المحتوى الرئيسى

حكومة تايلاند.. بين السندان الأصفر والمطرقة الحمراء

05/07 10:29

بقلم: محمد النجار بينما يمثل التغيير السياسي أملاً للعديد من شعوب العالم- سيما العالم العربي- فإن الاستقرار السياسي هو ما يحلم به التايلانديون منذ عام 1932م حتى اليوم؛ حيث تعاقبت على الحكم 59 حكومة منتخبة أو معينة من قبل العسكر، كانت أقصرها حكمًا هي حكومة شافارات شانويراكول التي لم تستمر سوى خمسة عشر يومًا (2 إلى 17 ديسمبر 2008)، وأطولها حكمًا حكومة المشير بليك بيبولسونكرام، والذي حكم ثماني حكومات رقمها (9,10.21,22,23,24,25,26) لمدد بلغت في إجمالها أكثر من 14 سنة، ثم حكومة تاكسين شيناواترا (فبراير 2001 حتى ديسمبر 2006). ومنذ قيام قائد الجيش سونث بونياتجلين المسلم الوحيد في تاريخ تايلاند بانقلاب عام 2006 على حكومة تاكسين شيناواترا الذي كان ساعتها في زيارة إلى أمريكا، والمعارضة التاكسينية تحول البلاد إلى ساحة تظاهرات من وقتٍ لآخر.   وقد اختارت المعارضة التاكسينية تحت اسم الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية وضد الديكتاتورية اللون الأحمر كرمزٍ لها لتصبح معروفة بجماعة أصحاب القمصان الحمراء، وذلك على غرار اختيار جماعة أصحاب القمصان الصفراء الممثلة للجبهة المتحدة من أجل الديمقراطية- والتي تظاهرت لإسقاط تاكسين شيناواترا متزامنة مع الجيش ورغبة مضمرة لدى الملك لإسقاطه- اللون الأصفر رمزًا لها. لتصبح تايلاند منقسمة بين اللون الأحمر واللون الأصفر؛ فيما سماه بعض المحللين الساخرين بحرب الدوريانDurian-Water melon conflict والبطيخ (الدوريان فاكهة استوائية صفراء من الداخل شديدة الصلابة من الخارج ذات نتوءات، بينما حباتها دهنية من الداخل ذات بذور ورائحة لا يطيقها إلا من اعتادها، وهي طيبة الطعم).   وفي ديسمبر 2008 وبعد تعاقب خمس وزارات منذ سقوط تاكسين شيناواترا في سبتمبر عام 2006، تولى أبهيسيت فيجاجيفا-بريطاني المولد، مزدوج الجنسية، خريج جامعة أكسفورد البريطانية- رئاسة الوزارة بعد تكليف حزبه (الديمقراطيون) بتشكيل الحكومة برغم كون حزبه الوصيف في الانتخابات العامة التي فاز بها حزب بيوتاي التاكسيني بفارق كبير بسبب عملية شراء الأصوات. وكان حزب تاكسين الأساسي تاي راك تاي قد تم حله وحظر مؤسسيه من الممارسة السياسية لمدة خمس سنوات بسبب التزوير في انتخابات عام 2005.   وكان من المفروض أن تستمر الحكومة الحالية حتى ديسمبر من العام الجاري، غير أن الضغوط المتزايدة من قِبل التاكسينيين الذين هم جماعة أصحاب القمصان الحمراء وحزب بيوتاي، قد تضافرت مع ضغوط جماعة أصحاب القمصان الصفراء- برغم العداء الشديد بين الجماعتين- قد أجبرت رئيس الوزراء الحالي على إعلان نيته حل البرلمان ومن ثم الحكومة يوم الجمعة أو السبت (6 أو 7 مايو الجاري)، والدعوة إلى انتخاباتٍ حرة في 27 يونيو القادم.   ويبدو النسيج السياسي في تايلاند شديد التعقيد، وتستعصي عقداته على الحلّ، ويرجع ذلك إلى فترة حكم رئيس الوزراء المخلوع الهارب تاكسين شيناواترا والذي يتخذ من دبي منفًا اختياريًّا له، بعد أن تمكن من مغادرة البلاد قبيل النطق بحكم المحكمة الجنائية عليه بالسجن لمدة عامين بسبب الفساد المالي. ومنذ ذلك الوقت وهو يحارب من الخارج في محاولات يائسة للحصول على جزء ثروته المصادرة في فبراير من العام الماضي؛ والتي بلغت أكثر من ملياري دولار. ورغم صدور حكمٍ بمصادرة نصفها تقريبًا وتجميد الباقي، إلا أنه لم يقطع الأمل في العودة إلى البلاد بعفوٍ ملكيٍّ تحت ضغوطٍ شعبية ومن ثم التأثير على القضاء أو اتباع سياساتٍ مباشرة لتعويض ثروته. وهو يقيم في دبي بعد أن باع نادي مانشستر سيتي الذي كان يملكه لمجموعة أعمال إماراتية هناك، ويحمل عدة جنسيات منها جنسية جمهورية الجبل الأسود (المتحدة مع صربيا سابقًا) وله أعمال بها.   ويتنقسم الشعب التايلاندي في الحكم على تاكسين شيناواترا وتاريخه انقسامًا حادًّا يبرر الحالة السياسية والاجتماعية الحالية. والانقسام حول تاكسين شيناواترا هو انقسام جذري ولا يظهر فقط على القشرة السياسية للمجتمع وإنما هو انقسام اجتماعي، بين الشماليين حول ولاية شيانج ماي؛ وهم طبقة من الفقراء والفلاحين الذين استقطبهم تاكسين شيناواترا دعائيًّا على مدى سنوات حكمه بحيث أصبح يمثل عندهم المخلَّص وروبين هود تايلاند الذي كان يأخذ من جيوب الأغنياء المثملة بالنقود ويعطي الفقراء الذين كانوا يعيشون أقصى درجات البؤس في حين كانت بلادهم تعد القوة الدافعة الرئيسية في اقتصاد جنوب شرق آسيا.   والحقيقة هي أن تاكسين شيناواترا لم يكن سوى وجهٍ مقنَّعٍ من الفساد السياسي الشديد واستخدام السلطة في التربح، وتمكن من الإمساك بصنابير التدفق المالي في تايلاند، فلا عجب أن يلقي الفتات للفقراء في شكل مواصلاتٍ مجانية وقروضٍ للفلاحين، وبعض المزايا التي كانت تمثل حلمًا للمطحونين الذين لم يكونوا يدركون مدى حجم الثروة في بلادهم، ودرجة الرفاهية التي يستحقونها بالمقارنة بما يتفضل به عليهم روبين هود تايلاند. وبهذه النظرة الروبينهودية، لا يزال فقراء الجنوب يذكرون تاكسين ويترحمون على أيامه، ولا يثمنون ما تحاول حكومة أبهيسيت فيجاجيفا تقديمه إليهم مهما فعلت. وذلك برغم مواجهة هذه الحكومة لظروفٍ غير عادية من التظاهرات الطويلة في وسط العاصمة بانكوك التي كانت في هذا الوقت من العام الماضي مدينة أشباح، وكانت جماعة أصحاب القمصان الحمراء قد جمدت الحياة في بانكوك تمامًا، وساعدها على ذلك إصرار رئيس الوزراء أبهيسيت على حل المشكلة بدون عنفٍ وبدون إراقة دماء.   بيد أن عناصر في الجماعة الحمراء كانت تصر على توريط أبهيسيت في اتهامات تمكنها من حشد الرأي العام الداخلي والخارجي للضغط على حكومة أبهيسيت للاستقالة. ومن خلف الستار كانت تعبث الأيادي التاكسينية، وعبر التلفزة المباشرة ورسائل الصوت المرئية بالإنترنت كانت تتواصل استثارات تاكسين شيناواترا ووعوده الوردية لأنصاره حين يعود.   وفي العاشر من أبريل الماضي بعد فشل المحادثات المباشرة على شاشة التلفاز بين أبهيسيت ورجال الجماعة الحمراء الذي كانوا يسبونه ليل نهارٍ على منصاتهم في شوارع بانكوك، وهو يمدهم بوسائل العيش وأماكن التجمع والماء والكهرباء، بل ويحميهم من تهديدات جماعة أصحاب القمصان الصفراء ورجال الأعمال بقوات الأمن ويطمئنهم ويملي لهم، انطلقت شرارة الصدام، بسبب نفاد صبر الحكومة والقيام بقطع إرسال قناة "الشعب" التي كانت تبث تحريضات تاكسين ليل نهار، ولم تكن تستقل سيارة أجرة دون أن تسمع اسم أبهيسيت يردد بحدة وغضبٍ مصحوبًا بالسباب. ورغم نفي الطرفين التسبب في الصدام، استمرت التظاهرات والتفجيرات في بانكوك، وهرب السائحون وهربت الاستثمارات وأغلقت المحال والمراكز التجارية الكبرى، واضطرت الحكومة أخيرًا إلى تكليف قوات الجيش والشرطة بفض التظاهرات بالقوة.   وبرغم انسحاب الشرطة أكثر من مرة، وحرق سياراتها وسلبها أسلحتها، لم يُطلق الرصاص على المتظاهرين، وحتى يوم الاقتحام الموافق 19 مايو الماضي لم تستخدم الشرطة الرصاص الحي إلا للدفاع عن نفسها في بعض الأماكن المعزولة وضد مجموعة مجهولة كانت ترتدي قمصانًا سوداء. وانتهت التظاهرات بحصيلة 91 قتيلاً على الإجمال وحوالي 2000 مصاب كان أكثرهم قد أصيب في التفجيرات التي قامت بها الجماعة المجهولة ذات القمصان السوداء.   وفي كل الأحوال لم يتعد حجم المظاهرة خمسين ألف متظاهر، وهو ما يؤكد موقف أبهيسيت الرائع في مقابل ثوار الشمال المتحمسين والمدعومين بأجرٍ يومي قارب المائة دولارٍ من رئيس الوزراء المخلوع الهارب تاكسين شيناواترا.   ومنذ ذلك التاريخ وجماعة أصحاب القمصان الحمراء تتظاهر شهريًّا في العاشر والتاسع عشر من كل شهر لإحياء ذكرى صدامي العاشر من أبريل والتاسع عشر من مايو العام الماضي.   ورغم أن القتلى الذين سقطوا في الصدامات العام الماضي كانوا من الجانبين، ورغم تعويضات الحكومة لأسر القتلى من الطرفين، ورغم إطلاق سراح من تم اعتقالهم من الجماعة الحمراء إلا من ارتكبوا أعمالاً جنائيةً كبيرةً، ورغم جهود لجنة المصالحة الوطنية التي شكلها رئيس الوزراء من أفراد يتمتعون بثقة وصداقة جميع الأطراف، إلا أن الطلب المعلن للمعارضة لم يتغير وهو محاكمة أبهيسيت بتهمة قتل المتظاهرين، والطلب المضمر هو عودة تاكسين شيناواترا بعفوٍ ملكي.   والواقع أن تاكسين شيناواترا قد ارتكب كل الموبقات في السياسة التايلاندية، فهو قد فضل مقربيه في الجيش مما أثار حفيظة قوادٍ كبارٍ في الجيش عليه وسيكونون في مقدمة من يرفض عودته، وقتل 4000 مسلمٍ من مسلمي الجنوب الذي تحتله تايلاند منذ عام 1902 على أنقاض مملكة فطاني الإسلامية المغدور بها، وكانت علاقاته مع ماليزيا بسبب ذلك هي الأسوأ في تاريخ علاقات البلدين، وتلقى اللوم من كافة منظمات حقوق الإنسان على إسرافه في قتل المسلمين، وعلى إفراط الشرطة في القتل بدعوى مكافحة المخدرات، بل إنه قد لا يجد عفوًا ملكيًّا على الإطلاق بسبب ما نسب إليه من دعوته لتحويل تايلاند إلى جمهورية رئاسية يكون هو رئيسها، وما نسب إلى أنصاره من إهانة للملك وهي في تايلاند مما لا يتوقع غفرانه سواء من قِبل القصر الملكي لأقدم ملكٍ معاصرٍ وهو الملك بومبيبول أدوليادج (83 سنة) منذ 9 يونيو عام 1949، ولا من قِبَل التايلانديين السيام البوذيين الذين ينظرون إلى الملك الثابت الوحيد في السياسة التايلاندية على أنه رمز وجود المملكة الذي عاصره أكثر من نصف التايلانديين منذ الولادة، وهو عندهم كأنصاف الآلهة في العقيدة اليونانية القديمة. والواقع هو أنه ملكٌ محترمٌ فعلاً وله أيادٍ بيضاء على المجتمع التايلاندي ولا تخفى تدخلاته التي جنبت التايلانديين الكثير من العناء.   كانت تلك هي آثار مطرقة أصحاب القمصان الحمراء على قرارات الحكومة التايلاندية المتجهة نحو الاستقالة، فما هي آثار سندان جماعة أصحاب القمصان الصفراء؟ ولماذا انقلبت على الحكومة وقد دعمتها في البداية وساعدت في تشكيلها؟ ولماذا لن يدخل حزبها الوحيد الانتخابات بعد شهر ونصف من الآن؟ وهل يتوقع نجاح حزب التاكسينيين وعودة تاكسين شيناواترا لقلب الطاولة من جديد؟ وما تأثير ذلك على مستقبل تايلاند والحرب الكمبودية التايلاندية؟ أسئلة كثيرة تعج بها أروقة السياسة التايلاندية. ------------ * خبير في الشئون الآسيوية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل