المحتوى الرئيسى

«معرض طرابلس للكتاب» يعكس تناقضات المدينة والاكتساح الإسلامي لها

05/07 10:36

«أن يتحول معرض الكتاب إلى سوق أو مهرجان ثقافي، فهذا أمر لا يسيء إلى الكتب بل قد يزيد من شعبيتها» يقول لنا عدد من العارضين المشتركين في معرض الكتاب في مدينة طرابلس، تعليقا على ظاهرة فتحه للجمعيات الفنية والاجتماعية، والمعاهد والجامعات، لتصبح الكتب معروضة على مساحة لا تتجاوز ثلث المكان، وبالتالي تشكل أقلية في معرضها وعيدها. ويلفت أحد المشاركين إلى أن المعرض لو اقتصر على الكتب لانخفض عدد الزوار إلى درجة كبيرة، بينما هو في صيغته الراهنة متنفس للمدينة ومكان لنزهة عائلاتها التي مهما حاولت مقاومة الكتاب ستجد نفسها مضطرة لتلبية طلب أولادها حين يريدون كتابا أو أكثر. هذا المعرض الذي يقام منذ 37 عاما، انتقل منذ ما يزيد على العقد من مركز «الرابطة الثقافية» الصغير وهي الهيئة التي تنظمه على مساحة لا تتعدى 500 متر مربع، إلى «معرض رشيد كرامي الدولي»، أحد أكبر مراكز العروض وأهمها في الشرق الأوسط، مما منحه مساحة تصل إلى سبعة آلاف متر مربع لا تحتل الكتب منها، هذه السنة سوى مساحة 3 آلاف فقط. يقول منسق المعرض رامز الفري: «طرابلس تعيش أزمات عدة، ودور النشر البيروتية والعربية، لها أسبابها كي لا تشارك بشكل مباشر، لكنها حاضرة بأحدث إصداراتها من خلال دور النشر الطرابلسية (المؤسسة الحديثة) إضافة إلى أن كتبها التي تعرضها تنوب عن كثير من الدور وتقدم أحدث نتاجاتها وكذلك هي حال (دار الشمال) و(مكتبة جروس)، ومن يريد أي كتاب جديد سيجده هنا؛ فالقدرة الشرائية في المدينة منخفضة، وحضور الناشرين كما إقامتهم وتنقلاتهم مكلفة، علما بأن سعر المتر المكعب لا يقارن بما هو الحال عليه في معرض بيروت». التجوال في معرض طرابلس ليس كغيره في معارض أخرى، ثمة أمور لافتة. فإلى جانب دور النشر، تحتل الجمعيات مساحات بارزة، مما يدل على قدرات بعضها المالية، وتبدو الجمعيات الإسلامية الأبرز حضورا سواء من جهة المساحات الكبيرة التي تحتلها أو الصخب الذي تحدثه حولها بحملات ترويجية تجمع الزائرين. لفتنا جناح «دار الأمة» وهي دار تابعة لحزب التحرير الإسلامي الذي بقي محظورا لغاية سنة 2006 لأنه لا يعترف بنهائية الدولة اللبنانية ويعتبرها مجرد ولاية في الدولة الإسلامية التي يدعو لاستنهاضها وإقامة الخلافة. يقول منسق المعرض رامز الفري، هم هنا لأن لهم «دار نشر ولهم كتب ومطبوعات، يعرضونها». لكن الواضح للعيان أن دار النشر لا تشكل في الجناح سوى جزء يسير من حملات الترويج لإقامة الخلافة، بدءا من المسابقة التي يتم حلها مع الجمهور مرورا بالنقاشات الجانبية وصولا إلى اليافطة الكبيرة جدا التي علقت في مكان بارز لا تخطئه عين. مقابل جناح حزب التحرير يعرض فيلم عن السيد المسيح في جناح الكنيسة المعمدانية، ويوزع أصحاب الجناح على الزوار أسطوانة عن حياته وآلامه لمن يريد أن يعرف المزيد، وعلى مبعدة خطوتين يجلس شبان على الأرض في جناح جمعية «كلمات متقاطعة» الفنية وهم الذي عرفوا بفرقة «سبع طقات» لرقص الراب، حيث يتعرف الزائر على النشاطات المسرحية التي يعنى بها هؤلاء الشبان بعد أن بات لهم مركز ثابت يقيمون فيه أنشطتهم في المدينة. تشكيلة من الاتجاهات الفكرية والإيمانية، وإن طغى عليها الطابع الإسلامي تكشف عن خارطة طرابلس بتنوعها وتناقضاتها العجيبة. يعلق أحد الزائرين الذي رفض ذكر اسمه: «نحن لسنا ضد التنوع والانفتاح على الجامعات والجمعيات، لكن حين يصادف أن الجمعيات الأهلية ذات الطابع المدني لا تملك موارد تمكنها من المشاركة في المعرض في ما تستطيع الجمعيات الإسلامية التبشيرية أن تقتطع أجزاء كبيرة وطاغية من المعرض، هذا يدعونا للتساؤل عن مصادر المال، وعما بات لهذه الجمعيات من سلطة وقدرة على الإنفاق والجذب، خاصة أنهم يوزعون يوميا منشورات وكتبا بالمجان لا بد أنهم دفعوا ثمنها غاليا، لذا من حقنا أن نسألهم من أين لهم هذا؟». لا يريد منسق المعرض أن يرى في هذه الظاهرة سلبيات بقدر ما يرى أنها تعبير عن تنوع كبير في طرابلس، وتعايش بين فئات من الناس، يحترمون انتماءات بعضهم البعض، بدليل تجاور المختلفين في أجنحة متقاربة لا بل ومتلاصقة، وإعلان كل منهم عن فكره وقناعاته بمنتهى الحرية. نافيا في الوقت نفسه أن يكون المعرض قد انزلق إلى الابتذال كما يقول البعض، معتبرا أن العارضين «لو قدموا زهورا أو ألعابا وحتى تطريزات على القماش، هم في النهاية يعرضون أعمالا فنية يدوية، ذات قيمة إبداعية، ومنهم من يعرض اللوحات أو الأشغال الحرفية، وهنا تكمن قيمة فتح المعرض على مختلف المواهب القادرة على تقديم نفسها من خلاله». وجدير بالذكر أن دولا مثل كندا أو تركيا وفلسطين لها هذه السنة أجنحة، انتظمت خلالها في إطار الترويج الثقافي. وعرضت دولة فلسطين مطرزات وأشغالا حرفية وأثوابا فلسطينية مشغولة باليد، فيما اهتم الجناح التركي بالصداقة مع العرب، ووجهها الثقافي والتراثي. أما دولة الكويت فهي حاضرة بمطبوعاتها التي لا تغيب، ويقول مسؤول الجناح إنه «مع فتح أجنحة المعرض للجامعات، إذ إن غالبية الذين باتوا يطلبون كتبه هم من الطلاب الذين يأتون للبحث عن جامعة، ويعرجون عليه للاطلاع على الكتب، وهم لولا غاياتهم الجامعية لما دخلوا المعرض أساسا». المشاركة في التنوع؛ حيث إنها تضم الإذاعات والتجمعات المدنية المعنية بالانتخابات والصحف، وحتى المدارس. وهو ما يجعل لكل زائر مبتغاه الذي يأتي من أجله. وهنا يقول محمد خليفة صاحب «المؤسسة الحديثة»، وهو الذي له باع طويل مع الكتب بيعا ونشرا: «أنا حين أذهب إلى الأردن تأتي الجامعات وتشترى نسخا كثيرة من كل كتاب، أي أن المؤسسات التربوية لها ميزانيات مخصصة للكتب وهذا ليس حال لبنان على الإطلاق، والوضع أسوأ في طرابلس منه في بيروت، لذلك نحن بحاجة لرواد كثر، نعرف أنهم في النهاية سيشترون القليل، وهذا ما يجب أن نعول عليه». ويتدخل منسق المعرض ليتحدث عن إقبال كبير خلال عطلة الفصح، ومن ثم تنسيق مع مدارس من طرابلس وكذلك قرى بعيدة يأتي طلابها لزيارة المعرض، موضحا أن هذا المعرض الذي يستغرق بين التحضير له وفترة العرض نحو شهر يؤمن فرص عمل لشريحة كبيرة من الناس، ولو بشكل مؤقت، من سائقي التاكسي، إلى الطلاب الذين يعملون في البيع وحتى بائع الكعك الذي يقف على الباب، وهو ما يعود بالنفع العام على المدينة. باسل جروس، صاحب دار ومكتبة «جروس»، يرى أن «القدرة الشرائية منخفضة بشكل كبير». والكتب الأكثر مبيعا عنده، رغم وفرة الرواد هي تلك القديمة التي أخرجها من المستودع وخفض سعرها إلى دولار أو دولارين، إضافة إلى «كتب الأطفال رخيصة الثمن». ويقول جروس: «كل ما نطلبه هو أن نسدد تكاليف المعرض، وأن لا نخرج بخسارة أما الربح فليس واردا في الظروف الراهنة». منسق المعرض هو الآخر، لا يخفي أن الرابطة الثقافية حريصة على إقامة هذا المعرض الذي بات تاريخيا بسبب قدمه، ولأنه يحرك المدينة وينعشها، «لكن المدخول بالكاد يغطي المصروف، وهذا وحده يكفينا»، شارحا أن النشاطات التي تقام على هامش المعرض من ندوات، واستقدام فرق غنائية، وما إلى ذلك، تغطى من قبل جهات متعددة تتكفل بها، لأن لا طاقة للرابطة بتحمل المزيد من الأعباء. لكن الزوار الذين يتوافدون بكثرة منذ افتتاح المعرض في 27 أبريل (نيسان) الماضي لا سيما خلال أيام العطلات، غير معنيين بهذه التعقيدات التي يعاني منها المنظمون، وجل ما يعرفونه أنهم يقضون هنا وقتا طيبا مع أطفالهم، لكن الجردة الحقيقية ستظهر بعد 8 مايو (أيار) حين يغلق المعرض أبوابه، ويذهب كل ليقوم بجردته ويعيد حساباته.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل