المحتوى الرئيسى

المصالحة تعزز الوحدة الوطنية الفلسطينية بقلم:الشيخ الدكتور تيسير التميمي

05/07 15:45

هذا هو الإسلام المصالحة تعزز الوحدة الوطنية الفلسطينية الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com , info@tayseer-altamimi.com حضرته ، وحضره شعبنا الفلسطيني المتعطش للوحدة ، وحضره العالم كله ، إنه الاحتفال بتوقيع اتفاق المصالحة بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني الذي جرى في القاهرة قبل يومين ، لقد كان بحق عرساً وطنياً فلسطينياً ، فقد قرر أبناؤه طيّ صفحة الانقسام في حياتهم لتنتهي أيامها السوداء المريرة إلى غير رجعة . وقرروا تغليب المصلحة الوطنية العليا على كل مصلحة ، فشعبنا الصابر المصابر المرابط على تراب وطنه جدير بهذه الوحدة والتماسك وتوحيد الجهود إن هذا الاتفاق حدث مفصلي في تاريخ القضية الفلسطينية العادلة ، يقتضي أبناء شعبنا الالتفاف حوله واحتضانه وتأييده ورعايته وحمايته من التهديدات الإسرائيلية التي كانت دوماً تراهن على خلافاتنا واختلافاتنا وانشغالنا بها ؛ لتتمكن من تنفيذ مخططاتها على حين غفلة منا ، وسيعزز العلاقات القائمة على التفاهم والتقارب بين الإخوة ، وسيسهم في تحقيق وحدتهم الوطنية لأنها من أهم عناصر القوة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني ، فهي الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات التي يدبرها الاحتلال الإسرائيلي ضد هويته ووجوده ، وسيمكن شعبنا من التصدي لغطرسته وإجراءاته الرامية إلى تهويد مدينة القدس وانتهاك حرمة المقدسات ، ولمواجهة الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة . أما خطورة الانقسام فإن الاختلاف سيؤدي إلى ضياع القوة وانهيار للأمة وضياع إنجازاتها ، ولا سبيل إلى ذلك إلاَّ بالحوار الذي يرسّخ ثوابت شعبنا وحقوقه العادلة وأهدافه المشروعة ، باعتباره ركيزة للتعايش وتقبُّل وجهة نظر المخالف ، فكيف به إذا كان بين الأخوة الذين تجمعهم معاناة الاحتلال وشرف المقاومة ووحدة الهدف والمصير ! وإذا كانت الوحدة بحق الشعوب والدول الأخرى مطلوبة لاستمرار وجودها فإنها بحقنا فريضة شرعية وضرورة وطنية ومطلباً جماهيرياً لتحقيق أهداف وآمال شعبنا الفلسطيني في دحر الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال ، وتأتي فرضيتها الشرعية أننا مأمورون من ربنا عز وجل بالاجتماع والوحدة ومنهيون عن التمزق والفرقة ، فأصبحت الوحدة من المسلمات واستقرت في ضمير كل مسلم باعتبارها من ضروريات الدين ومحكماته ، والدليل التطبيقي على ذلك فرائض الصلاة والحج والصوم والأعياد وغيرها من العبادات والطاعات التي تجسد الجماعة والاجتماع . ففي القرآن الكريم قال تعالى { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } آل عمران 103 . فهذه الدعوة إلى الوحدة والأخوة أساسها الاعتصام بعهد الله ونهجه ، وليست مجرد عدد من الأشخاص يجتمعون على بقعة من الأرض بغير ركيزة أو هدف ، وهي نعمة عظيمة ومنة ثمينة وهبها الله تعالى للمؤمنين ، أن جمع قلوبهم المتنافرة ووحد صفوفهم المتناحرة ، وأطفأ حروباً كان المغرضون ينفخون في نارها ، وأنجاهم من الهويِّ في نار الفتنة ونار الفرقة ونار الهزيمة . ولن يرضى الاحتلال المتربص بشعبنا عن تحقيق هذه النعمة فيه ، ولن توقف أحقاده ومخططاته التوسعية ضده وضد مقدساته ، وهذا واضح من تهديداته في الأيام الأخيرة وتلويحه بسلاح التجويع والحصار من جديد ، وهنا يجب الحذر البالغ من الفرقة وعاقبتها ، وفي التاريخ عبرة تستخلص ودرس يستفاد ، فمن الأمم من حملت منهج الله ، لكنها تفرقت وتنازعت واختلفت على الثوابت والأصول رغم وضوحها ، ولم تعد أهلاً لهذه التبعات والمسؤوليات ، فانتزعت منها الراية ليتسلمها من يمتلك الأهلية والاقتدار ، قال تعالى { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } آل عمران 105 . والأمة المسلمة كغيرها من الشعوب والمجتمعات إن لم تحذر فسيصيبها ما أصاب غيرها ، فهي سنة اجتماعية لا تتوقف ، فالتنازع بداية الهزيمة والانهيار ، قال تعالى { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال 46 . وأما في السنة النبوية المشرفة فالحرص عظيم على الوحدة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من الخلاف والفرقة وينذر من يخالف وينشق { أن يلقى الله تبارك وتعالى وليست له حجة } رواه أحمد ، ويعتبر مفارقة الجماعة قرينة للكفر والشرك ، لما يترتب عليها من إضعاف الصف وتضييع الهدف ، قال صلى الله عليه وسلم { ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية } رواه البخاري ، وهذا مما يغضب الله تعالى ، أما وحدتنا واجتماع كلمتنا فهو مما يرضيه عنا ، قال صلى الله عليه وسلم { إن الله يرضى لكم ثلاثاً ... وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } رواه مسلم ، والتماسك من أسباب النجاة من الهلاك ، قال صلى الله عليه وسلم { عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية } رواه أبو داود . وفي كل زمان تحتاج الأمة تعزيز وحدتها وترسيخ جماعتها ، ولبلوغ هذه الغاية فعلى أبنائها اتباع السبل التالية : أولاً : الحرص على تنقية ذوات الصدور من الكراهية والأحقاد ، وتحرير النفوس من الضغائن والبغضاء ، فهذا ما ينبغي أن تكون عليه دخيلة المؤمن ، فالقلوب المؤمنة دائمة الدعاء لربها عز وجل أن يطهرها من هذه الفواحش القلبية الباطنة ، قال تعالى { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } الحشر10 . ثانياً : التعاون على البر والتقوى , وتجنب التعاون على الإثم والعدوان ، والتذكير بذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين الذين يتميزون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، قال تعالى { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } العصر1-3 . ثالثاً : العمل ما أمكن في خطوط متوازية ومتعاضدة غير متناقضة أو متقاطعة ؛ بعيداً عن افتعال الخصومة أو التعاند بين هذه الأعمال ، وإلاَّ ضاعت الجهود بلا جدوى وذهبت الطاقات أدراج الرياح ، قال تعالى { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } الفرقان 23 ، وهذا مما يُقعِد الناس عن العمل بسبب فقدان الأمل ، ويحدث التردد والضعف وطلب السلامة للقلب والنفس بعيداً عن التوتر والإحباط . رابعاً : إحياء مبدأ النصيحة والنصرة الذي تضمنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم { انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً } فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ؛ أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال { تحجزه أو تمنعه من الظلم ؛ فإن ذلك نصره } رواه البخاري . وهذا مسلك الرسل والأنبياء والصالحين ، فهارون يقول لأخيه موسى عليهما السلام { يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } طه 94 ، فقد نظر هارون إلى المسألة نظرة ثاقبة ، ورأى ألاّ يثير قضية قد تفرق قومه في غياب القائد الأعلى والرسول الأول ، وآثر أن يبقى معهم حتى يعود الزعيم فيتخذ القرار الصائب ؛ ولهذا قال العالم قتادة عند تفسيره هذه الآية : قد كره الصالحون الفرقة قبلكم . إن بناءَ الوحدة الأُخَويَّة الإيمانية بين المسلمين على الأصول المشتركة ووحدة الكلمة ضمانٌ لديمومتها واستمرارها وحماية لها من التصدع والانشقاق والانهيار ، ولذلك إذا كانت الوحدة مبنية على هذه الأصول الثابتة غير القابلة للتغير فستكون وحدةً راسخة ثابتة مستقرة لا تتغير بالمتغيرات ، ويكون أهلها بمأمن من الفرقة والاختلاف ، وبمنجاة من الضعف والاستضعاف . ولأن الحوار يهدف بالدرجة الأولى إلى الوحدة الوطنية ورصّ الصفوف لمواجهة التحديات ، فحاجتنا اليوم ماسة إلى ضرورة تحديد المبادئ والأصول التي عليها مدار الاجتماع ووحدة الكلمة ، وأن نبحث عن نقاط الاتفاق ، وأن يكون عملنا من أجل المصلحة العامة التي هي هدف الجميع ، وأن نفكر أولاً بأن في الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف وزوال . فحق لنا أن نهنئ شعبنا الفلسطيني في الوطن والخارج بهذا الإنجاز العظيم ، وان نبارك له هذا الاتفاق ، فهذا ما عهدناه فيه ، أن يفيء أبناؤه إلى الاتفاق الجاد لأنهم يدركون أن الوحدة هي خيارهم الوحيد في التصدي للتحديات التي تواجههم وفي الدفاع عن ثوابتهم وقضيتهم وهويتهم .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل