المحتوى الرئيسى
alaan TV

رضا حماد يكتب: نفذ الكنز وعادت مصر لمكانتها ومكانها

05/06 16:15

حتماً ستعود مصر لدورها بعدما ألقت إلى مزبلة التاريخ من كانوا كنزاً استراتيجياً لإسرائيل وأنظمة عربية ازعم أنها دفعت لمبارك ثمناً باهظاً نظير شراء الدور أو تأجيره على طريقة "التايم شير".دلائل عودة الدور المصري فاجأت الكثيرين يوم الإعلان عن إتمام المصالحة الفلسطينية، فقد حدث ذلك في وقت لا تزال قوى الثورة المضادة داخلياً وخارجياً تتآمر دون كلل لإجهاض ما يحلم به المصريون لبلدهم ومستقبل أبنائهم.لذلك يصح القول بأن التحول الذي حدث بعد 25 يناير ليس ثورة محلية على مبارك وآل حكمه، بل زلزالاً إقليمياً، أزعم أن الجميع تفاجأ به وأن كثيرين لا يريدون له أن يكتمل وينجز مشروعه الوطني، وبالتالي فمن واجبنا أن ننتبه إلي هؤلاء، ونعول على قدراتنا الذاتية لصناعة مستقبل جديد يصل حاضرنا بماضينا ويبني للمستقبل.ما من شك في أن الدور المصري قد سرق طيلة العقود الأربعة الأخيرة أو جرى تأجيره للدولة الصهيونية وبلدان عربية تظن أن تمددها يجب أن يكون على حساب الدور المصري لا إلى جواره، ومن فضائل الديمقراطية أن تكشف إسرائيل عن أن مبارك كان كنزاً إستراتيجياً لمصالحها الحيوية، بينما تحول نقائص ومفاسد الديكتاتورية وحكم الأفراد والعائلات دون خروج مسئولاً سعودياً ليعترف بأن مبارك كان كنزاً إستراتيجياً للمملكة بما قدمه لها من خدمات جعلتها تتمدد على حساب الدور مصري.لقد حدث تحول كبير في معايير قياس قوة وتأثير الدول فلم تعد القوة العسكرية أو الكثافة السكانية والمساحة الجغرافية مقياساً لقوة دولة أو درجة تأثيرها وهناك دول تمتلك من عناصر تلك القوة الكثير، لكنها لا تزال شديدة التخلف بلا تأثير في محيطها الإقليمي، وخذ عندك نموذج كوريا الشمالية أو باكستان ، إنها لا تزال تعيش خارج التاريخ برغم آلتها العسكرية الرهيبة، ثم خذ بالمقابل دول مثل اليابان أو سنغافورة أو ماليزيا، كيف صنعت نموذجاً وباتت مصدر إلهام لكثير من الشعوب والأمم الناهضة رغم أنها بلا موارد.لا أفضل استحضار النموذج الإسرائيلي للتدليل على التقدم فهذا كيان استيطاني توسعي عنصري، ومع ذلك يحزنني القول بأن قوة إسرائيل وتفوقها علينا على الأقل ليس مصدرها الآلة العسكرية أو الدعم الأمريكي بل إن عناصر القوة الحقيقة تظهر في الاقتصاد الناهض وحسن إدارة الموارد البشرية ومستوى الحياة.مع كل ذلك فعوامل الجغرافيا والتاريخ أبقت دور مصر حاضراً ومطلوباً حتى وإن تراجعت المكانة أو غُيبت عن الفعل والتأثير الظاهر في السياسة، فمعطيات الدور المصري عبر التاريخ تتجاوز ذلك التأثير إلى آفاق أوسع، ففي بداية القرن الماضي، كانت مصر تعيش بين شقي رحى الاحتلال والملكية، ويعاني شعبها الفقر والجهل، مع ذلك بقيت شعلة للتنوير فسبقت الجميع في الانفتاح على الحضارة الغربية، فكانت جامعة القاهرة قبلة كل العرب وكان طه حسين والعقاد وأحمد لطفي السيد وسيد درويش، السينما والمسرح نجيب الريحاني ومصطفي مشرفه.وقد بقي هذا الدور حاضراً في ذاكرة المصريين ورغم حالة التردي البشع الذي عاشته مصر خلال العقود الأربعة الأخيرة ، وأعتقد أن أحد المشكلات الكبرى التي واجهها المصريون خلال هذه الفترة هو إصرارهم على أن يعاملهم العرب باحترام وتقدير يليق بدور مصر ومكانتها، بينما ظن كثير من العرب أن هذا الدور كان شيئاً من الماضي وأن على المصريين أن ينظروا إلى واقعهم حيث العشوائيات والتخلف والفساد، لذا تبدو العلاقة مشحونة بالتوتر والسخرية والشماتة التي يظهرها بعض العرب حينما تواجه مصر مشكلة أو صعوبات تظهر الواقع الفاسد وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الأزمة الأخيرة مع الجزائر، أو أزمات داخلية تطال رغيف العيش أو الغاز أو المياه.   لقد ظهر التناقض بين شعور المصريين بدورهم وتقدير الآخرين لهذا الدور بعد التحولات الاقتصادية التي اضطر معها ملايين المصريين للهجرة للخليج، واستطاعت بعض دول الخليج أن تنجز نمطاً للحياة العصرية يستند إلى بنية تحتية متطورة، بينما بقيت مصر رهينة لنظام فاسد وحاكم أهان كرامتها وقرر أن يبيع دورها وأبناءها ومكانتها لمن يشتري.هناك في الخليج حيث كثير من العمالة المصرية أقل كفاءة وأسوء تعليماً، مقارنة بمنافسيهم في سوق العمل، لم يجد المصريون سوى التفاخر بمكانة مصر ودورها التاريخي للدفاع عن واقع مرير لم يشاركوا في صنعه، وكلما أكثر المصريون من التفاخر وألحوا عليه كلما زادت الشماتة والسخرية أحياناً، ناهيك عن أن هناك مؤامرة مكتملة الأركان لاستلاب الدور المصري لحساب أطرف باتت لها اليد العليا في المنح والهبات والاستثمار وفتح أبواب العمل أمام العاطلين المصريين من الفقراء عديمي الكفاءة الذين لا ينشرون ثقافة ولا يصنعون تأثيراً، بل على العكس هم الأقدر على نقل ثقافة الكفيل وارتداء جلبابه وإطلاق لحيته.صحيح أن إقامة دولة القانون وتأسيس مصر الديمقراطية الحرة سيكون نموذجاً مبهراً وملهماً يعيد للأمة المصرية مكانتها وتأثيرها الإقليمي والدولي  إلا أن التركيز على الشأن السياسي دون العمل على خلق تنمية اقتصادية أساسها التكنولوجيا العصرية وتغيير نمط حياة المصريين سيجعل هذا النموذج باهتاً أشبه بالحمل الكاذب والحلم الكاذب.لذلك علينا أن نبني مصر جديدة تتعافى من عثرات الماضي وتقود المنطقة ليس بقوة الجغرافيا والتاريخ وحسب بل بعظمة الإنجاز الحضاري لدولة مدنية، ديمقراطية عصرية، وباقتصاد قوي ونموذج يحتذي للتنمية، علينا أن نبيي مصر المطلوبة لا مصر الطالبة المستجدية، اللاهثة وراء دعم هنا ومعونات هناك، مصر التي تقود ليس لأنها راغبة في القيادة بل لثقة الآخرين في نزاهتها وحرصها على المصلحة العربية قبل مصالح الحكام والأمراء، مصر الدكتور نبيل العربي الرجل الكفء الذي ينجز في صمت وتواضع، لا مصر أبو الغيط الفاشلة المتكبرة رغم ضعفها وهوانها.إن لم ننجز مصر الناهضة في الاقتصاد ونمط الحياة، النابهة في العلم والثقافة والفنون لن نستعيد الدور الغائب حتى وإن أنجزنا تحولاً ديمقراطياً، فالتنمية الاقتصادية والمجتمعية هي الكفيلة بخلق مصر النموذج، كذلك علينا أن نتخلص من أثقال حقبة تاريخية فاسدة ومفسدة وعلى رأسها التفاخر بدور صنعته الجغرافيا والتاريخ،  ونعي بأن الدور هو ما نصنعه نحن بسواعدنا، فحينما تكون مصر قوية عسكرياً واقتصادياً، ومتماسكة اجتماعياً وسياسياً، واثقة في التقدم نحو المستقبل ستكون هي القائدة الرائدة برغبة الآخرين.وأخيراً اعتقد أن إخواننا في الخليج وبالأخص العربية السعودية كانوا قصيري النظر عندما حاولوا سرقة الدور المصري، أو الحط من شأنها برضا نظام مبارك وصمته وتواطئه أو بمحاولة الالتفاف على الثورة بقفازات من حرير، فمصر القوية هي الوحيدة القادرة على التقليل من النفوذ الإيراني، مهما فعلت السعودية لن يمكنها تعويض هذا الدور.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل