المحتوى الرئيسى

الشورى وفوائدها

05/07 13:28

بقلم: عكاشة عباد الدين الإسلامي الذي أقرَّه الله للبشر كدين يؤمن به، وأيضًا أراد أن يحكم الكون في قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، وذلك لكي ينظم الحياة على الأرض، ويحقق من يعمل به خلافة الله في الأرض، أي أن الإسلام جاء لكي يحكم هذا الكون، ولأن من سنة الله أن تتغير الأزمنة من وقتٍ للآخر بسبب العلوم والاكتشافات التي يظهرها الله على يد البشر، وبذلك تتغير طبائعهم وأفكارهم وتصوراتهم وأنماط كثيرة في حياتهم.   وحتى يستطيع حكم الإسلام أن يتناسب مع كل العصور والأزمنة كان لا بد أن تكون له أمور كلية يضع بها أسس الحكم على مر العصور، ومن تلك الأمور الكلية يتخذ كل عصر ما يناسبه ويتعامل معها بحسب طبائع أفراده، فالحكم في الإسلام يقوم على ثلاثة أركان أساسية، هي: العدل والمساواة والشورى؛ أي أن الشورى من الكليات التي تنظم حكم الإسلام للبشر التي أمر بها الله في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ( آل عمران: من الآية 159).   وأثنى الله على من عمل بها وقرنها بأعظم العبادات فقال: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38)﴾ (الشورى).   قال ابن كثير- رحمه الله-: "لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه, ليتساعدوا بآرائهم". ا.هـ (تفسير ابن كثير).   وقال الشوكاني- رحمه الله-: "يتشاورون فيما بينهم, ولا يعجلون, ولا ينفردون بالرأي" ا.هـ.   لذلك اتخذها الحاكم الأول للدولة الإسلامية- صلى الله عليه وسلم- وهو الموحى إليه أساسًا لحكمه؛ لكي يقتضي به من بعده جميع الحكام والمسئولين على مختلف أماكنهم ومستوياتهم اعتبارًا من رئيس الدولة حتى الرجل في بيته؛ حتى قال عنه صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليلُ أبو هريرة- رضي الله عنه-: ما رَأَيْتُ أحدًا قَطُّ كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه أحمد والشافعي).   وكان القائد الأعلى للدولة الإسلامية يحض جميع الأفراد على الأخذ بالشورى والتحريض على فعلها في كل أمور حياتهم فكان يقول لهم- صلى الله عليه وسلم-: "ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي"، ولم يكتف- صلى الله عليه وسلم- بذلك فقط بل وضعها كقاعدة أصلية في الحياة فقال:- "استعينوا على أموركم بالشورى".   وصار على هذا النهج الصحاب الكرام- رضوان الله عليهم- لذا قال أحمد شوقي مخاطبًا عمر- رضي الله عنه: يا رافعـًا رايــة الشُّـورى وحـارسَهـا جزاك ربُّكَ خيـرًا عـن مُحِبِّــيـهَا رَأْي الجماعةِ لا تَشْقَى البـــلادُ بـــهِ رَغْـَم الخـِلاف ورَأْي الْفَـرْدِ يُشْقِيهَا   لذا كان لا بد من الإجابة على بعض الأسئلة ما هي الشورى؟ ومن يقوم بها؟ وما فائدتها؟.   الشورى هي مبدأ شرعي من مبادئ الإسلام المتعلق بتقليب الآراء، ووجهات النظر في قضية من القضايا، أو موضوع من الموضوعات، واختبارها من أصحاب الرأي والخبرة، وصولاً إلى الصواب وأفضل الآراء، من أجل تحقيق أحسن النتائج؛ أي أن الشورى هي أن يأخذ الإنسان برأي أصحاب العقول الراجحة والأفكار الصائبة، ويستشيرهم حتى يتبين له الصواب فيتبعه، ويتضح له الخطأ فيجتنبه.   ومن هنا كان لمن يستشار شروط يجب أن تتوفر فيه حتى تنتج الشورى الرأي الأقرب للصواب، ومن هذا الشروط العلم والخبرة فيما يستشار فيه، والأمانة وتقدير المسئولية التي تحجز عن التقاعس عن الانتصاب لهذا الأمر، أو الإقدام بغير علم أو خبرة، والعقل الراجح والشجاعة في إبداء الرأي ولو خالف به الكثير.وقد تكلَّم وكتب عن أهل الشورى الكثيرُ من الفقهاء   لى مرِّ العصور، وقد اختلفت نظرتهم حول مَن هم وما صفاتهم، ونتحدث هنا عن بعض فقهاء الإسلام المعاصرين الذين تكلموا عن أهل الشورى باعتبارهم الهيئة التي تنوب عن الأمة في مباشرة سلطات السيادة من اختيار وتشريع ورقابة ويعرفونهم بتعريفات تتفق في المدلول وتختلف في التفصيل، فالإمام محمد عبده يعرفهم بأنهم: علماء الأمة المجتهدون والأمراء والحكام ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة.   ويقول السيد رشيد رضا: يجب أن يكون في الأمة رجال أهل بصيرة ورأي في سياستها ومصالحها الاجتماعية وقدرة الاستنباط يرد إليهم أمر الأمن والخوف وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية، وهؤلاء هم الذين يسمون في الإسلام أهل الشورى أهل الحل والعقد الذين يسمون عند الأمم الأخرى بنواب الأمة.   ويعرفهم الشيخ شلتوت بأنهم: أهل النظر الذين عرفوا في الأمة بكمال الاختصاص في بحث الشئون وإدراك المصالح والغيرة عليها كأصحاب القضاء، وقواد الجيش ورجال المال والاقتصاد والسياسة وغيرهم من الذين عرفوا في تخصصهم بنضج الآراء وعظيم الآثار وطول الخبرة والمران، فهؤلاء هم أولو الأمر في الأمة وهم الذين يجب على الأمة أن تعرفهم بآثارهم وتمنحهم ثقتها وتنيبهم عنها في نظمها وتشريعها والهيمنة على حياتها، وهم الوسيلة الدائمة في نظر الإسلام لمعرفة ما تسوس به الأمة أمورها فيما لم يرد من المصادر السماوية الحاسمة، وهم أهل الإجماع الذين يكون اتفاقهم حجة يجب النزول عليها.   ويقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي: وهم الحائزون لثقة العامة الذين يطمئن إليهم الناس لإخلاصهم ونصحهم وأمانتهم وأهليتهم والذين تضمن مشاركتهم في أقضية الحكومة أن الأمة ستمد إلى الحكومة يد التعاون في تنفيذ هذه الأقضية.   وهذا ما انتهى إليه أيضًا رأي الأستاذ عبد القادر عودة حيث يقول: لأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر أو عن طريق ممثلي الطوائف أن يأخذوا رأي الأفراد الذين تتوافر فيهم صفات معينة.   وللشورى فوائد كثيرة منها: * أنها تبعث في الناس حب التعاون مع المسئولين وتشجعهم على تحمل مسئولياتهم أمام مجتمعهم.   * وترسخ فكرة ضرورة اشتراك جميع أفراد الأمة مع الحاكم في تحمل مسئولية البحث عن الأفضل والصواب, وأنها مسئولية مشتركة.   * وتشعر المسلمين المحكومين بأن قرار الحاكم ليس ذاتيًّا فرديًّا، وإنما هو قرار جماعي مدروس قائم على الشورى والمشاورة.   * كما أن المحكومين سيشعرون أنهم مشتركون في اتخاذ القرارات أي أنهم متفاعلون وليسوا متفرجين.   * وستخلق الايجابية في الأمة المسلمة نتيجة المشاركة في صنع القرار، وهي عكس السلبية التي تقتل الإبداع في النفس البشرية.   * كما أن الشورى تمثل أقوى دافع من دوافع العمل والإنتاج والتقدم والرقي والنهضة؛ حيث يشعر المسلم بأنه ينتمي إلى مجتمع كبير يقدره ويعترف بمكانته وبقدراته.   * وأخيرًا من بركات الشورى أنها تقود إلى رشد العاقبة في الأمور التي وقعت وأصبحت قضاءً بعد أن كانت قدرًا.   ويقول ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يقال: ما ندم من استشار، وكان يقال: من أعجب برأيه ضل (القرطبي في التفسير).   فالشورى موضوع كبير يحتاج إلى توضيحات أخرى، وشرح أكثر، وما هذا إلا مقدمة بسيطة في هذا الأمر المهم الذي يبني عليه نجاح العملية السياسية والتربوية وكل مناحي الحياة بل وتقدم الأمم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل