المحتوى الرئيسى

الوقف الأعمى

05/06 08:04

يجب ألا ننسى أن «بيرلسكونى»، رئيس وزراء إيطاليا، رجل أعمال من الطراز الثقيل، وأنه يملك محطات تليفزيون، وأندية رياضية، وشركات بلا عدد، ويتولى فى الوقت ذاته رئاسة الحكومة، بما يعنى أنه يجمع بين السلطة والثروة، ومع ذلك فإن أحداً لم يخرج فى بلاده، ليقول إن الجمع بينهما لا يجوز، لأنه خلط بين الثروة والسلطة، كما كان الأمر قائماً عندنا فى أثناء حكومة أحمد نظيف! كان عندنا فى تلك الحكومة ستة رجال أعمال، على رأس ست وزارات، وكنا نصرخ طول الوقت، ونقول إن رجل الأعمال عندنا، إذا كان لابد أن يتولى موقعاً فى الدولة، فليست هناك مشكلة، بشرط أن يكون هناك فصل حاسم، وواضح، بين ثروته وإدارتها، ودورانها فى الأسواق، وبين سلطته التى يملكها فى يديه.. ولم يكن أحد يسمع أو يهتم، وإذا سمعوا أو اهتموا فإنهم كانوا يقولون إنهم سوف يفكرون فى نوع من الفصل المطلوب بين الشيئين، ولم يكن شىء يتم، وقد ظل الخلط قائماً إلى أن حدث ما حدث، وخرج الجميع متهمين، مع أنهم كانوا منذ البداية قادرين على تجنب أى خلط من أى نوع! وقد كان يكفى وقتها أن يسألوا إيطاليا ـ على سبيل المثال ـ عن الطريقة التى استطاعت بها أن تقبل وجود رجل أعمال بحجم «بيرلسكونى» على رأس حكومتها، دون حرج، ودون خوف، ودون استهلاك الوقت، والجهد، والطاقة، فى الكلام عن الحدود الفاصلة بين سلطته وثروته. وكنا نسمع فى كل وقت فى أيام حكومة نظيف عن أنهم خارج مصر، فى إيطاليا وغيرها من البلاد المتطورة، يعرفون شيئاً اسمه «الوقف الأعمى»، وهو يعنى أن أى رجل أعمال يستطيع أن يتولى أى موقع من مواقع المسؤولية فى بلده، ويستطيع أن يخدم بلده فى مواقع العمل العام، مادام راغباً فى ذلك، وقادراً عليه، وليس مطلوباً منه فى حالة كهذه، إلا أن يعهد بإدارة ثروته إلى إدارة مستقلة تماماً، لا يعرفها، ولا تعرفه، ويكون ذلك كله تحت إشراف الدولة، وأمام عينيها، لأنها هى التى يجب أن تحرص على ألا يقع أى خلط بين ثروة رجل الأعمال، وبين حدود مسؤوليته فى العمل العام. وقد كانت هذه العملية، ولاتزال، تسمى لديهم «الوقف الأعمى»، وهو اسم على كل حال يعبر عن حقيقة ما كنا نريده، عندما كان عندنا رجال أعمال فى السلطة. والشىء الغريب أن الصحف المصرية وصفت حكومة أحمد شفيق، حين تشكلت بعد حكومة نظيف، بأنها «حكومة بلا رجال أعمال».. وكأن مسمى رجل الأعمال شتيمة فى حد ذاته، أو كأن وجوده فى الحكومة، من الناحية المجردة، عيب، ولم يكن المسمى شتيمة فى أى وقت، ولا كان وجود صاحبه فى أى حكومة عيباً على أى مستوى، ولكن المسألة أن التجربة ـ أقصد تجربة وجود رجال أعمال فى مناصب عامة ـ مسألة عادية للغاية، حين نأخذها بضوابطها، ومعاييرها، ومقاييسها المتفق عليها، كحزمة واحدة، وهو ما لم يحدث طبعاً! أخذنا التجربة على مزاجنا، وتركنا ضوابطها، فكان ما كان!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل