المحتوى الرئيسى

آخر الأخبار:معرض جون حلقة: بين "فضاءات الرغبة" وعناد الذاكرة

05/06 01:35

أطلال قرى فلسطينية من بعيد تبدو ألوانا متداخلة حد نفي المعالم، وإذا اقتربنا كثيرا تحولت الى كلمات، أما حين النظر اليها من مسافة قريبة فما نميزه هو بقايا وأطلال لبيوت متداعية وأسوار حجرية (أو ما يسمى في القرى الفلسطينية: سناسل). إذا كان الغموض هو ما يميز هذا الوصف لرسوم الفنان الأمريكي/الفلسطيني جون حلقة (إسم عائلته الأصلي أبو حلقة) فذلك ليس مصادفة، كما سنوضح لاحقا. الرسوم معروضة في مقر مؤسسة القطان "Mosaic Rooms" في لندن حتى الخامس والعشرين من شهر مايو/أيار. التقاط المشترك في الحس الإنساني في حديثي معه على هامش افتتاح المعرض قال لي الفنان إن الرسم بالنسبة له هوعبارة عن عملية خدش للوعي تحدث على مراحل، وتتدرج من السطح إلى الأعماق. حين نطبق هذا المفهوم المجرد على الرسوم فهو يبدو كالتالي: إذا وقفت على مسافة كافية من اللوحة فسترى أطلالا كما أسلفنا، وستستطيع تبين معالمها، ولكنك الآن تتعامل مع النتاج الفني، العام الملامح، والذي لا يوحي بأي هوية جغرافية أو وطنية. إقترب أكثر وستجد نفسك متورطا الى حد ما بالتفاصيل، فسوف يتضح لك أن اللون الأخضر المنسكب على اللوحة بفوضوية (أو هكذا يبدو من بعيد)، ما هو إلا أغصان شجرة ملتحمة بالجدار أو مغروسة فيه. أما إذا اقتربت أكثر فأكثر فسترى أن أداة الرسم التي استخدمها الفنان هي الحبر وكذلك الكلمات المطبوعة باستخدام ختم، وهذان العنصران يستخدمان لتظهير ملامح الصور. الجدران متداعية، لكنها واقفة في كل صورة تتكرر بضع كلمات، وانتقاؤها يكشف الرسالة التي ربما كانت ملتبسة في البداية. بعض الكلمات المتكررة: سامح، قاوم، ذاكرة، عودة، بقاء. إذن الفنان يوظف خليطا من المجاز والمباشرة في لوحاته: المجازيتجسد حين تتدرج مراحل تجسد اللوحات بين الوضوح والالتباس، الظهور والاختفاء، الحضور والغياب، وهذا يحاكي تاريخ القرى الفلسطينية التي يحاول الفنان رسم بعض ملامحها الباقية بعد تدميرها وتغييبها عام 1948. أما عنصر المباشرة فهو الكلمات المطبوعة على اللوحات، ذات المدلول السياسي المباشر. نحن أمام المأساة بحسها الإنساني العام (لمن لا يقترب كثيرا)، ولكننا أما قرى لها أسماء محددة (كفر برعم، لفتة، الكويكات) في بلد محدد كان يسمى "فلسطين"، إذا اقتؤبنا أكثر. جون حلقة يقترب في رؤيته من محمود درويش في قدرته على التقاط المشترك في الحس الإنساني، حتى يوسع حدود المشاركة والتفاعل عبر الحدود السياسية والوجدانية. يستطيع أي مشاهد للوحات من أي بلد في العالم أن يتفاعل معها ويزرعها في بيئته الوجدانية الخاصة، وذلك بفضل هذه الرؤية الفلسفية التي ضمنها الفنان لوحاته. عناد الذاكرة الرسوم مستوحاة، كما أسلفنا، من أطلال القرى الفلسطينية المدمرة، ويستخدم الفنان الصور ليعكس حضور الذاكرة رغم محاولات تغييب الوجود الحضاري لساكني تلك القرى. الفنان يرى في عناد الذاكرة وإصرار هذه الأطلال على البقاء على مدى عقود، محتفظة بهويتها المحددة، شكلا من أشكال المقاومة. مقاومة محاولات الإفناء والتغييب الثقافي والاجتماعي. أما الأغصان الخضراء التي تطل بعناد من بين شقوق الجدران وتداعياتها فما هي إلا رمز للتجدد وانبعاث الحياة، ودليل على بقاء البذور والجذور رغم قطع الأوصال السياسية والوجودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل