المحتوى الرئيسى

واشنطن وبن لادن معا في هوة بحر العرب

05/06 12:57

حسام عبدربه لم تغب فقط جثة بن لادن في عمق بحر العرب، حسب رواية واشنطن، بل غابت أيضا القيم الأمريكية في هوة عميقة: غابت تقاليد الحفاظ على الحياة الإنسانية وأصبح القتل العمد بدم بارد لكل البشر في مسرح تنفيذ العمليات المسلح منهم والأعزل مثالا للبطولة؛ وغابت أحكام القضاء واحتل الساسة مقاعد القضاة، وأعدوا المحاكمات الغيابية ونفذوا أحكام الإعدام بل وأثنوا على فرق تنفيذ الاغتيالات، وغابت قيم احترام الموتى ودفنهم بطريقة لائقة لمبررات لا تقنع عقلا ولا ترق إلى بديهة. ويبدو أن طقوس رقص بعض الجنود الأمريكيين حول الجثث، والتي تتبعنا تفاصيلها في العراق وأفغانستان، هي مبدأ أمريكي معتمد في التعامل مع جثث الآخرين. إن المشاهد الأخيرة للصراع بين العاصمة الأمريكية وزعيم تنظيم القاعد مفعمة بمغزى عميق ومشاعر فياضة وانفعالات لا تعرف حدا: قتل بن لادن بدم بارد والتخلص من جثته بإلقائها في بحر العرب من على متن حاملة طائرات أمريكية؛ وإباحة قتل مدنيين بطريقة بشعة، شاهدنها في الصورالتي تسربت، عبر إطلاق الرصاص بدقة بالغة على الرؤوس التي غرقت في بحور الدماء؛ صورة وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، وهي تضع يدها على جبهتها من صدمة وهول ودموية ما شاهدته أثناء نقل الأقمار الصناعية لتفاصيل الهجوم الأمريكي لحظيا على منزل بن لادن. المشهد بأكمله يبث رسالة واحدة: واشنطن وبن لادن سقطا في الاختبار. لم يرق أداء أي من الغريمين إلى ما يقنع الجمهور ويرضي الضمير. خسر القاتل والمقتول معركة القيم، ولعل خسائر القاتل أكبر لأن الفرصة أتيحت له لإيجاد فاصل بين تطرف الأفراد والتنظيمات من ناحية، وبين تطرف الدولة من ناحية أخرى، فأضاعها وسقط في الهوة العميقة. حتى مظاهرات الفرح والصراخ في الشارع الأمريكي لاغتيال بن لادن صارت ساحة لمعركة القيم. لم يتصور أحد أن يعترض جانب من المجتمع الأمريكي على الاحتفال بموت إنسان. وبالفعل بثت شاشات التلفزة العالمية هذا السجال، وأعربت امرأة أمريكية في إحدى اللقطات عن إحساسها بالذنب. وتابعنا آراء في مواقع الكترونية أمريكية تنتقد "الابتهاج لموت إنسان.. حتى لو كان عدوك". وذهب البعض خطوة أبعد، ودعا إلى إيقاد الشموع على أرواح مئات الآلاف من ضحايا هذا الصراع في نيروبي وتنزانيا واليمن والعراق وأفغانستان وواشنطن ونيويورك وغيرها بدلا من الرقص في الشوارع والغرق في مشاعر الكراهية. لقد سقطت الإدارة الأمريكية في فخ بن لادن، واتبعت ذات القيم والنهج: إذا أردت أن تقتل شخصا.. لا بأس من أن تقتل معه آخرين؛ لا مبرر لمحاكمة أي شخص.. حاكم من تريد غيابيا.. وأصدر أحكام الإعدام وتول تنفيذها؛ لا تقم وزنا للحياة من حولك.. بل حقق أهدافك وإن كانت الجريمة والموت سبيلا. إن الصراع بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة لن يتوقف، وستتوالى الضربات من الجانبين، جريمة هنا وأخرى هناك، قتيل هنا وآخر هناك. ستكون المشاهد القادمة أكثر دموية، ولكن المشاهدين باتوا على قناعة أن المتصارعين خرقوا القانون الإنساني، وبات عليهم مغادرة الحلبة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل