المحتوى الرئيسى

اليد الأخيرة

05/05 02:13

ثريا الشهري تحكي والدة الطالب السعودي المبتعث مشاري السريحي الذي وافته المنية قبل أيام قلائل في موقف بطولي أثناء محاولته إنقاذ جاره وابن جاره الأميركيين من الغرق في إحدى بحيرات ولاية أوهايو الأميركية فتقول: «كان يتصف بالبرّ والشجاعة والتميز في ما يفعله، نشيط وحيوي لا يعرف الخوف أو التردد، منذ طفولته كان حريصاً على زيارة أقربائه وصلة الرحم وتحمل المسؤولية، وهذا ما يثلج صدري، فأنا وكل من شاهده بعد وفاته لا نشعر بأنه دفن تحت التراب، حتى أن العديد من النساء أطلقن الزغاريد بعد دفنه لأنه بطل شرّفنا جميعاً، كما أن كثيراً من المعزين قدموا لي التهاني لا التعازي على حسن خاتمته، فهو بتصرفه ذاك استطاع أن يوصل رسالة واضحة ومشرفة عن الإسلام وأهله دفعت الكثير من الصحف العالمية إلى تناول قصته وموقفه البطولي». والآن وبعد استعراض كلمات أم مشاري المتصبّرة بحزنها المتعالي، الفخورة بتاريخ ابنها وحسن خاتمته، هل يمكن للكاميرا أن تنتقل إلى أم أسامة بن لادن لنسمع ما تقوله المرأة في تاريخ ابنها الذي ختم برميه بالبحر! فماذا عساها أن تحكي؟ وما شعورها كأم والأرض تلفظ ابنها والبحر يبتلعه؟ مهما قيل في الإنسان، ومهما جُرّم ونُعت بأبشع الصفات، يظل في نظر أمه هو ابنها وحشاشتها، وهو شعور قد يصعب على الرجل تصوره، ولكن من السهل على المرأة التعرف عليه، فالأمومة هي فطرتها التي جبلت عليها، هي معجزة أبدعها الخالق فأفسدها البشر، ولو علم الأبناء كيف يحرقون قلوب أمهاتهم بأفعالهم، لراعوا الله في هذه القلوب التي احتضنتهم حتى بعد مماتهم، فالأم أبداً ما حيت، لا تنسى يوماً وضعت فيه وليدها وضمته إلى صدرها. الأم لا تملك (وإن حاولت) أن تتنكر لذكريات وليدها وهو يحبو ويخطو، وهو يضحك ويداعبها، وهو يجري نحوها ليدفن رأسه في حجرها وينام مطمئناً بجانبها، وسيكبر الصغير ويخرج إلى العالم رجلاً والأم لا ترى فيه غير وليدها، فكيف إن شرّفها بفعاله وحكت الدنيا في رجاحة عقله؟ إحساس رائع بالرضا وابتسامة قلب كلما طرأ على بالها أو جيء على ذكره، فكيف إن سوّد وجهها وصبت لعنات البشر ودعاؤهم عليه؟ تجد دموعها وقد تحولت إلى غصة قلب وهمّ دائم، خوفاً من المجهول والمصير القاتم الذي ينتظر من حضنته في رحمها، فهل تلد النساء لتفرح بأبنائها أم لتُنكب بهم؟ أم ان الأبناء لا يعبأون إلاّ برغباتهم فيرسمون فواجع أمهاتهم ويخونون تضحياتهن! هناك عالم في بداية القرن العشرين يدعى «متشنيكوف» قام بأبحاث استخلص منها نظرية تتعلق بوظائف خلايا الجسم وتثبت أن الإنسان لا يموت إلاّ إذا أراد حقاً أن يموت، فموته العضوي ليس سوى استجابة لمطلب نفسي ملح، فهل اشتهى ابن لادن الموت حدّ استحضاره؟ وهو تساؤل يحمل معه بعده العبثي، فلكل أجل كتاب باشتهاء أو من دونه، بنظرية أو بغيرها، ولكن، مما لا شك فيه أن الرجل قد هدّته حياة الغربة ومطاردة الكهوف فضاقت عليه، ضعف أدركه على مراحل، ولم يستكمل الوعي به إلاّ بطلقة في الرأس أغلقت معها أسئلة بقيت مفتوحة عمراً غريباً، فكيف كان وقع الخبر على أمه؟ لا أحد يأتي على ذكرها، فهل لا تزال حية أم واراها التراب؟ التراب الذي تسوّله ابنها في حياته ومماته. وما بين مشاري السريحي من مات في البحر ودفن في اليابسة، وأسامة بن لادن من مات على الأرض ودفن في البحر، يظل الدور الأكثر تعاسة ليس من نصيب من رحل وما عاد معنياً بشيء، ولكن من نصيب من بقي وعليه أن يتعامل مع ألم الفقدان، وليس أكثر من الأم حزناً على فراق ابنها إن كان سعيداً في الدنيا أم شقياً، ولكن الفرق أن واحدة ستحكي بفخر وإغداق معنوي، والأخرى تتلفت حولها قبل أن تفتح فمها ويهاجمها الصقيع، فهو إن مات مرة، إلاّ أن أمه ستموت أكثر من مرة، فكم من المشاكل كانت ستحل لو أننا عوضاً عن استفتاء البشر، استفتينا ما اختلفوا حوله واقتتلوا من أجله! هو سؤال افتراضي على أية حال، فهل الوطن بقعة على الأرض أم فكرة في الذهن؟ هل هو تراب أم ما يحدث فوقه؟ هل الدين جغرافيا أم تاريخ وفضاء؟ هل الإيمان خريطة ترحالنا الداخلي أم استقرارنا النفسي؟ ولا أقول لكل أم إلاّ أنها يد في حياة ابنها تسبقها إليه أياد، وجميعها تملكه حتى حين، إلى أن يصل إلى مثواه... اليد الأخيرة التي عاد إليها، وعليها وحدها يقع حسابه والفصل في أمره. *نقلا عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل