المحتوى الرئيسى

خيوط تفجير مقهى أركانة

05/06 07:11

إبراهيم المراكشي اعتداء مدينة مراكش الإرهابي جاء ضد التيار، وشكل مفاجئة من العيار الثقيل لجل الباحثين والمختصين في هذا المجال، فتوقيت هذا الاعتداء يطرح عدة ملاحظات أولية، لأن الاعتداء الإرهابي الذي هز قلب ساحة جامع الفنا بدلالتها الرمزية والحضارية والاقتصادية، جاء في ظرفية داخلية وإقليمية فاصلة ومؤثرة في تاريخ المغرب المعاصر. ظرفية داخلية تتميز بحراك "اجتماعي صحي وإيجابي" يطالب بدمقرطة الحياة السياسية وبمحاربة الفساد وبتوزيع عادل لثروات البلاد، حراك ذو طابع اجتماعي يقوده جيل مكون أساسا من الشباب، مع ظرفية إقليمية سمتها الأساسية انتفاضات شعبية تبدأ أساسا بمطالب اجتماعية محضة لتتحول إلى مطالب سياسية إصلاحية، لكن في حالة عدم التجاوب معها في اللحظة المناسبة تنتهي حتما بإسقاط النظام، وهذا ما حصل في تونس وتكرر في مصر ونعيشه لحظة بلحظة في كل ليبيا واليمن وسوريا. للحالة المغربية في الحراك مميزات المغرب تتجلى في أعلى سلطة في البلاد ممثلة في الملك محمد السادس تجاوبت في اللحظة المناسبة مع العديد من المطالب وتركت الباب مفتوحا للمطالب الأخرى التي تدعم أوراش الإصلاح، فمباشرة بعد تظاهرات 20 فبراير، جاء الخطاب الملكي التاريخي لتاسع مارس، حاملا لمجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية في سبع نقاط، وما رافقها من مؤشرات إيجابية على المستوى السياسي من تحويل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتحويل ديوان المظالم إلى مؤسسة الوسيط، وإحداث المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، وحصول انفراج في ملف المعتقلين السياسيين سابقا في "ملف بلعيرج"، مع حصول انفراج كبير في ملف معتقلي السلفية. وهذا ينضاف إلى انفراج آخر على المستوى السوسيواقتصادي بتوظيف 4304 من حاملي الشواهد العليا المعطلين، ممثلين في 39 مجموعة، وحل ملف الأساتذة المجازين، والرفع من أجور القطاع العام بمبلغ 600 درهم مغربي، قرابة 60 دولارا أمريكا بدءا من فاتح ماي، كل هذا للإشارة إلى أن التحول الديمقراطي له كلفة اقتصادية ثقيلة أيضا، فبدون موارد مالية قارة يبقى كل إصلاح سياسي محدود الجدوى و المردودية. ومن هذا الباب يمكن تفسير الحادث الإرهابي لمقهى أركانة الذي أريد من خلاله ربما ضرب القطاع الاقتصادي لعرقلة الإصلاحات على المدى المتوسط، فالقطاع السياحي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المغربي إلى جانب تصدير الفوسفاط وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج (عرفت تراجعا مستمرا منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية. بضرب مقهى أركانة يوم الخميس 28 أبريل الماضي، تم استهداف القطاع السياحي بالأساس لأنه شهد في الأشهر القليلة الماضية ازدهارا ملحوظا، مستفيدا من محيط إقليمي غير مستقر، لكن من يقف حقيقة وراء الحادث؟ التحريات المتعلقة بالاعتداء الإرهابي ما زالت متواصلة، وقد لا تفضي إلى اكتشاف هوية الفاعل في نهاية المطاف، فبكل تأكيد معرفة الحقيقة كل الحقيقة في مثل هذه العمليات لهو أمر مستحيل، لكن كيفما كانت هوية الضالعين في هذا العمل الإجرامي، سواء من داخل المغرب أم من خارجه، لابد وأن يكونوا ضد مصلحة أغلبية المغاربة المتطلعين إلى عهد جديد قوامه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في حقيقة الأمر لا يكمن قول الشيء الكثير عن هذا التفجير نظرا لشح المعلومات المتوفرة، لكن بصفة عامة يوجد 5 جهات محتملة أن تكون ضالعة في تفجير مقهى أركانة. الاحتمال الأول أن يكون تنظيم القاعدة، سواء عن طريق فرعه المركزي في باكستان أو بواسطة فرعه الجهوي في بلاد المغرب الإسلامي، وراء هذه العملية، و هذا احتمال وارد لكنه ضعيف بالنظر إلى أن فكر القاعدة عرف انحسارا ملحوظا بسبب الانتفاضات العربية، وهو بصدد مراجعة تصوراته، كما أنه مرت أيام دون أن يبادر هذا التنظيم إلى تبني أو الإشادة بهذه العملية على عكس العمليات الأخرى، وبالإضافة إلى أنه عكس ما يروج له، التفجير لا يحمل في المجمل سمات التنظيم لأنه تم عن بعد وليس بواسطة انتحاريين، فهل يمكن أن يكون الحادث الإرهابي تم بواسطة فرعه الجهوي المعروف سابقا باسم الجماعة السلفية للدعوة و القتال والمعروف حاليا تحت اسم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي؟؟ لا أعتقد ذلك لأن هذه الجماعة الإرهابية صراعها التاريخي ضد الجيش الجزائري المتحكم في مفاتيح السلطة في الجزائر، صحيح أن التنظيم يسعى إلى التمدد جغرافيا نحو الجنوب باتجاه بلدان الساحل والصحراء، ولكن ليس في اتجاه الشمال، فليس في مصلحته فتح جبهة جديدة للنزاع، خاصة وأنه استراتيجيا يتقاسم مع المغرب نفس العدو، ثم إنه سيكون في منتهى الغباء لو كان وراء التفجير خاصة في ظل بوادر الانفراج الحقيقي لما يسمى بمعتقلي السلفية الجهادية، وخروج العديد من قياديها بعفو من العاهل المغربي، وهي الخطوة التي أثارت تحفظ العديد من أقطاب التيار الفرانكفوني العلماني في المغرب، و هذا يفسر لنا سبب انزلاق بعض وسائل الإعلام الفرنسية مباشرة بعد حادث التفجير إلى ربطه بجهات سلفية. الاحتمال الثاني أن يكون التيار السلفي في المغرب، أو جزءا منه، هو فعلا وراء التفجير، فئة لها تحفظ على مجموعة من الإصلاحات "الحداثية"، وهو احتمال ضعيف أيضا للأسباب التي سبق الحديث عنها في هذا المقال، وأيضا في ظل المراجعات الفكرية التي شهدها التنظيم منذ بضع سنين، وبخصوص الاحتمال الثالث، فمن الممكن أن يكون الانفجار مرتبط بمافيا دولية أرادت تصفية حسابات مع جهات معينة، خاصة في ظل اكتشاف من بين المصابين ابن سياسي كبير في روسيا، لكن هل يتطلب تصفية شخص واحد أو اثنين تفجير مقهى/مطعم من طابقين، وقتل 16 شخصا آخرين؟ وقد يتساءل البعض أليس هناك أشخاص محترفين مختصين في "التصفية النظيفة"، للقيام بمثل هذه المهمة دون أضرار جانبية؟ الاحتمال الرابع هو أن تكون هناك أطراف خارجية تسعى إلى زعزعة استقرار المغرب ولها مصلحة إستراتيجية في ضربه اقتصاديا، خاصة في ظل سير المغرب في ثبات نحو الإصلاحات، وهذا يجرنا إلى الاحتمال الأخير، والمتعلق بكون جهات داخلية قد تكون وراء الحادث، جهات تريد خلط الأوراق من جديد و العودة بالمغرب إلى ما قبل خطاب التغيير، خطاب العاهل المغربي لتاسع مارس، إنها جيوب مقاومة التغيير التي ترى في الحراك الاجتماعي والسياسي الذي أفرزته احتجاجات حركة 20 فبراير، خطرا على مصالحها السياسية والاقتصادية التي حققتها في غياب مبادئ المسؤولية والشفافية. مصدر الخطورة بالنسبة لها، هو أنه لأول مرة في تاريخ المغرب استطاعت حركة أن تنقل مطالب الإصلاح من صالونات النخبة إلى قاع العمق المغربي، بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة، وبفضل لغة سلسلة غير نخبوية يفهمها المواطن البسيط، فهذا الحراك المجتمعي الذي يشهده المغرب هو في جزء منه صراع طبقي بمفهومه الماركسي، وفي جانبه الآخر صراع بين معسكرين اثنين، معسكر يريد التغيير والإصلاح، ومعسكر "مقاوم" ورافض له، لأنه يخاف من المحاسبة والمسائلة القانونية التي قد تطاله فيما بعد. رغم كل هذه الاحتمالات يبقى الانتظار سيد الموقف إلى أن ينجلي الخيط الأبيض من الأسود عبر تحقيقات أجهزة الأمن المغربية، لكن الأهم هو كيف يمكن تحصين المغرب داخليا؟ في الواقع بالمضي قدما في مسلسل الإصلاحات السياسية و الاقتصادية التي من شأنها تدعيم مبادئ العدالة الاجتماعية والشفافية و المسؤولية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل