المحتوى الرئيسى

كى لا تلحق (روح يناير)( بروح أكتوبر)

05/05 09:05

بقلم: نيفين مسعد 5 مايو 2011 08:54:06 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; كى لا تلحق (روح يناير)( بروح أكتوبر)  أشاعت ملحمة 25 يناير روحا ثورية فى جموع المصريين، غرست فينا روح التمرد، وأجرت على ألسنتنا شعارات الثورة، وحولتنا إلى كائنات مغموسة فى السياسة لأن المعروض فى السوق المصرية قوانين وانتخابات وفساد وتظاهر وفتنة، وهذا كله كلام فى السياسة. لكن الروح الثورية شئ والتنشئة على قيم الثورة شئ آخر، فانبعاث الروح الثورية تطور عفوى أما التنشئة على قيم الثورة فعمل مقصود تؤديه مؤسسات الأحزاب والمجتمع المدنى والتعليم والإعلام. الروح الثورية تفور وتخمد أما التنشئة على قيم الثورة فهى بطيئة وتدوم. ●●●فى السبعينيات من القرن الماضى وتحديدا بعد نصر أكتوبر المجيد شاع فى الخطاب السياسى المصرى حديث عما سمِى «روح أكتوبر»، وكان المقصود بذلك شعور المصريين بالقدرة على الإنجاز بعد سنوات الانكسار والنكسة. كانت اللحظة عبقرية بكل المقاييس، وكان يمكن استثمارها لتحويل «روح أكتوبر» إلى طاقة هائلة للإنتاج وتحقيق النهضة. لكن المفارقة أن النظام استخدم مختلف أدواته لتنشئة الأجيال الجديدة على قيم تختلف بالكلية عن تلك التى فجرها العبور العظيم. حقّرت سياسة الانفتاح الاقتصادى التى اتبعها السادات قيمة العمل كمصدر رئيس للدخل، وأعادت ترتيب مكانة الطبقات الاجتماعية على أساس التذاكى، وأحلت مصالح رجال الأعمال محل تحالف قوى الشعب العاملة. وخارجيا قدم السادات تنازلا ضخما بذهابه إلى إسرائيل ثم بتوقيعه معاهدة السلام فأطفأ بذلك اشتعال جذوة المقاومة. والمحصلة هى تبخر «روح أكتوبر» بأسرع مما توقعه أحد. واليوم أخشى أن تلحق «روح يناير» «بروح أكتوبر».كى تتحول «روح يناير» إلى رافعة حقيقية للدولة والمجتمع فإنها تحتاج إلى جهد مؤسسى لترجمة قيم الثورة إلى اتجاهات وسلوك عن طريق عملية التنشئة. لكن المشكلة هى أنه تجرى حاليا محاولة تغيير المشهد المصرى بالكامل وإعادة تشكيل العقل الجمعى على غير مقتضى الثورة، وهذا خطير. ●●●بين يدى كتاب واسع الانتشار صدر عن مؤسسة تدعى «جمعية الترتيل للخدمات الثقافية» نشأت قبل ثلاثة أعوام وتوضح صفحتها على الإنترنت أنها تعنى بتحفيظ القرآن وتقديم الدين «الصحيح» خصوصا للمسلمين الأجانب. عنوان الكتاب هو «العلمانية، الليبرالية، الديمقراطية، الدولة المدنية فى الإسلام»، وقد صدرت منه طبعات ثلاث رغم ما توحى به مقدمته من أنه صدر بعد الثورة. يروج الكتاب للأفكار المكررة الخاطئة عن أن العلمانية تعنى الإلحاد وأن الليبراليين والديمقراطيين يستخفون بالأخلاق والتعاليم الدينية، أما دعاة الدولة المدنية فهم يؤمنون بالمواطنة التى تساوى بين غير متساوين. لكن خطورة الكتاب مبعثها أنه يصدر فى وقت يزيد فيه طلب المصريين بشدة على المعرفة السياسية وهو ما لم يكن يحدث من قبل، وبالتالى فإن الكتاب ونظائره يؤثرون على نطاق واسع. وكمثال أدى الإلحاح المتعمد على تشويه المفاهيم إلى توصل المواطن العادى إلى أن مدنية الدولة تعنى أنها ضد الدين وهو ما يرفضه المصريون بفطرتهم السليمة. وما سبق دفع كثيرا من القوى السياسية كى تتزحزح بالتدريج فى مواقفها من تأييد الدولة المدنية إلى تأييد الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية إلى التساؤل عن سر الحاجة للدولة المدنية. بل المدهش أن فصيلا إسلاميا يوصف بالاعتدال كالإخوان المسلمين، ولا يفتأ يكرر أن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية وأن الدولة الإسلامية عبر التاريخ كانت مدنية، يسارع برفض طلب د. محمد البرادعى تضمين الدستور مادة تفيد مدنية الدولة رغم تحصين هذه الدولة بنص المادة الثانية، فهل هذا فكر شباب الثورة؟ الأخطر من توزيع الكتب والمنشورات، السيطرة على المنابر لبث دعاوى التشدد وتشويه الآخر المختلف فكريا. لم تكن واقعة استيلاء الشيخ حافظ سلامة ومن معه يوم الجمعة الماضى، بقوة الفوضى، على مسجد النور بالعباسية هى الأولى من نوعها ولا حتى كانت الأولى منه هو نفسه. لكن خطورتها أنها جاءت بعد طلب وزير الأوقاف من وزير الداخلية تأمين صعود إمام الأوقاف إلى المنبر، وبعد تأكيد وزير الأوقاف فى حواره الشامل مع المصرى اليوم الخميس الماضى على أن «هناك توجيهات من جميع الأجهزة بتمكين إمام المسجد أحمد ترك من أداء دوره كاملا»، وأن وزارته لن تسمح « للتيارات المتشددة بالسيطرة على المسجد». لكن حدث ما حدث، وضُرب بالتوجيهات الرسمية عرض الحائط، ووقفت قوى الأمن تحرس المسجد من الخارج فيما كان يُنحى إمام الأوقاف وينزل من منبره ليجلس فى صفوف المصلين. الشيخ حافظ سلامة قامة وطنية محترمة، لكن هذا لا يعطيه الحق فى اختطاف المنبر. ومن يريد أن يتعرف على حكاية الشيخ مع المسجد منذ حرك أولى دعاويه ضد وزارة الأوقاف عام 1985 وحتى صدور حكم المحكمة الإدارية العليا فى 27 /6 /1999 بتمكينه من ملحقات المسجد دون الأماكن التى تقام فيها الشعائر، بوسعه أن يجد التفاصيل كاملة على الشبكة العنكبوتية، وبوسعه أن يعرف أن الشيخ نفسه قد تنازل عن حقه فى أماكن الشعائر فى جلسة 16 /5 /1999. هذا فى الشق المتعلق بإهدار القانون الذى هو الضامن لحقوق الناس. أما الشق المتصل بخطاب رفض الآخر وتكفيره فقد جاء على لسان الإمام الذى اختارته جمعية الهداية الإسلامية لصعود المنبر يوم الجمعة الماضى، فإذا هو يحمل بشدة على التيارات العلمانية واليسارية ويعتبر أنها لن تنتصر (مع أن المعارك الانتخابية سياسية وليست حربية)، وإذا هو يعزو سوء نهاية مبارك إلى أنه وحاشيته «أرادوا أن يطبقوا العلمانية ويطمسوا هوية الدولة»، وبفرض صحة هذا الادعاء فلماذا تقاعس السلفيون إذن عن قيادة الثورة لإطاحته؟ ●●●فى السر والعلن تعمل قوى التشدد الدينى على بث أفكارها، وتلك الأفكار مطلوب نقضها بمنطق إسلامى وسطى عودنا عليه رجال الأزهر، لكن هذا يحتاج إلى إفساح المجال لهؤلاء إعلاميا ومسجديا كما أن المطلوب نقض هذه الأفكار عبر مبادرة لتثقيف سياسى واسع النطاق يشرح كل المفاهيم التى يتم تشويهها عمدا، ولعل تجمعا ضخما مثل المؤتمر الوطنى يتبنى تلك المبادرة فى اجتماعه بعد ايام، فإن لم نفعل فأخشى أن تتشبع البيئة المصرية العطشى للسياسة بأفكار ما أنزل الله بها من سلطان بينما تلفظ بذور أمل كان الثوار قد غرسوها فى شهر يناير.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل