المحتوى الرئيسى

> رئيس الحكومة يطلب شطب الشعب!

05/05 21:05

لم يكن «إسماعيل صدقي باشا» يعبأ كثيراً بكلام المثقفين عن الشعب والرأي العام ونبض الجماهير وغيرها من المصطلحات التي تدغدغ أعصاب ومشاعر الناس والجماهير وخاصة البسطاء منهم. واللافت للنظر أن «صدقي باشا» الذي بات معروفاً في أوساط الناس والمثقفين هو نفسه الذي أسس حزباً وأطلق عليه اسم «حزب الشعب»!! ويالها من مفارقة! يروي الأستاذ الكبير «مصطفي أمين» هذه القصة المهمة في دلالتها السياسية فيقول: «ذات يوم اتصل بي صدقي باشا» وقال إنه يريد أن يدلي بحديث لأخبار اليوم وأنه ليس لديه وقت لمقابلتي إلا في صالونه الخاص بالقطار المسافر من القاهرة إلي الإسكندرية. وسافرت معه، وأدلي بحديثه وختم الحديث بما يأتي: وستبقي وزارتي مادامت متمتعة بثقة البرلمان وتأييد الملك! فقلت له: إنني أفضل أن تكون الجملة «مادامت متمتعة بثقة الشعب والبرلمان وتأييد الملك. فقال: لا أريد كلمة الشعب. قلت: إنها ضرورية، لا يمكن أن تبقي وزارة إلا بتأييد الشعب! قال: هذا نفاق للجماهير لا أرضاه لنفسي.. إنني لم أتعود تملق الجماهير اشطب كلمة الشعب!! وقلت: لا يمكن أن أشطب الشعب!! قال صدقي: وأنا لا أريد أن أشطبه، بل أتمني أن يكون موجوداً إنما لا أريد أن أقرر غير الواقع، إن الحكومات عندما لا يقيمها الشعب ولا يسقطها الشعب، إنما هي تبقي مادامت متمتعة بثقة البرلمان وتأييد الملك. قلت: ولكن البرلمان يستمد وجوده من الشعب. فضحك صدقي وقال: لقد قلت البرلمان وهذا يكفي!! وأظن أن دلالة القصة التي رواها الكاتب الكبير «مصطفي أمين» كافية تمامًا لكشف بعض ملامح السلوك السياسي والثقافي «لصدقي باشا» وهو ما جعله يستبدل دستور سنة 1923 بدستور 1930 وأن تكون سياسته عقب توليه رئاسة الحكومة «محو الماضي بما له وما عليه وأن ينظم الحياة النيابية والدستورية تنظيماً جديداً يتفق ورأيه في الدستور واستقرار الحكم. تحت عنوان «أوتوقراطية الوفد البرلمانية» راح «صدقي باشا» يهاجم وينتقد حزب الوفد والأغلبية الساحقة التي كان يحصل عليها وهكذا أخذ «صدقي باشا» يكتب قائلاً: «والدليل علي ما تقدم إنه منذ جرت الانتخابات لأول مرة استهلت في سبيل النجاح فيها طرق لم تألفها البلاد، ودعايات بعيدة عن أن تكون مقبولة في شرعة الدساتير وأخرج كثيراً من أحكام قانون الانتخابات عن غرضه وعن وضعه الأصلي، كما حدث ذلك في أحكام تزكية المرشحين، واستغل تاريخ النهضة لمصلحة فريق أحسن ذلك النوع من الاستغلال، فجاءت نتيجة الانتخابات سواء في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب، موافقة لشهوات ذلك الفريق في الظفر بالغلبة، وقد تم له الظفر بحيث لم يترك مكاناً لمعارضة قيمة وفات الظافرون إنهم خالفوا بذلك مصلحتهم الحقيقية كما خالفوا لب النظام البرلماني وجوهره». وأسست من ذلك اليوم في مصر «أوتوقراطية جديدة في صورة برلمانية» وأرادت تلك الأوتوقراطية أن تستديم لنفسها سلطاناً أوتيته بفضل تلك الطوارئ العارضة، فكان أول ما اتجه إليه نظرها تحويل الانتخاب ذي الدرجتين إلي انتخاب مباشر، موهمة أن هذا النوع من الانتخاب هو خير نظام أخرج للناس». ويمضي «صدقي باشا» مفنداً ومفسراً ومحللاً فيقول بصراحة أكثر: «وفي الحق إنه لا يمكن أن يوصف نظام من أنظمة الحكم بأنه خير الأنظمة، فليس في طبيعة أي نظام أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان ما دامت الأمم، بل الأمة الواحدة علي توالي العصور هي ما نعرف من الاختلاف طباعاً وعادات وأسباب حياة، حتي لقد قال بحق أحد الحكماء: جرت سنة الاجتماع وطبائع الشعوب بأن الأنظمة مهما تبلغ من الكمال ليست في الواقع إلا حساباً وتقديراً، مرماه ونتيجته تفضيل أخف الضررين». وتحت عنوان «الأوتوقراطية في الحكم» يقول «صدقي باشا»: «لا أراني مسرفاً إذا قلت إن فريق الأتوقراطية كان قد جرب عدة مرات في الحكم فأبدي فيها عجزاً، وأوشك أن يلحق في كل مرة بالبلاد وسمعتها ضرراً بليغاً، ذلك إنه لم يسلك في الحكم السبيل المستقيم، فقد شغل باستدامة أسباب النفوذ والسلطان لنفسه، وبتوفير وجوه المنافع لأنصاره والثأر من خصومه، عما يقتضيه الحكم من توفر علي النظر في حاجات البلاد وضروب الإصلاح وتضحية في سبيل إسعاد البلاد ورقيها. ولا شك في أن داء البلاد الوبيل، كان في ذلك الحين طغيان فئة اتخذت من الدعاية التي تنشرها بين الناخبين والنواب جميعاً سبباً ممدوداً للحكم والتحكم، فإن هي أقصيت عن الحكم، حاولت استثارة عطف الجماهير بدعوي اضطهادها لدفاعها تارة عن استقلال البلاد، ثم عن الدستور تارة أخري، فهي في سبيل مصلحتها الخاصة كانت تصرف البلاد عن سبيل الخير وتشغلها عن حل مشاكلها وإصلاح شئونها!! ويعترف «صدقي باشا» بقوله: لذلك رأيت أن مصلحة البلاد الكبري تفرض علي القائمين علي أقدارها أن يمحو الماضي بما له وما عليه، وأن يصدر دستور جديد تستفتح به صفحة جديدة في تاريخها الحديث، وإذا كانت الضرورات الجأتني إلي انتهاج هذه السبيل، فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه الظاهرة، ظاهرة إبدال دستور بدستور (!!) هكذا ببساطة اعترف «صدقي باشا» وبدون لف أو دوران أن الضرورة هي التي جعلته يلجأ إلي ابدال دستور بدستور، ويبرر ذلك بأن تاريخ الحياة النيابية حافل بمثل هذه المواقف! وإذا كان «صدقي باشا» حسب رواية مصطفي أمين «السابقة لم يتعود تملق الجماهير، وأن الحكومات لا يقيمها الشعب ولا يسقطها الشعب، فقد كان هذا أيضاً هو موقفه من الصحافة في تلك الأيام التي كان ناقماً عليها أشد النقمة، فهو يعترف في مذكراته بأن «الصحافة أقوي سلاح حوربت به «ويكمل قائلاً أن الصحافة قوة تستطيع أن تبني، وتستطيع أن تهدم واستطاعتها في الهدم أشد منها في البناء، خصوصاًً في بلد لم ينضج بعد النضوج الكافي ولم يتعود التفكير الذاتي، ولو أنه كان إلي جواري صحافة مؤيدة قوية لما استطاع خصومي أن ينجحوا في محاربة دستور 1930 ذلك الدستور الذي بينت كيف وضع بعناية ورؤية ودقة، والذي كان من أرقي دساتير العالم وأقلها عيوباً بالنسبة لدستور 1923، بل إنه كان خالياً من تلك العيوب التي عانتها البلاد في الماضي وتعانيها الآن! ولكن خصومي استطاعوا أن يحاربوني بأقوي سلاح وهو «الصحافة» وقد كانت لهم صحافة ذات دعايات حزبية تنشرها في البلاد وكانت حرة من كل قيد، فأمكنها أن تشوه أغراض هذا الدستور الجديد ومبادئه الحقة، ووجدت من قرائها من يصدق هذه الدعايات أو من يحاربها تحت أهواء السياسة وأقدار الظروف». وعلي الرغم من هذه الحرب الشعواء التي كانت تشنها الصحافة ويشنها خصومي فإني لم أعبأ بذلك أثناء توليتي للحكم لأنها كانت حرباً حزبية أو قل إنها شخصية لا تهدف إلي المصلحة العامة، بل تهدف إلي مصلحة شخص أو حزب معين». لكن الصحافة المصرية - ومع سبق الاصرار والترصد - لم تكل أو تمل من خوض حربها الضروس ضد صدقي باشا!! كانت «روزاليوسف» السيدة الجليلة والمجلة العظيمة تتوقع المتاعب بمجرد تولي «إسماعيل صدقي باشا» الحكومة!! لكنها حسب اعترافها في مذكراتها «أن تجيء هذه المتاعب بهذه السرعة وبهذا العنف!! وذلك رداً علي حملاتها ضد «صدقي باشا». كان العدد رقم 184 من روزاليوسف قد رسم علي غلافه صورة كبيرة بعنوان حكم الارهاب تمثل مصر بلداً محترقاً وعليها يدوس «إسماعيل صدقي» وهو يحمل في يده مسدساً يتصاعد من فوهته الدخان، ومكتوب عبارة «إسماعيل صدقي يحكم البلاد بالعناصر الرشيدة: الحديد والنار»!! وتحكي روزاليوسف عن ملابسات وكواليس هذا العدد فتقول: «هذا العدد كان يجب أن يصدر يوم خمسة أغسطس وسافر «التابعي» إلي رأس البر لقضاء عطلة الأسبوع، وفي الإسكندرية جاءتني الأنباء قائلة إن «إسماعيل صدقي» صادر العدد، وأن مجلس الوزراء قرر إلغاء رخصة المجلة إلي أجل غير مسمي!! كان هذا النبأ صدمة لي!! هكذا تعترف «روزاليوسف» وربما تذكرت وقتها صمودها الكبير في وجه الطغيان وكيف أن «المصادرات المتوالية - حسب قولها - حملت روزاليوسف وسام الاعتراف الشعبي بجهادها، عندما وقف النحاس باشا يخطب ذات يوم في حفل كبير، فهاجم الحكم الاستبدادي، واستشهد علي ذلك بالاضطهاد الذي يصب علي مجلتنا «روزاليوسف» ونقلت جريدة «التايمز» في لندن هذه الكلمة.وإذا كانت «روزاليوسف» في زمن وزارة محمد محمود باشا قد اضطرت إلي الصدور بأربعة أسماء مختلفة في أقل من عام، فكان لابد أن تفعل نفس الشيء في زمن الحكم «صدقي باشا». وعادت السيدة روزاليوسف إلي القاهرة وراحت تبحث عن رخصة مجلة أخري تواصل المشوار بعد إلغاء رخصة مجلتها، وتقول «روزاليوسف»: «عثرت علي رخصة باسم الصرخة اتفقت مع صاحبها علي أن يعيرها لي نظير 12 جنيهًا شهريا!! وصدرت مجلة الصرخة في حجم جديد علي المجلات هو حجم الجرائد اليومية وكانت هذه أول مرة تعرف فيها الصحافة المصرية مجلة أسبوعية بهذا الحجم، علي أن هذا الحجم - بعد أن أصدرت منه عددين لم يعجبني - واستبدت بي رغبة العودة إلي حجم روزاليوسف لا تختلف عنها إلا في اسمها، وحتي يعرف الناس أن المجلة الجديدة هي روزاليوسف كتبت علي غلافها «روزاليوسف ومحمد التابعي ومحمد علي حماد يحررون هذه المجلة، فعرف الناس فيها مجلتهم الأصلية وأقبلوا عليها إقبالا شديدًا وقد صدر منها 42 عددًا قبل أن تعود روزاليوسف إلي الصدور». ولسوء الحظ فإن السيدة روزاليوسف لم تعط لهذه المجلة ما تستحق من اهتمام وحفاوة في مذكراتها البديعة سوي السطور القليلة السابقة. ومن حسن حظي إنني أحتفظ ببضعة أعداد من هذه المجلة الثائرة النادرة حصلت عليها منذ سنوات أثناء زيارتي لسور الأزبكية. كان غلاف العدد 13 الصادر يوم الثلاثاء 11 نوفمبر سنة 1930 يصور صدقي باشا رئيس الوزراء وهو يحمل بيده نسخة الدستور ويهديه للمندوب السامي البريطاني قائلا: تسمح لي فخامتك أقدم لك هدية نسخة من الدستور الجديد!! فيرد عليه المندوب السامي قائلا: لا.. علي إيه.. متشكر، أنا شفته في لندن وعارفه وعارف اللي فيه!! أما في داخل العدد وعلي مساحة صفحة كاملة يرسم الفنان صاروخان رسمًا ساخرًا لصدقي باشا وهو يرتدي زي الطهاة وأمامه حلتان، الحلة الأولي تحوي الدستور والحلة الثانية تحوي قانون الانتخاب، وفي الخلفية يتحدث اثنان من رجال الحكومة البريطانية قائلا: سبق أنك صرحت مرة إننا ما نوافقش علي طبخ كشوف الانتخابات في مصر، وأهو إسماعيل باشا صدقي، مش طبخ الكشوف بس ده طبخ كمان الدستور وقانون الانتخاب.. إيه رأيك؟! وفي عدد «الصرخة» رقم 14 الصادر في 18 نوفمبر سنة 1930 كان غلافه الساخر عبارة عن «صدقي باشا» يقف فوق كرسي وبيده جرس وخلفه سرادق مكتوب عليه كلمة «أوكازيون» واثنان من العساكر يمسكان برقبة فلاح غلبان، ويقول صدقي في الميكروفون: يا الله يا بلاش علي ذمة الخواجة برلمان حر.. وانتخابات حرة، واللي ما يعجبوش يتفرج!! يا الله يا بلاش!! ويقول العسكري للفلاح: ادخل يا واد مش نفسك تبقي نائب محترم!! وتحت عنوان «رئيس الوزراء: لا يهمه حزب ولا حزبان» تكتب مجلة الصرخة تهاجم «صدقي باشا» قائلة: أجل قالها صاحب الدولة ونسي من أمره ما لم يعد خافيا علي أحد، ونسي ما تفضحه الصحف في كل يوم من أمر أنصاره ومؤيديه، من سجين إلي خفير إلي ميت منذ عشرة أعوام، فمن أنت حتي تقولها وحتي تطمع أن يصدق قولتك الناس؟! أنت الذي لم تعرف بين الناس بعصبية مؤيدة، ولا جماعة مؤازرة، أنت الذي نزلت الميدان علي أكتاف غيرك!! أنت الذي لم يؤثر عنه يومًا من الأيام سياسة خاصة أو اتجاه معين أو خطة مرسومة، قد تجد لها من الأنصار من يشد أزرك ويأخذ بيدك؟! من أنت وما مكانك بين أبناء هذه الأمة حتي لا يهمك حزب ولا حزبان؟! وعلي صفحة كاملة تنشر الصرخة رسمًا كاريكاتيريا رائعًا، يبدو فيه «صدقي باشا» رئيس الحكومة خائفًا مرتعشًا والنحاس باشا زعيم الوفد والجماهير حوله وهو يقول له: شايف الملايين اللي معانا، وأنت معاك مين علشان تقول إني ما يهمكش لا حزب ولا حزبان فيرد عليه صدقي باشا بقوله: معلهش أهي كلمة هايفة وفاتت يعني لازم تمسك وتدقق فيها؟! وفي نفس العدد تنشر المجلة سطورًا بالغة الأهمية توجهها «إلي القراء» قائلة: كثر نداء بعض باعة الصحف علي بعض المجلات باسم مجلة روزاليوسف وهيئة تحرير روزاليوسف تعلن أن المجلة الوحيدة التي تشترك في تحريرها هي هذه المجلة «الصرخة»! وتواصل السيدة «روزاليوسف» رواية ما جري بعد ذلك في ظل حكم ديكتاتورية «صدقي باشا» رئيس الوزراء فتقول: «أجري «صدقي» تعديلا في قانون المطبوعات، وقد أباح هذا التعديل لمن يملك جريدة سبق أن تم إلغاؤها أن يعيد إصدارها بشرط أن يدفع تأمينًا قدره 150 جنيهًا (مائة وخمسون) نقدًا أو يقدم ضمانًا من أحد البنوك». ولم يكن لدي «فاطمة اليوسف» في ذلك الوقت هذا المبلغ الضخم حتي تدفعه تأمينًا، فقد أنفقت كل ما كان يصل إلي يديها لتدعيم المجلة، ولم يكن ممكنا بالتالي أن يعطيها أي بنك خطاب ضمان حيث لم يكن لها حساب في أي بنك، وكان لابد من حل لهذه المشكلة العويصة، حيث تقول «روزاليوسف»: «كنت أعرف الدكتور فؤاد رشيد لاهتمامه القديم بفن التمثيل، فعرفني بشقيقه الأستاذ «إبراهيم رشيد» وكان شابًا شديد الذكاء ولم يكن مدير مكتب «إسماعيل صدقي» فحسب، بل كان قطعة ناطقة منه ويملك أن يتصرف ويتكلم باسمه!! واتصلت بالأستاذ إبراهيم رشيد تليفونيا، وقلت له إنني لا أملك مائة وخمسين جنيهًا أسترد بها رخصة المجلة فما رأيك؟! وكان «إبراهيم رشيد» يحرص علي إرضاء من يتصل بهم ويحرص علي اجتذاب الصحف إلي جانب «صدقي»، فغاب برهة - لعله اتصل فيها بصدقي - ثم عاد وقال لي إن الحكومة ستكتفي مني بتقديم ضمان شخصي. وفعلا تقدم المرحوم «عبدالحميد البنان» ضامنًا لي وكان من أعضاء الوفد البارزين ومن شلة «ماهر» و«النقراشي» بالذات. وتعترف روزاليوسف قائلة: وقد عجبت لتصرف إسماعيل صدقي هذا وكنت أسأل نفسي كيف يتبرع لي بهذا التسهيل، وأنا أشن عليه حملات بالغة العنف والقسوة، ثم مرت سنوات وقد علمت بعد ذلك أن صدقي كان يحترم «روزاليوسف» احترامًا شديدًا إذ كانت المجلة الوحيدة التي تقتصر في هجومها علي تناول المسائل السياسية العامة فقط، دون أن تتعرض للشخصيات كما كانت تفعل سائر الصحف». وكان «الموال السياسي» أو «الزجل» أحد أهم الأسلحة التي برعت «روزاليوسف» في استخدامها ضد ديكتاتورية وطغيان «صدقي باشا» رئيس الوزراء. وكانت السيدة روزاليوسف هي صاحبة الفضل في اكتشاف هذه الموهبة الفذة في هذا اللون من الكتابة، وهو «د. سعيد عبده» - صاحب أشهر باب طبي في الصحافة المصرية وهو «خدعوك فقالوا». كان د. سعيد عبده وقتها طالبا في كلية الطب، وحسب شهادة الأستاذ الكبير «مصطفي أمين» فقد استطاعت روزاليوسف أن تضمه إلي المجلة وتخصص في نظم المواويل السياسية الساخرة التي تخرج لسانها لأصحاب المعالي الوزراء، وكانت مواويله في مجلة روزاليوسف تؤثر في الجماهير أكثر من قصائد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران مجتمعين». وفي احتفالات «ليلة القدر» يكتب د. سعيد عبده «عن تمنيات وزراء صدقي باشا» هذه الأبيات: يا ليلة القدر يا أحسن ليالينا نطلب من الله نبقي في كراسينا خلي الوزارة يا رب ومصر تهواها حنن علينا القلوب اللي جرحناها وأوصل حبال المعارضة بعد تقطيعها أحسن تروح المعاهدة واحنا وياها». وعندما يصدر «صدقي باشا» قوانين جديدة لتقييد حرية الصحافة وقصف كل قلم حر، يكتب سعيد عبده قائلا: «لايحة برلمانية بخصوص الجرايد من تاريخ اليوم يصير السير عليها صفحة أولي تشحن دائما قصايد في الوزارة وحسنها وسواد عينيها صفحة تانية تشرح فيها الفوايد والمزايا اللي الطماطم يحتويها الحكومة كل شيء إلا انتقادها تعمل اللي تعمل سمعًا وطاعة والصحافة تنحني لازم قصادها بالبخور والشمع في غاية الضراعة واللي ما يطبطب برقة فوق خدودها ينسحب علي سجن وجحيم في أقرب ساعة». ووسط ذلك الكفاح ضد «صدقي باشا» فوجئت مصر كلها والوسط الصحفي برئيس الحكومة يصدر جريدة اسمها «الشعب»، وتلك واحدة من أغرب الصحف المصرية، وتستحق حلقة أخري!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل