أين‏؟‏ فربما لا يريد إعلامه بذلك، وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه‏، وينبغي أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصةً في السكوت، فإن مواجهته بذلك إحسان إليه في المعنى‏.   واعلم‏ أنك إن طلبت منزهًا عن كل عيب لن تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية، وقال ابن المبارك‏: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات‏،‏ وقال الفضيل‏:‏ الفتوة‏:‏ الصفح عن زلات الإخوان.   وينبغي أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏وإياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث‏"‏‏.‏   وبالنطق.. فإن الأخوَّة كما تقتضي السكوت عن المكروه، تقتضي النطق بالمحبوب، بل هو أخص بالأخوَّة؛ لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلَّص منهم؛ لأن السكوت معناه كف الأذى، فعليه أن يتودَّد إليه بلسانه، ويتفقَّده أحواله، ويسأل عما عرض له، ويظهر شغل قلبه بسببه، ويبدي السرور بما يسر به.   وفي الصحيح من رواية الترمذي: "إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ‏"، ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يصفين لك ود أخيك‏:‏ تسلِّم عليه إذا لقيته، وتوسِّع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك.   ومن ذلك أن يثني عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء عنده، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى في خلقه وعقله وهيئته وخطه وتصنيفه، وجميع ما يفرح به، من غير إفراط ولا كذب،‏ وكذلك أن تشكره على صنيعه في حقك، وأن تذبَّ عنه في غيبته إذا قُصد بسوء، فحق الأخوَّة التشمير في الحماية والنصرة، وفي الحديث الصحيح: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، ومتى أهمل الذب عن عرضه يكون قد أسلمه.   وحينما يرتقي الإنسان من جنة الدنيا إلى جنة الآخرة يقف خاشعًا أمام قول الله عز وجل في سورة الحج ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)﴾ (الحج).   فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، والمكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم كما جاء في الحديث الصحيح عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَتْفُلُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ"، قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ، قَالَ: جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ" (رواه مسلم)، وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ﴾ (الحج: من الآية 24)؛ أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج: من الآية 24)؛ أي الطريق المستقيم في الدنيا؛ فهل عشنا في جنة الدنيا بطيب الكلام وحسن البيان والبعد عن آفات اللسان؟!   إن الكلمة الطيبة لها أبلغ الأثر في الحب بين الناس وإقامة المجتمع الراقي الذي تسمو فيه الفضائل على أنقاض الرذائل والكلمة الطيبة صدقة، كما حدثنا المعصوم صلى الله عليه وسلم.ما أحوجنا في تعاملنا اليومي إلى كلمة طيبة ترطب جفاف العلاقات بيننا، وتساعدنا على بناء أوطاننا، وتذهب غيظ قلوبنا، وتبعد الشيطان من بيننا!! وأحق الناس بذلك الوالدان والزوجة وذوو القربى والجار والأصدقاء والزملاء في العمل، وكل من نتعامل معهم، نجتهد في ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وحينما يعلو الإيمان في النفوس يفيض اللسان بحسن البيان وطيب الكلام، ونتحول من سوء الكلام إلى حسن القول، ونرتقي إلى درجة (التي هي أحسن)، وهي منزلة عباد الله الذين نفذوا أمره فقال عنهم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: من الآية 53).   فاللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، واغفر لنا ما أسأنا فيه من القول والعمل، وردنا إليك ردًّا جميلاً.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل