المحتوى الرئيسى

تأملات فى جيفارا إسلامى (2)

05/06 08:04

فى أكتوبر الماضى كتبت مقالاً عن بن لادن تحت عنوان «تأملات فى جيفارا إسلامى»، واختتمت المقال بأن مأزق مشروع بن لادن أنه «يركز على الموت أكثر مما يركز على الحياة، ولهذا قصة سأعود إليها إذا سنح لنا الوقت»، وها قد حان وقت الحديث الكونى عن «أسامة.. والموت»، وفى رأيى أن كل ما فعله أوباما هو إعلان خبر معروف مسبقاً، حتى إن أسامة نفسه كان يعرف خبر موته منذ سنوات، ولهذا قصة أخرى حقيقية لا تغيب عن ذاكرتى أبدا، فذات صباح فى منتصف السبعينيات جلس الشاعر المتفرد نجيب سرور على مقهى ريش، وأخذ يقرأ للجالسين خبر موته المنشور فى إحدى الصحف البيروتية، وعندما طالبه أحد الجالسين بمقاضاة الصحيفة وتكذيب الخبر، قال بجدية: وكيف أكذبه إذا كان الخبر صحيحاً إلى حد كبير!،  وهكذا تحدث سرور عن فكرة الموت قبل الموت، فقد مات بن لادن سياسياً، لأن مشروعه العسكرى أخفق فى تقديم نموذج للحياة، ولاشك أنه أدرك أن نهاية المطارد لابد أن تكون رصاصة، وقد أكد أسامة غيابه بنفسه حيث لم تظهر صورته منذ 8 سنوات كاملة، ولم يخرج صوته منذ عامين، وفى آخر رسائله اهتم بتبرير غيابه لفترة طويلة، وتحدث عن المطاردات الأمريكية التى تتبعته فى أماكن كثيرة قائلا بالنص: «لقد أصابنا بعض الظلم بمنعنا من الحديث مع المسلمين، ومطاردتنا فى باكستان والسودان وأفغانستان، مما أدى إلى هذا الغياب الطويل»، ولا أدرى هل تابع بن لادن مشاهد الثورات الشعبية العربية التى قدمت نموذجاً مبهراً للتغيير السياسى أم لا؟  وهل صارح نفسه بإخفاق مشروعه السياسى والأيديولوجى المسلح فى إنجاز ما حققه شباب العرب فى مظاهرات «سلمية.. سلمية»؟ هل استشعر الشيخ أسامة أن تنظيم «القاعدة» الذى أسسه فى أواسط التسعينيات الماضية أخفق فى تقديم إجابات إنسانية ملموسة لأزمات العالم الإسلامى والعربى؟ بل إنه كرس كراهية الغرب للمسلمين، ومنحه مبررا للحرب فى أراضينا وتجنيد قادتنا وأجهزتنا وميزانياتنا تحت شعار «الحرب ضد الإرهاب». طبعا لا يمكننا الآن الحصول على أجوبة من بن لادن، لكن بالإمكان تأمل الحالة وفق علوم الدراسات النفسية والإنسانية، خاصة ما يتعلق بالتأثيرات التى تصيب شخصية المطارد المطلوب، والشخص المتخفى لسنوات طويلة، لا شك أن النهاية أياً كان شكلها تشكل مخرجاً من المأزق وإحساساً بالراحة والخلاص، وهو ما تبدى من تخلى بن لادن عن احتياطات الأمان التى كان يتبعها فى السنوات الأولى للمطاردة، حتى يبدو وكأن المقاتل العنيد ينشد النهاية ويلتمس استراحة نهائية للمحارب، وهو ما تحدث عنه متخصصون فى دراسة نماذج من أشهر وأذكى السفاحين فى العالم بأنهم كانوا فى النهاية يتركون للشرطة ثغرات تقود إليهم، ليس بشكل متعمد ولكن فى إطار مناورة ذهنية، تتم تغطيتها بمبررات شكلية تتعلق بالثقة، أو التذاكى، أو الارتكان، أو التراخى والاستهتار بالخصم، ربما لأن اللعبة طالت، وأصبحت مضادة للحياة الطبيعية، وهذه الكلمة هى سر الأسرار، فالحنين للحياة الطبيعية يشكل ضغطاً على أى شخص حتى إنه فى لحظة قد يضحى بحياته نفسها لأنها أصبحت «مسخاً» غير طبيعى، وهذا يذكرنى بما كتبه الروائى الفرنسى المثير للجدل ميشيل أولبك فى روايته «جزيرة محتملة» على لسان النسخة 25 من بطله المستنسخ دانييل الذى يقول (لم أعد أشعر بأى كراهية تجاه أى شخص أو أى شىء، لكننى أيضاً لم أعد أشعر بأى انجذاب لأى شخص أو أى شىء، ولم يعد هناك من شىء أريد أن أتمسك به، ربما لأننى لا أرى أمامى أى معالم واضحة أو مؤشرات، بل إننى لا أرى أمامى أى حياة واقعية أو إنسانية.. لا أرى أى بشر، فأنا خارج الزمان تماما، لم يعد لدى أى ماض أو مستقبل، لم يعد لدى حزن، أو حلم، أو حنين، لم يعد لدى إحساس بالفقدان أو الأمل، لقد «كنت» فى زمان ما، لكننى الآن لم أعد كائناً، لم أعد موجوداً.. لقد خدعتنى الحياة).. والتأملات مستمرة. tamahi@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل