المحتوى الرئيسى

أحمد سيف يكتب:عندما "تتململ" مصر و"تهتز" حوران وبعض حواضر الشام

05/04 22:37

يعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بدأ الأربعاء، من لندن، جولة أوروبية أن بإمكانه إعادة التاريخ إلى الوراء، وتجاوز التغيرات الجذرية التي أفرزتها الثورات العربية في المنطقة، وما سيترب من استحقاقات جاءت بها المصالحة الفلسطينية. وعلى ما يبدو، فإن نتنياهو يعتقد أنه قادر على تغيير الموقف الأوروبي إزاء الإصرار الفلسطيني على المضي قدما نحو أبواب ألأمم المتحدة، والحصول على  موافقة دولية شرعية بإعلان دولة مستقلة بعد فشل مسار المفاوضات مع إسرائيل،ويقوم نتنياهو بجولته هذه، غداة الصدمة التي تلقاها على يد الفلسطينيين والمصريين من خلال اتفاق المصالحة بين فتح وحماس الذي رعته القاهرة، والذي ساهم في ترسيخ المزيد من الحقائق التي بلورتها الثورات العربية.ويسعى  رئيس الوزراء الإسرائيلي لدى الأوربيين إعادة  الاعتبار إلى إسرائيل كحليف استراتيجي لا يستطيع الغرب الاستغناء عنه في هذه المنطقة، التي ما زالت تشكل عمقا ومجالا حيويا لمصالح الغرب الحيوية الأمنية والاقتصادية. ويدافع هو ومجموعة كبيرة من السياسيين والإعلاميين المؤيدين لسياسة اليمين الإسرائيلي في واشنطن وعواصم الغرب، 'أن الثورة العربية تهدد مصالح أوروبا، كما مصالح إسرائيل، الشريك الاستراتيجي التقليدي للغرب في هذا التقاطع الجغرافي وفي هذا الفصل من التاريخ. يريد أولا في بريطانيا، الشريك والمسؤول الأول عن إقامة إسرائيل، أن يبطل نتائج مسيرة طويلة شقتها  ثورة فلسطينية أخرى عصفت بالمنطقة، وأسندتها بالكرامة والعزة، إثر هزيمة حرب حزيران عام  1967،  وقادت بعد أربعة عقود إلى فرض خيار عالمي لا رجعة عنه هو قيام دولة فلسطين المستلفة. محطات كثيرة عبرتها مسيرة الدولة، غير أن إعلان بريطانيا، فرنسا وألمانيا في الثامن عشر من شباط الماضي، دعم قيام الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة عام 1967، واعتبار الاستيطان غير قانوني،  دقائق بعد إحباط واشنطن المشين، قرارا  لمجلس الأمن  يدين الاستيطان الإسرائيلي، كان التعبير الأكثر وضوحا بأن قطار الدولة في طريقه إلى محطة الدولة لا محالة.   وقد مثّل لجوء واشنطن لاستخدام الفيتو نجاحا صعبا لسياسات نتنياهو- ليبرمان ومن معهم من اللوبي الإسرائيلي في البيت الأبيض، لكن إعلان الموقف الأوروبي من الدولة ومن الاستيطان، مثل أيضا إنذارا لحكومة نتنياهو التي  صدمها  الموقف الأوروبي. لكن إسرئيل قدرت إمكانية التعامل مع تفاعلاته في معالجات لاحقة، وباستغلال أكثر فظاعة للنفوذ الإسرائيلي داخل إدارة اوباما، المحاط بمستشارين متطرفين في تأييد إسرائيل وفي طليعتهم دينس روس مستشار الرئيس للأمن القومي والمسؤول عن ملفي إيران والمفاوضات  الفلسطينية الإسرائيلية، للحد من بلورة الموقف الغربي وتأكيد عدم تعامل واشنطن معه، ولاحقا محاولة إسقاط خيار عودة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة.   نجح نتنياهو في إحباط ثلاثة اجتماعات للجنة الرباعية لإعلان موقف  واضح مؤيد  لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 مستعينا بإدارة اوباما، ولكن ليس من دون وعد  في المرة الثالثة، بأن يقدم خطة للحل. وتطور هذا الوعد- الحل لاحقا، ليأخذ في الاعتبار، كما يجادل أصدقاء إسرائيل في لندن وواشنطن، مضاعفات تطور الأوضاع في المنطقة، وتأزمها في اليمن وليبيا وسوريا..ليتضمن توجهات إستراتيجية  إسرائيلية لشراكة مع الغرب تهدف إلى مواجهة مشتركة للتطورات العاصفة، ويستند إلى تحليلات إسرائيل وحلفائها من أنصار اليمين، بأن الفوضى ستعمم المنطقة، ويتناقض ما تعتبره إسرائيل 'سذاجة أوروبية' تتغني بالتحولات الديمقراطية، والاكتفاء بمحاولة التأثير بها عن بعد، وتقتضي هذه الرؤيا الاعتماد على إسرائيل كقاعدة في المنطقة تحمي المصالح الغربية. وتجادل  إسرائيل  في هذا السياق، بأن فرض إقامة الدولة الفلسطينية عبر الأمم المتحدة، سيضعف إسرائيل وسيحد من قدرتها على التفاوض المباشر مع القيادة الفلسطينية، وتحقيق أو فرض المتطلبات الإسرائيلية 'الدقيقة' لضمان وجودها كدولة 'قابلة للحياة' أمنيا وفي كل المجالات الدنيوية الأخرى: الماء والهواء والحدود والمعابر والأرض واللاجئين، وترتيب كل ما يخطر على البال يتبعه توقيع الفلسطينيين على نهاية الصراع والمطالب كلها، والمقصود هنا حقوق الشعب الفلسطيني المعنوية والمادية والملكية الفردية والجماعية في فلسطين، والتي تشكل 95% من مساحة فلسطين التاريخية. وتحارب إسرائيل في هذا الطرح اتجاهات أوروبية سياسية وفكرية قوية، تتبلور بقوة داخل الأحزاب الحاكمة والمعارضة، ترى في 'الربيع العربي' فرصة تاريخية، لتغيير استراتيجي في التعامل والشراكة مع الجار العربي، تتأسس على احترام رغبات الشعوب في الحرية والمصالح المتبادلة وتتكامل مع دعاوى تأييد الغرب للحريات وحقوق الإنسان .    يجادل هذا التيار الأوروبي بعدم إمكانية العودة إلى الأساليب القديمة، وإن التعامل الايجابي مع الثورات العربية، يمثل بداية مصالحة بين الغرب وأجيال جديدة من شباب العرب، ومن شأنه التقليل من الاحتقان المتزايد وما ظهر في العقود الأخيرة، أنه تصاعد لمسيرة الصدام بين العرب والمسلمين مع الغرب. ويستمد هذا التيار قوة من أصحاب المصالح الاقتصادية، الذين يرون أن المنطقة مقبلة على تطورات هائلة، يمكنهم الاستثمار فيها  بشكل كبير . كثيرون من المختصين في قضايا الأمن القومي الأوروبي، يراهنون على نجاح الثورات في حوض المتوسط في التعامل مع الشباب العربي الطموح، الباحث عن عمل  وحياة كريمة، بدل الغرق في الحلول الأمنية، وإنفاق الملايين عند الحدود وعلى معسكرات لاحتواء اللاجئين إلى أوروبا، أو في التعاطي الفاشل مع أنظمة توفر معالجات ترتهن ببقائها ومصالحها كما الحال مع ليبيا .   باختصار يمكن لأوروبا بناء شراكة حقيقية ناجحة مع شعوب المنطقة، التي لم تظهر عداء لأوروبا في كل ما وقع إلى الآن. ويمهد لنجاح هذه الشراكة تغيير جذري يشق طريقه أيضا في أدبيات الغرب الإعلامية والفكرية تجاه الرؤية النمطية السلبية عن العرب، على الأقل لهؤلاء الأكثر حظا، لأنهم الأكثر شجاعة، في شرق السويس وعلى مقربة من المغرب- في تونس وفي أطراف الجزيرة العربية في اليمن والبحرين، وهي رؤية أكثر ايجابية واحتراما لشباب العرب، هؤلاء الشجعان المحاربين من أجل الكرامة والعمل، والذين يتطلعون إلى بناء بلاد حرة كريمة.   على الأغلب، لن ينجح نتنياهو في تسويق بضاعته، ويظهر مسار التحولات في أوروبا  خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نهاية الارتهان الأوروبي إلى جريرة التاريخ  وعقد ما ارتكب من مجازر ضد اليهود في أوروبا. وقد سارعت التطورات الراهنة إلى إيصال هذه المسيرة بسرعة إلى خواتمها الطبيعية، وصولا إلى انتهاء زمن دفع الفلسطينيين والعرب ثمن جرائم لم يرتكبوها، وكونهم 'ضحية الضحية'. يوفر الربيع العربي فرصة تاريخية نادرة، لبدء مصالحة الغرب المستعمر مع الشعوب العربية عبر الاحترام الصارم لإرادة الأجيال الشابة، وبناء شراكة عادلة مع الجار الجنوبي الصاعد بقوة لا راد لها، ويعني ذلك، حين نتحدث عن التاريخ  وعن كرامة الأمة، دعم إقامة دولة فلسطينية بحق، دولة حرة كريمة لكل أبنائها، ذلك أن فلسطين كانت ولا زالت 'كلمة السر' في كل ما جري وسيجري لإعادة تشكيل المنظفة، وهذا يتطلب أيضا 'تواضع' إسرائيلي يأخذ بعين الاعتبار ما كشفته الثورات من خرافة وهامشية القوة الإسرائيلية.يحدث هذا عندما "تتململ "مصر وتثور حوران وتتحرك بعض حواضر الشام. كاتب فلسطيني ومراسل وكالة وفا في أوروبا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل