المحتوى الرئيسى

الإسلام والمواطنة.. توافق أم تضاد؟ (3)

05/05 17:37

بقلم: عامر شماخ - مبدأ المساواة في الإسلام الناس- في الإسلام- سواء، أمام التشريع، وأمام القضاء، وهم سواء كذلك في العطاء.. فلا حصانة لحاكم أو محكوم، ولا استثناء لأحد دون الآخرين.   قال عروة بن الزبير: إن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلوَّن وجه رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقُطعت يدها.   - كما لا يُستثنى أحدٌ من الوقوف أمام القضاء.. رُوي أن يهوديًّا اختصم عليًّا بن أبي طالب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فنادى أمير المؤمنين عليًّا بقوله: (قف يا أبا الحسن)، قاصدًا إيقافه إلى جوار خصمه اليهودي، فبدا الغضب على علي، فقال له عمر: أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟!، فقال: لا، ولكن كرهت منك أن عظمتني في الخطاب، فناديتني بكنيتي.   - ويسوي الإسلام في العطاء بين الجميع، دون النظر إلى اللون، أو الجنس، أو المعتقد، فالكل سواء في الوظائف العامة، وفي التكاليف المالية، وفي الخدمة العسكرية.. لقد ولَّى النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً، وزيدًا حكم المدينة، وولَّى أسامة الجيش، ولما طُعن عمر وُلِّي صهيب الرومي؛ رغم وجود العديد من أصحاب المقامات الرفيعة، لكن العبرة هنا بالكفاءة، وبالمصلحة العامة التي لا تفرِّق بين حر وعبد، أو عربي وغير عربي.   إن المجتمعات لا تكون سوية إلا إذا أنزلت مبدأ المساواة منزل التطبيق، أما غير ذلك فهو الخلل بعينه؛ إذ تصير الحياة غابة، يتغلب القوي فيها على الضعيف، ويئن الناس فيها من ضياع الحق، وتفشي الظلم، وافتقاد العدالة والقسط.. والمساواة في الإسلام تعني أول ما تعني: النظر إلى الإنسان بروح الإنسانية المجردة، بعيدًا عن انتماءاته وهوياته (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) (الحجرات)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)) (النساء).   ولقد أعطى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الدرس والعبرة في هذه القضية المهمة؛ حيث نهاه عن الاهتمام بالأغنياء على حساب الفقراء، فدعوة الإسلام لا تعرف هذه التفرقة، ولا تخضع لهيمنة أحد، غنيًّا كان أو ذا ميزة مادية أخرى (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)) (عبس)، (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52)) (الأنعام)؛ إذ إن قوام الأمم القوية الفتية يكون بمنع الأفضلية، وبإخضاع الجميع للدستور الإلهي الملزم الذي يعترف بحقوق الكافة دون النظر إلى العائلات، أو إلى المناصب والدرجات.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، فليبلغ الشاهد الغائب" (أحمد)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم من تراب.." (أبو داود).   إن اعتراف الإسلام بالحقوق الفردية للمواطنين، وخضوع حكامه للرقابتين؛ التشريعية والقضائية، جعلا مجالات المساواة في المجتمعات الإسلامية تطال كل ذي نفس يتردد، بعيدًا عن صفاتهم وملامحهم وأصولهم، فالحدود مطبقة على الجميع (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) (المائدة: من الآية 45)، والقصاص كذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) (البقرة: من الآية 178)، "من قتل عبدًا قتلناه، ومن جدع عبدًا جدعناه" (أبو داود).   والعدل في الإسلام قيمة مطلقة وليست نسبية، وأدنى درجاته أن تساوي بين الناس، وتمنع الظلم، وتقف بجانب المظلوم دون النظر إلى لونه أو دينه، أو وطنه أو جنسه.. وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعتز بحضوره حلف الفضول الذي يعد من مفاخر العرب وعرفانهم بحقوق الإنسان، يقول صلى الله عليه وسلم: "شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي به حمر النعم، وأنى أنكثه"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".   وكان هذا حلف بعد رجوع قريش من حرب الفجار، وسببه أن رجلاً من زبيد قَدِم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة، واستغاث بآل فهر وأهل المروءة ونادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته         ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته       يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر  إن الحرام لم تمت كرامته        ولا حرام لثوب الفاجر الغُدَر   فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تَيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله، ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يرد إليه حقه ما بلّ بحرٌ صوفة، وما بقي جَبَلا ثبير وحراء مكانهما. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وسمّت قريش هذا الحلف حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر.. وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف الذي هدموا به صرح الظلم، ورفعوا به منار الحق.   - وقفة مع (دستور) المدينة بعد استقرار النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وشروعه في بناء دولته، كتب كتابًا أو صحيفة، بغرض توضيح التزام جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات، وهذه الالتزامات لم يكن أساسها دينيًّا، وإنما كانت نوعًا من الخضوع للنظام العام، إذ الدولة الناشئة بين رعاياها؛ مهاجرون، أنصار، يهود، مشركون.   وفي هذه الوثيقة (الدستور) يقع التحول السياسي الكبير في واقع الجزيرة العربية؛ إذ تتحدث أول مادة فيها عن الأمة (إنهم أمة واحدة من دون الناس)، وهذا مخالف لما كان عليه العرب من حياة القبلية وعصبية الألقاب.. وهذه الأمة بها- بالطبع- مواطنون من غير المسلمين، فبدأت الوثيقة في الحديث عن حقوقهم وواجباتهم داخل هذا المجتمع، فالجميع متكافلون فيما بينهم، وهم ينصرون المظلوم على الظالم.. "وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا (مثقلاً بالدين أو كثير العيال) أن يعطوه بالمعروف، من فداء أو عقل" (المادة 2)، "وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (أي طُلب دفعًا على سبيل الظلم) أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليهم جميعًا ولو كان ولد أحدهم" (المادة: 13).   واعتبرت الصحيفة اليهود جزءًا من مواطني الدولة الإسلامية، وعنصرًا من عناصرها، "وأن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصَر عليهم" (المادة 16)، و"إن يهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته" (المادة: 25). "وبهذا نرى أن الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس- بمقتضى أحكام الصحيفة- سببًا للحرمان من مبدأ المواطنة". وقد حددت الصحيفة (الدستور) مرجعية عامة للفصل في كل الأمور في المدينة، هذه المرجعية هي النبي صلى الله عليه وسلم، "وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم" (المادة: 23)؛ وذلك منعًا للخلافات ونشوء الاضطرابات.. ومع اعتراف اليهود بهذه المرجعية وتلك السلطة؛ إلا أنهم لم يلزموا بالرجوع إلى القضاء الإسلامي دائمًا، بل فقط عندما يكون الحدث أو الاشتجار بينهم وبين المسلمين، أما في قضاياهم الخاصة وأحوالهم الشخصية، فهم يحتكمون إلى التوراة، ويقضي فيهم أحبارهم، ولكن إذا شاءوا فبوسعهم الاحتكام إلى النبي صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)) (المائدة). وقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة، وحق الأمن.. إلخ، فحرية الدين مكفولة: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" (المادة: 25)، وقد نصَّت الوثيقة على تحقيق العدالة بين الناس، وعلى تحقيق مبدأ المساواة.. أما مبدأ المساواة، فقد جاءت نصوص صريحة في الصحيفة حولها، منها: "أن ذمة الله واحدة"، وأن المسلمين "يجير عليهم أدناهم" (المادة: 15)، "وأن المؤمنين يبيء (أي يساوي) بعضهم على بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله" (المادة: 19)، إضافة إلى المواد: 26، 27، 28، 29، 30، التي تتحدث صراحة عن وجوب المساواة بين طوائف وبطون اليهود. وكما في الوثيقة من حقوق للأفراد، فإن بها واجبات "على كل أناس حقهم من جانبهم الذي قبلهم" (المادة: 44)، تتعلق بأداء الخدمة العسكرية عند الطلب، "وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" (المادة: 24)؛ لفك العاني (الأسير)، والقيام بالقسط بين الناس، والمشاركة بالعطاء عند الفداء ودفع الديات.. وألا يخرج مواطنو المدينة على مقتضيات الأمن التي أقرتها الوثيقة، من عدم التعامل مع أعداء المدينة من قريش وحلفائها، وألا يؤوا محدثًا (أي مرتكب جناية)، وألا ينصروه "وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل" (المادة: 22). والمواطن في هذه الوثيقة آمن على نفسه، لا يعتدى على حرمته، "وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم" (المادة: 40)، "وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها" (المادة: 41)، وله الحرية التامة في التنقل، دون أن يتعرض له أحدٌ بسوء، "وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" (المادة: 46).   - واجبات المواطنة في الإسلام:  يتفوق الإسلام على المواطنة الحديثة في أن واجبات الأفراد فيه تجاه الدولة والمجتمع، نابعة من ضمائرهم، وهي قربى إلى الله.   وإذا أسقطنا واجبات المواطنة العصرية على الإسلام، وجدناها متحققة فيه تحققًا كاملاً غير منقوص، فهناك احترام لحقوق الغير، ومحافظة على كيان المجتمع، وإسهام في الواجبات العامة.. وهناك احترام للعقائد المخالفة، والتزام بالنظام العام.. واحترام لملكيات الغير.. وغيرها من الواجبات.   أما أبرز ما يميز المجتمعات الإسلامية في هذه الناحية، فهو روح التكافل والتعاون بين أبناء هذه المجتمعات، بصورة لافتة؛ لضمان عيش الجميع عيشًا كريمًا آمنًا.. فالمسلم مطالبٌ بـ:   - إفشاء السلام في المجتمع، ونشر المحبة بين الناس "أفشوا السلام بينكم" (أحمد)، "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (مسلم)، "رحم الله رجلاً سمحًا، إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" (البخاري).. وهذا لعمري كفيل بألا يكون في المجتمع مضطهد أو منكسر.   - التعاون في وجوه الخير (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية 2)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)) (التوبة)، (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)) (التغابن)، (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)) (آل عمران).   ووجوه البر لا تُحصى ولا تُعدُّ، ويدخل فيها كل قول وعمل من شأنه البر بالناس، ورفع شأنهم، وجعل كرامتهم موفورة.. وفي التعاون تعارف بين الناس، وإحسان وبر، وكفالة وتضميد لجراح أهل الحاجة والعوز، وما من شك في أن هذا الأمر في الإسلام لم ولن يصل إليه نظام آخر، ذلك أن تطبيقه لا يتم بقانون أو دستور، وإنما يطبقه قومٌ ينتظرون الأجر والثواب من الله، فيفعلون ذلك عن طيب خاطر، وليس خوفًا من الوقوع تحت طائلة القانون كما في المواطنة المعاصرة.   - أداء التكاليف المالية، وسد حاجات المحتاجين، وإقالة عثرات المدينين والمعوزين، من أبناء المجتمع عمومًا ومن الأقارب خصوصًا (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)) (الذاريات)، (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)) (البقرة).   - البر بالوالدين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) (الإسراء).   - صلة الأرحام (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)) (محمد)، "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قُطعت وصلها".   - الإحسان إلى الجار "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (مسلم)، "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك" (مسلم). - إذا قصّر الأفراد في أداء الواجبات تجاه المجتمع والدولة، فالحاكم نفسه يتحملها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، فأيما مؤمن مات وترك مالاً، فليرثه عصبته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه" (البخاري).   - منع الغش والخداع (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)) (الشعراء)، (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (المطففين)، "التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين والصديقين والشهداء" (الترمذي).   وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنال أصابعه بلل فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟!"، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني" (مسلم).   - نبذ جميع أنواع الكراهية والبغض، وألا يخذل أو يظلم أخ أخاه "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (مسلم).   - الوفاء بالعهود، وعدم إلحاق الضرر بالآخرين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: من الآية 1)، "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله" (البخاري).   - تحريم الاحتكار؛ بحيث لا تؤدي التجارة التي أباحها الإسلام ويسَّر سبلها، إلى إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمع "لا يحتكر إلا خاطئ" (ابن ماجه)، "من دخل في شيء من أسعار المسلمين يريد أن يغليه عليهم، كان على الله أن يقعده بعظيم من النار يوم القيامة" (أحمد).   - واجبات صحية وبيئية، للمحافظة على المجتمع خاليًا من الأوبئة والأمراض، فقد أمر الإسلام بالابتعاد عن تناول المضرات (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: من الآية 3)، واجتناب الخمر  (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)) (المائدة)، والحث على النظافة، بالتنزه من البول، والاستبراء، والاستنجاء، وغسل أعضاء الجسم كافة، وبالمحافظة على جسم الإنسان، بالترغيب في الرياضة "عليكم بالرمي، فإنه من خير لعبكم" (الطبراني)، وبالاقتصاد والتوسط في الأكل والشرب "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإذا غلبت الآدمي نفسه، فثلث للشراب، وثلث للطعام، وثلث للنَفَس" (ابن ماجه).. وبالحث على التداوي والعلاج "تداووا، فإن الله عزَّ وجلَّ لم يضع داءً إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم" (أبو داود).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل