المحتوى الرئيسى

لمْ تعدْ هناك أسئلة مؤجّلة

05/06 09:08

بقلم: محمد برادة 6 مايو 2011 08:57:03 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; لمْ تعدْ هناك أسئلة مؤجّلة حركاتُ الانتفاض والتغيير التى تعيشها المجتمعات العربية فى المرحلة الراهنة تستدعى التفكير ومُعاودة التحليل، والتقاط ردود الأفعال، والابتعاد عن الأحكام الجاهزة، والعزوف عن التشاؤم أو التفاؤل، تـوخيا للوصول إلى تصوّر يربط التحولات بسياقاتها وأبعادها التاريخية ــ الاجتماعية، ويصوغ لها دلالات مُنغرسة فى عمق التـُّربة العربية... وأظن أن أول ما يجب أن نـتـذكـره هو عناصر ثلاثة تأخذ طابعَ البديهيات:1 ــ رفضُ الاستبداد والحكم الفردى انطلاقا من ثورتىْ شعبىْ تونس ومصر، هو أمر حتمـىّ طالما انتظرناه وتوقـّعناه، لأن الإستراتيجية التى اعتمدتها الأنظمة ُالعربية منذ خمسين سنة، على الأقل، هى إستراتيجية واهية تسعى إلى «تجميد» الأوضاع، ومصادرة الدولة، واستغفال المواطنين بأيديولوجيا تلفيقية تزعم ثباتَ الأحوال والقيم، وتهدف إلى إعادة إنتاج أنموذج المواطن الرعية الخاضع للطاعة العمياء... لكن مـا نسيته الأنظمة أو تناستـْهُ، هو أن هناك قانون «الحركة» الذى يسرى على كل البلدان والـعبــاد، فيُخلخل الثابت ويــُنبـّه الوعى، ويـُسعف على تكسير القيود. هذه «الحركة «الحتميـة هى التى مــدّتْ جــسورا بين الأمم والمجتمعات، وأتاحت للعلم أن ينشر أنواره ومنجزاته فى كل الأصقاع. ومن ثـمّ مصــدر التناقض الكبير الذى يـُودى بجميع الأنظمة والأنساق التى تتوهـّم أن بإمكانها أن تقـف فى وجه الحركة، وأن تـتمترس وراء الـثـبـات.2 ــ مــُبادرة الشباب، أساسـا، فى جميع الأقطار العربية إلى التعبير عن ضرورة تحـريــر المجتمع وتخليصه من الاستبداد، هى استحصاد واستثمار لحركـات ومواقف ومقاومات سابقة، عبرت عن غضبها ورفضها فى فترات متباينة، وفى أشكال مختلفة (مظاهرات،احتجاجات،أدب، فـن، سينما، مسرح، مدونات إنترنت...). لكن هذه الانتفاضة الجديدة التى قادها شباب تونس ومصر، تتميز بكونها استخدمتْ الوسيلة الفاعلة والطرائق الملائمة، فاستطاعت أن تـقـفـز على أجهزة القمع وأن تبلغ صوتها ومطالب الشعب من خلالها إلى مجموع كيان الأمة ؛ وهذا معناه أن الشباب عـرف كيف يـُنضج الشروط لإطلاق شرارة الثورة والبدء بإسقاط الحكـّام الطغاة. وهذا عمل تدشينى لم تستطع الأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها، أن تضطلع بـه.3 ــ كشف انطلاق الانتفاضات التـغـيـيـرية فى معظم البلدان العربية عن « تـفـاوت» شروط النضج ودرجة الوعى فى المجتمعات العربية. وقد انعكس هذا «التفاوت» على سرعة إنجاز المرحلة الأولى من التغيير، كما هو الحال فى ليبيا واليمن وسـوريا والبحرين؛ ذلك أن عوامل خصوصية فى التـّركيبة الاجتماعية، ومستندات النظام القبلية أو العشائرية أو الطائفية، برزتْ لتحاول تعطيل التغيير الذى يمس مصالحها ويضع حدا لحكمها المـُتسلط. من ثمّ ما نشاهده من لجوء هذه الأنظمة إلى العنف والقتـل والتدمير، غير متورعة عن محاربة شعبها الرافض لاستمرارها. إلا أن «مقاومة» تلك الأنظمة اليائسة لن تـؤول إلا إلى زوال، لأن قوى المجتمعات مصممة على التحرر والوصول إلى نظام ديمقراطى، ولأن هذه الجرائم تؤكد ضرورة التخلص من الاستبداد الذى لا يقود إلا إلى الخراب.على ضوء هذه الملاحظات، تـُطالعنا أسئلة مـُلحة، تأخذ فى الاعتبار هذه الحصيلة الأوليـة لثورات المجتمعات العربية، بما تنطوى عليه من جوانب إيجابية وأخرى لا تخلو من عناصر سلبية متولدة عن عقود طويلة من الحـِجْر والوصاية، والأدلجة الجوفاء. فى طليعة تلك الأسئلة: هل يكفى الرفض والفضح والمطالبة بالمحاسبة والنزول إلى الشارع لإسقاط الأنظمة المهترئة، أم أن رهان التغيير هو مرتبط أيضا، وبـِـتـأنٍ، مع بلورة وسائل ملموسة لـتـغـيـير السلطة والمؤسسات الحامية لقوى الاستبداد والنهب؟ بعبارة أخرى، كيف تتحول قوى الشباب وفئات المجتمعات العربية الواسعة الطامحة إلى التغيير، إلى قوى سياسية تقف فى وجه الهيئات والفئات التى تعارض التغيير وتعرقله، لتجعل من الصراع الديمقراطى الوسيلة الأساس للتغيير؟ ذلك أن الدفاع عن مبدأ الديمقراطية يستدعى القبول بالنتائج التى ستفرزها الانتخابات؛ وهو ما يفرض على القوى التغييرية الجديدة أن تبادر إلى تنظيم صفوفها ليظلّ زمام المبادرة فى يدها.والسؤال الثانى يتصل بأفق التغيير، لأننا نعلم أن القيم والممارسات والسلوكات التى رسّختـْها فتراتُ الاستبداد قد تغلغلتْ إلى طبقات واسعة، وأصبحتْ تـُشكـّل جزءا من المتخـيـّل الاجتماعى المـُؤثر فى بلورة القيم، ومن ثمّ ضرورة صوغ إستراتيجية سياسية وثقافية لها أفق مـُغاير للمرحلة السابقة التى طبعها متخيل وطنى ــ دينى استنفد مفعوله خلال مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال ولحـِقـَتـْهُ التشويهات على يد الأنظمة الاستبدادية...وما يـطرح نفسه بقوة، راهـنـا، هو مأسسة متخيـّل اجتماعى يتشيـّد على قيمٍ تأخذ فى الاعتبار البـُعد التاريخى ــ الاجتماعى، وينقلُ المقاييس من أفق التعالى وتعاليم السماء إلى أفق المـُحايثة الأرضية والاتكاء على الحاجات اليومية الملموسة، ورمزية الأبعاد التى تلحم الفرد بالمجتمع، وتحدد علائق المجتمع المدنى بالدولة. وبطبيعة الحال، عندما يبدأ التفكيـر فى التغيير العميق على هذا المستوى، فإن من واجب الشباب أن يتذكر التراث الثورى، فكرا وممارسة، المتحقق على يد أجيال سابقة ومعاصرة، إذ ليس هناك ثورة تبدأ من الصفر. والسؤال الثالث، يتعلق بالحداثة التى كثيرا ما راودتـْها «النهضة العربية»، منذ نهاية القرن التاسع عشر، دون أن تتمكـّن من تحقيقها فى جدليةٍ مـُتكاملة. وأميز هنا بين الحداثة والتحديث، وأركز على الحداثة فى وصفها مفهوما مجتمعيا ــ ثقافيا،وأداة للنقد والمساءلة والمراجعة. إنى أميل إلى اعتبار الحداثة رحما للأزمنة الحديثة التى تـتـّسـمُ بـ«الحركة واللايقين»، أى أن التغيرات الكثيرة التى عرفها العالم منذ الثورة الصناعية والرأسمالية وصولا إلى الثورة التقنيـة والرقميـة، كانت دوْما مصحوبة باهتزاز المقاييس والشك فى ما يتحقق، والبحث عن طرائق تتيح للإنسان أن يعيش فى أمان داخل دوامة التحولات المتسارعة، المخيفة. ومن ثم، فرضت الحداثة العقلانية والصراع الديمقراطى وبلورة أفق جديد لقيم كونية تـُعيد الاعتبار للإنسان المهدد فى كل حين. وأعتقد أن على المجتمعات العربية، وهى تخوض غمار الانتفاض ضد الاستبداد والطغيان والفساد والظلم، أن تطرح جميع الأسئلة المتصلة بالتغيير واستيعاب الحداثة المحررة للعقل والجسد والمواطن؛ وهو المنطلق الذى يعتبر أن «الحركة» سيرورة تتمُّ فى الداخل والخارج معا، ولذلك لا مجال لتجزئ الأسئلة أو إرجائها، لأن الأبعاد الكونية تـُفـرز قضايا مشتركة تهمّ الجميع ( العولمة، تدهور البيئة، تعاظم العنصرية والفاشيشتية اليمينية...)، وهو ما يستدعى أن نتحمل مسئوليتنا أيضا فى مناقشة مجرى التاريخ الحديث الذى أصبحنا ننتمى إليه بفضل ثورات الشباب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل