المحتوى الرئيسى

تعلم أن خبراء المال لا يعرفون كيف يستثمرون أموالهم؟

05/06 09:05

سعيد بن على العضاضي تعد الأزمات المالية الفردية من أكبر المعوقات التي تواجه الناس وتحول بينهم وبين الاستمتاع بمباهج الدنيا الحالية، وعندما تتفاقم فإنها تسبب الكثير من الأمراض النفسية والعضوية. فقلة ما في اليد بسبب سوء إدارة الأموال تجلب الأرق وعندما يحل الكرى ضيفا ثقيلا على الإنسان فلن تسكن نفسه، ويظل شارد الذهن، محطم الأعصاب، مشدود الضمير، يحفل بالصغير وبالكبير. وقد ثبت بالفعل أن الضائقة المالية والعوز من الأسباب الجوهرية لبعض الأمراض العضوية كالصداع المزمن، وآلام المفاصل، وداء السكري، وضغط الدم، وتضخم الغدة الدرقية، بل إن الأزمات المالية قد تصيب الإنسان بآلام لم تخطر له على بال كآلام الأسنان. والإنسان الذي لا يعرف كيف يواجه الأزمات المالية ولا يستطيع التكيف مع التقلبات الاقتصادية، قد يقضي غالبية حياته في قلق دائم وجحيم مقيم، فتدنو طموحاته، وتتبدد آماله، ويفقد طعم الحياة الجميل، وعندما يقرب من خريف العمر يرى أنه قد فاته الكثير وأنه دخل الحياة متسللا وسيخرج منها متسللا. لذا علينا جميعا أن نعرف كيف ندير أمولنا مهما كانت صغيرة، وكيف نتكيف مع الظروف الاقتصادية مهما كانت قاسية، فهناك آليات ستعيننا على المحافظة على ما بأيدينا من أموال، وتجلب لنا المزيد منها، وبذا نكون في مأمن من الأزمات المالية، بل إنها قد تدخلنا نادي الأثرياء إن تحلينا بالصبر وأتقنا آليات العمل بها. فالمهم ليس مقدرا المال الذي تملكه، بل طريقتك في إدارته واستثماره. إلا أن سلوك الفرد في إدارة أمواله معقد بعض الشيء، فالبعض لديهم معتقدات خاطئة وقناعات مغلوطة عن فلسفة المال ووجوده بين الناس. فعندما تنصب الأموال كالشلال في يد البعض تفسر أحيانا بأنها نتاج سلوك مشين أو انحراف مالي مهين أو تجرأ على المال العام. البعض الآخر يفسرها بأنها ضربة حظ قد تأتي مبكرا، وقد تأتي متأخرا، وقد لا تأتي أبدا. ويظل هؤلاء يترقبون يومهم وغدهم ويقرؤون كفوفهم لعل هناك بارقة أمل تجلب لهم الحظ السعيد وتأتيهم لهم بالكنوز. وكل هذا ضرب من الخرافة والوهم، فالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأقوال المأثورة، وتجارب الحكماء، وأصحاب الثراء، لا يؤمنون بها ويرون أن المال لا يأتي إلا بالعمل الجاد، والتخطيط السليم، والصبر الجميل، وشيء من الحظ والحظ لا يأتي إلا مع الصبر. كما أن تنمية الأموال والتغلب على الأزمات المالية ــــ أو بمعنى أدق تحاشي الوقوع فيها ــــ تحتاج إلى نهج الطريق العلمية لإدارة الأموال الشخصية والتعود على بعض السلوكيات المالية. والسؤال الآن: أين نجد هذه القواعد وتلك الآليات التي تمكننا من إدارة أموالنا البسيطة والمحافظة عليها؟ فالاهتمام كل الاهتمام منصب على إدارة واستثمار أموال الشركات، وأما أموال الأفراد فلم تأخذ نصيبها من البحث والدراسة لأسباب لا يتسع المكان لذكرها. فالنظريات والنماذج التمويلية والمحاسبية صممت للإفادة منها في مجال الشركات والمؤسسات فحسب، أما ذلك المتعلق بالأفراد فنادر وجودها. وكأن كليات الأعمال صممت برامجها من حيث لا تدري على تمكين المنظمات التجارية من المستهلك الفرد وتجريده من كل شيء والحرص على إبقائه جاهلا بكيفية إدارة موارده لأن تثقيفه يصعب على الشركات اقتناصه. كما أن الصحف والمجلات والدوريات المتخصصة ومصادر المعرفة الأخرى تحذو حذو البقية ولم تقدم للفرد في هذا الجانب شيئا مذكورا. فكل ما تفعله لا يتعدى نقل آراء بعض الخبراء في كيفية إدارة أموال المنظمات الضخمة والمؤسسات المالية العملاقة وتُوقد لجدل عقيم عن أسباب ارتفاع أسهم الشركات أو انخفاضها وأثر السيولة ومقدار تكلفة رأس المال وغيرها من المصطلحات التي لا تجد فيها ما يروي ظمأك كفرد عن كيفية إدارة أموالك والمحافظة عليها. والمضحك أن أولئك الذين يتولون التحليل المالي يخفقون في إدارة واستثمار ما لديهم، بينما تجدهم يقدمون المقترحات ويجندون النظريات لتخليص الشركات من عثرتها. كما أنني لم أرَ ولم أسمع عن أي مؤسسة تعليمية حتى في الدول المتقدمة تقدم دروسا لعامة الناس عن كيفية إدارة الأموال الشخصية للأفراد ما عدا بعض الدورات التدريبية الهزيلة التي تعقد على هامش البرامج الأكاديمية عندما تحل بالناس كوارث مالية كتلك التي تعقد بعد انهيار سوق الأسهم. لذا نريد من مراكز البحوث في الجامعات والجمعيات العلمية والدوريات أن تحفز المتخصصين في مجال المال والأعمال على تطوير نماذج تفيد الناس ـــ عامة الناس ـــ عن كيفية إدارة أموالهم والتغلب على أزماتهم، وهذا يحتاج إلى نقل تجارب واقعية وإجراء بحوث ميدانية تؤصل على شكل نماذج ونظريات يستفيد منها كل من أراد أن يدير أمواله الشخصية ويتجنب الوقوع في الأزمات المالية. ولا ننكر أن هناك بعض المحاولات لتكييف بعض نماذج إدارة أموال الشركات كي تناسب إدارة أموال الأفراد، إلا أن الفائدة منها محدودة. * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل