المحتوى الرئيسى

استراتيجية مابعد مصرع بن لادن

05/07 16:31

عادل درويش ديكتاتوريات الشرق الأوسط وأفريقيا رحبت بقطع رأس أفعى الإرهاب أسامة بن لادن، لأن انشغال الصحافة به حول الأنظار عن القمع الدموي للمطالبين بأبسط مطالب حقوق الإنسان. ولا بد من الانتباه لمحاولة النصب. فالديكتاتوريات تريد بيعنا «ترام». معادلة النصب السياسية بأن البديل الوحيد للديكتاتور، غير المنتخب، هو الأصولية السلفية الدموية البنلادنية الظواهرية. وسربت مصادر أكثر من ديكتاتور بأن الغرب وقوى الاعتدال في حاجة إليه لمواجهة قوى الشر المجهولة التي ستنطلق انتقاما لمصرع بن لادن. المطلوب الاستفادة من أفكار طرحتها نهاية بن لادن، خاصة بعد إفساد الأميركيين لكعكة فرح الغالبية الساحقة من المسلمين في التخلص من رمز كان وراء أكبر ضرر يحل بالمسلمين تاريخيا في العصور الحديثة. وبدلا من التريث على الطريقة البريطانية والتأكد من وقائع الـ45 دقيقة في هجوم القوات الخاصة على محل إقامة بن لادن، صدرت تصريحات متخبطة، متناقضة، ساذجة، وفرت الوقود لمفاعلات طاقة نظرية المؤامرة «الصليبية الغربية ضد العرب والمسلمين». وطبعا كان الأفضل وضعه وراء القضبان في محاكمة تكشف خواءه الفكري، وضلاله بالمسلمين، فيجدون تحت القبة نصابا جاهلا وليس شيخا، حسب المثل المصري. وأضاعت واشنطن فرصة شرح أن هاجس الحزام الناسف وترويج بن لادن، كذبا، حبه «للشهادة»، ربما دفعت القوات الخاصة لصرعه بالرصاص خشية الموت إذا ما فجر نفسه. ووجد الأميركيون أنفسهم محل انتقاد المحامين وجماعات حقوق الإنسان بدلا من امتنان المسلمين (وهي أيضا مفارقة تشير إلى إعلاء القيم الديمقراطية لحكم القانون ومفهوم العدالة في الغرب حتى ولو كان الخصم سفاحا لوثت دماء الآلاف يديه). صرع بن لادن في زمن إفلاس عقيدة Made by Binladen، Zwahiri & co أي الجهاد المزيف ماركة إخوان الظواهري وبن لادن، الماركة التي تحرم الإنسان من أبسط حقوقه منذ أن يبدأ يومه، حقه في ماذا يأكل ويشرب ويرتدي من ملابس، ويقرأ، ويسمع أو يشاهد؛ وإذا تجرأ واختار وفق عقله وضميره كإرسال ابنته لتلقي العلم في المدرسة أو زوجته لاستشارة الطبيب يعاقب بالضرب والرجم والاغتيال. هذه الماركة - ومفرداتها كمعاداة الغرب الصليبي وقهر النساء كمواطنين درجة ثانية - تلاشت تماما من ضمير الأفراد والمطالب العامة لثورة الياسمين التونسية، واللوتس المصرية، ومسيرات الحرية المستمرة - رغم القمع الدموي الوحشي - في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها. فالمطالب تطابقت وجوهر دساتير أميركا وبلدان أوروبا والتقاليد البريطانية، ولم نر مطلبا واحدا بإمارة كالتي ترأسها (بلا انتخابات) الملا محمد عمر أو الفقيه الملهم. نهاية بن لادن عبرت عن تحول التوازن في العقل الجماعي للمسلمين. اختبأ بن لادن، ليس في كهف في الجبال ليخوض معركة استشهاد أسطورية ضد «الصليبيين» بل في فيللا بلا تليفون أرضي أو جوال، أو إنترنت، أو دش أو إريال تلفزيون. وفي غياب إشارة لمراقبته إلكترونيا، اعتمدت الـ«سي آي إيه»، ولأشهر، على عناصر بشرية من المسلمين المتصلين بابن لادن لحمل رسائله في اتجاهين. مسلمون اقتنعوا في قلوبهم بأن زعيمهم مطابق لأوصاف من سمتهم الديانات السماوية «الأنبياء المزيفين» False prophets كـ«مسيلمة الكذاب» وأمثاله من مضللي البشرية. وجد المتعاونون أن رسائل بن لادن والظواهري تأمر وتخطط لاغتيال مسلمين، ونسف أهداف إسلامية، فقرروا التعاون مع غير مسلمين لمنع وقوع الضرر بمسلمين. (مشكلة تاريخية في بريطانيا، تفضيل مسلمين منع المنكر - في شكل عمل إجرامي يعد له من ضلله أئمة الشر والكراهية - بقلبه على منعه بيده أو بلسانه بإخطار البوليس لحماية الأبرياء؛ كما يفعل بعض الآباء الآن خشية فقدان الأولاد في عمليات انتحارية). أهم الدروس ما كررناه في هذه الصفحة من قبل، وهو تعقد المسألة الباكستانية بتفشي الفساد في بعض أجهزتها. فهل يعقل بقاء بن لادن آمنا في أبوت آباد، على مرمى حجر من ثكنات ومراكز تدريب عسكرية، بلا تعاون أو علم عناصر قوية الاتصالات في استخبارات البلاد؟ الأمر يهم القراء بسبب كثافة الوجود البشري الباكستاني في الخليج. ولا شك أنهم مسلمون صالحون خاضعون للقانون همهم الأول الاسترزاق. لكن فلنتصور، لا قدر الله، السيناريو التالي. باكستاني، مخلص ومضمون بتقارير الأمن، يعمل في حمل الأمتعة داخل المنطقة المغلقة في مطار خليجي. فجأة يصله مظروف به إصبع يقطر دما، يكتشف أنه لزوجته بخاتم الزواج، ورسالة تقول إنها وأطفاله الخمسة «في أمان». المطلوب منه فقط وضع علامة سلامة الشحن لحقيبة محددة المواصفات في رحلة معينة. ثمن الرفض طرد به ستة قلوب منتزعة من الصدور من قريته. لا سبيل لمنع هذا السيناريو المرعب سوى تعاون مخابراتي أمني من مستوى أصغر القرى في وزيرستان حتى إسلام آباد، مع مخابرات بلدان التعاون الخليجي وبقية العالم، إسلاميا وغير إسلامي. في مقابلة مع «المجاهد» الطاجيكي الراحل أحمد شاه مسعود، عام 1985، أخبرني أن الأسلحة والمعدات التي أرسلتها أميركا والمملكة العربية السعودية مجانا للمجاهدين عبر المخابرات الباكستانية، كان يضطر لشرائها نقدا من بعض الضباط. وفي سؤال وجهته للجنرال مشرف عام 2006، اعترف ضمنيا بصعوبة اجتثاث اتصالات «القاعدة» بمخابراته بقوله «لعقدين تعاملت مخابراتنا معهم (يقصد «القاعدة») كحلفاء، واليوم تطالبوننا بمحاربتهم واعتقالهم، الأمر سيستغرق سنوات لتغيير عقليات ضباط الأمن». استراتيجية الأمن الباكستانية تعتبر التهديد الهندي هو الأخطر لبقاء الدولة. وفي حالة هجوم هندي كاسح، تنسحب القيادات والإمكانيات العسكرية إلى وزيرستان ومناطق البشتون داخل أفغانستان في «ضيافة» قبائل البشتون التي تشن حرب عصابات ضد جيش الهند، بينما تستعد القيادات العسكرية الباكستانية لهجوم مضاد لاستعادة شرق وجنوب باكستان. استراتيجية تعني نقل الأسلحة النووية إلى مناطق وزيرستان وبشتون أفغانية لردع الهند وفق استراتيجية الدفاع الباكستانية التقليدية. ولأن النضج في استراتيجية المدى الطويل، يحتم وضع مصالح البلد قبل أي آيديولوجيات عاطفية كالأخوة الإسلامية، أو العربية، فلا بد من القبول بأمرين. الأول: الاستفادة من التناقض الهندي - الباكستاني لصالح استراتيجية الأمن الخليجي وأمن بلدان المجموعة السياسية العربية - بما في ذلك المصالح المشتركة مع الحلفاء التاريخيين كبريطانيا والولايات المتحدة، مثلما أظهرت أزمة احتلال الكويت ثم تحريرها 1990 - 1991. الثاني: ضرورة التعاون أمنيا واستخباراتيا مع باكستان فلا خيار آخر. فلا بد من دعم مادي وثقافي تعليمي للقضاء على نفوذ المدرسة - مفرخة أجيال فكر العنف والإرهاب كجهاد إسلامي - والتعاون الدبلوماسي، بجهود بريطانية عربية - من أجل تسوية هندية - باكستانية حدودية كشميرية آيديولوجية. لتوجيه الجهود والإمكانيات العسكرية الباكستانية من الحدود مع الهند إلى وزيرستان؛ بإقناع إسلام آباد - بشتى الوسائل - بأن الخطر الحقيقي على بقائها تمثله «القاعدة» وآيديولوجية طالبان وليس الهند. *نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل